إذن, فقد كان الهدف واضحاً عند الإدارة الأمريكية الجديدة التي أرسلت وزير خارجيتها (كولن باول) ليسوّق عقوبات (ذكية) ضد العراق بعد تآكل الموقف الإقليمي والدولي وانكشاف حقائق لأولئك الذين يعتبرون الموقف الأمريكي معبراً عنهم أيضاً في مُطلق الحالات والأوضاع. وربما عن غير قصد, اعترفت واشنطن بأن سنوات الحظر العشر كانت غبية وتحتاج مع الإدارة الجمهورية الى مزيد من الذكاء لكي تتواصل, وتقنع الدول العربية التي بدأت إعلان تبرمها من الإملاءات الأمريكية الصلفة, وبعد أن وجدت العواصم الغربية أن استمرار الحصار ليقتل مليوناً ونصف المليون عراقي قد تكون له آثار على عواصمهم وعلى أنظمتهم إن هم استمروا في الموقف اللامبالي إزاء عمليات القتل والتجويع التي يتعرض لها الشعب العراقي جراء الحصار الأمريكي ــ البريطاني الجائر. لكن الوزير الأمريكي الذي زار عواصم المنطقة يدرك, بل يتحرك على أساس الربط بين الوضع العراقي والوضع في الأراضي المحتلة. ولذلك طيّر (باول) شروطه الثلاثة لاستئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني والمتمثلة في (وقف العنف, التنسيق الأمني, رفع الحصار الإسرائيلي) وهي شروط ليست مجحفة بحق الفلسطينيين فحسب, انما تقدم تبريراً للإرهابي شارون في مواصلة خنـق الأراضي الفلسطينية واستمرار الحصار الكامل عليها. ولهذا لم يكن غريباً على رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد, بأن يوافق, بل يتبنى الشروط الأمريكية لمواصلة المفاوضات. ذلك أن المفهوم الأمريكي والصهيوني المتعلق بالعنف هو أن يوقف الفلسطينيون انتفاضتهم ثم يجتمعوا لتطبيق الشق الثاني المتعلق بالتنسيق الأمني, أي شن حملة اعتقالات من قبل السلطة ضد معارضيها في الجانب الفلسطيني... وبعد ذلك وحين يتوصل الجانب الصهيوني إلى قناعة بأن كل شيء على ما يرام يمكن رفع الحصار الذي بدأت آثاره تتشابه كثيراً مع الحصار المفروض على الشعب العراقي. ولم ينس وزير الخارجية الأمريكي ربط تحركه بالقمة العربية المزمع عقدها في أواخر شهر مارس الجاري بالعاصمة الأردنية. فكما جرت العادة, ترى واشنطن اهمية قصوى لضبط إيقاع القمم العربية بما يفرغ أي قرار (عربي) من محتواه. وإذا كانت العواصم العربية قد أخذت تبادر لرفع شيء من الحصار الظالم, فإن ذلك يزعج البيت الأبيض الذي لا يريد تقديم أي (تنازل) يمكن أن يفهمه الحكم في العراق على أنه (نصر) مؤزر. وعليه فإن الضربات التي سبقت جولة كولن باول وأخطأت أهدافها لتصيب المواطنين المدنيين فتقتل بعضهم وتجرح الآخر... هذه الغارات, وبدلاً من أن تُعبد الطريق لجولة الوزير الأمريكي, عطلّت من بعض تحركاته وفرضت عليه شيئاً من التنازل العلني لصالح اعادة النظر في الحصار المضروب على بغداد, كرسالة غير مباشرة لما كان يجري من اجتماعات بين الأمين العام للأمم المتحدة وأحد المسئولين العراقيين.