جرت العادة في الولايات المتحدة الأمريكية على أن تقوم كل إدارة جديدة بمراجعة استراتيجية السياسة الخارجية الأمريكية لتحديد نقاط القوة والضعف من أجل التوصل الى صياغة جديدة لهذه الاستراتيجية تتوافق والمصالح الأمريكية ورؤى وتوجهات الإدارة الجديدة. وإذا ما رجعنا الى فترة رئاسة جورج بوش الأب سنجد أن استراتيجية السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط كانت تقوم على الأسس التالية: 1ــ تأمين منابع النفط وضمان تدفقه الى الاسواق بأسعار منخفضة. 2ــ جعل منطقة الخليج منطقة مصالح استراتيجية أمريكية وهو ما يعني امكانية التدخل ولو باستخدام القوة العسكرية في حالة وجود أي تهديد محتمل لهذه المصالح, مع مشاركة دول الخليج العربية فيتحمل اعباء وتكاليف حماية هذه المصالح الاستراتيجية الأمريكية. 3ــ التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل بما يضمن تفوق الدولة العبرية على الدول العربية مجتمعة ومنفردة, وبما يودي الى ضمان أمنها. 4ــ اتباع سياسة الاحتواء المزدوج تجاه العراق وإيران. 5ــ فصل الملف العراقي عن ملف التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي. 6ــ تقوية التحالف الدولي ضد العراق واستمرار العقوبات المفروضة على هذا البلد إلى أقصى مدى زمني ممكن وحتى يتم تجريد العراق من اية عناصر للقوة ترى الولايات المتحدة انها تمثل تهديداً للدول المجاورة للعراق. ثم جاءت إدارة كلينتون الأولى والثانية لتجسد هذه الاستراتيجية مع اعطاء الأولوية للتوصل الى تسوية سلمية للصراع العربي الإسرائيلي, والى اقامة نظام اقليمي جديد في المنطقة تكون فيه إسرائيل بمثابة القوة الاقليمية المهيمنة على التفاعلات السياسية والاقتصادية في المنطقة, هذا بالاضافة إلى البحث عن سبل ووسائل جديدة لإسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين في بغداد. وعلى مدى ما يزيد على عقد من الزمان برزت نقاط ضعف واضحة في هذه الاستراتيجية, فقد اثبتت التجربة العملية عدم امكانية استمرار سياسة الاحتواء المزدوج تجاه العراق وإيران كما بينت استحالة عزل العراق واستمرار العقوبات الدولية الى ما لا نهاية, واستطاع النظام العراقي ان يحافظ على وجودها بالرغم من الصعوبات والضغوط التي تعرض لها, وبدا واضحا ان العقوبات الدولية لم تحقق اهدافها الخاصة بإضعاف وإسقاط هذا النظام, بل ان نتائجها كانت مأساوية ألحقت الأذى والضرر البالغ بأبناء الشعب العراقي, الأمر الذي أدى إلى توجيه انتقادات حادة لنظام العقوبات. كما فشلت الجهود الأمريكية في إقامة نظام اقليمي شرق أوسطي جديد تكون فيه إسرائيل القوة الاقليمية المهيمنة, وتعثرت التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي. ومن ثم بدأت إدارة بوش الابن الجديدة في مراجعة الموقف من اجل وضع استراتيجية جديدة لسياستها الخارجية في المنطقة خلال المرحلة المقبلة, وحتى كتابة هذه السطور بدا واضحا ما يلي: أولاً: بروز عناصر للثبات في هذه الاستراتيجية محل التشكيك خاصة فيما يتعلق بحماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الخليج وتأمين منابع النفط وضمان أمن إسرائيل. ثانياً: اعادة صياغة أولويات استراتيجية السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة من خلال السعي الى اعادة بناء التحالف الدولي ضد العراق, وبناء نظام جديد للعقوبات على هذا البلد, ليتجنب الانتقادات التي وجهت اليه في المرحلة السابقة, ويقوم على اساس اقناع الدول العربية والاطراف الدولية الاخرى, بأن العراق في ظل نظام الرئيس صدام حسين هو مصدر الخطر الاساسي الذي يهدد الامن والاستقرار في المنطقة. ثالثاً: التفكير في الربط بين الملف العراقي وقضية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي خاصة مع تولي أرييل شارون رئاسة الحكومة الإسرائيلية, فإن كانت الدول العربية ترى في شارون عاملا اساسياً لتهديد الامن والاستقرار في المنطقة, فإن الولايات المتحدة ترى في صدام حسين خطراً رئيسياً في تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة, فمن ثم يمكن الوصول إلى صيغة توفيقية مع الدول العربية في هذا الصدد, مع عدم الاخلال بالالتزام الأمريكي بضمان امن إسرائيل. رابعاً: تجنب الدخول المباشر في عملية التسوية السلمية الشاملة للصراع العربي الإسرائيلي, وتبني اسلوب كيسنجر وهو الخطوة خطوة. خامساً: الحيلولة دون قيام موقف عربي موحد بصدد إدارة عميلة التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي. في هذا الاطار يمكن فهم وتفسير زيارة وزير الخارجية الأمريكي الجديد كولن باول الى المنطقة, حيث يريد الاستماع إلى الاقتراحات العربية بصدد استراتيجية التعامل مع العراق, وعملية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي, وقد اعترف وزير الخارجية الأمريكي منذ بداية رحلته في انه قد يجد صعوبة في اقناع العرب بأن العراق وليس إسرائيل هو مصدر التهديد للأمن القومي في المنطقة, خاصة بعد انطلاق انتفاضة الاقصى, والتأييد الشعبي والرسمي العربي لها وبعد القصف الأمريكي البريطاني للعراق.. الذي أدانته بعض الدول العربية وقد صدقت توقعاتها, حيث اعلن عمرو موسى وزير الخارجية المصري في مؤتمر صحفي مشترك مع باول في اعقاب مباحثاته في القاهرة بأن مصر لا ترى في العراق أي مصدر للتهديد, كما طالب العاهل الأردني برفع الحظر عن العراق واحترام سيادته ووحدة اراضيه وتطبيق قرارات الشرعية الدولية. وقد كان من الواضح ان خطاب كولن باول متهافت للاسباب التالية: 1ـ انه تحدث عن خطر قيام العراق بانتاج اسلحة الدمار الشامل في حين ان التقرير نصف السنوي للمخابرات الأمريكية والذي صدر عشية زيارته للمنطقة اوضح عدم قدرة العراق على انتاج هذه الاسلحة. 2ــ انه اشار الى تهديد عراقي وهمي للدول العربية وتجاهل التهديد الحقيقي الذي تواجه هذه الدول من قبل إسرائيل التي تملك منظومة متطورة من اسلحة الدمار الشامل بما فيها الاسلحة النووية. 3ــ انه تجاهل ان منطقتي الحظر الجوي شمال العراق وجنوبه لا يستندان الى اي قرارات دولية. 4ــ وأخيرا تناسى تماماً أن العراق قد أوفى بقدر كبير من التزاماته بموجب قرار مجلس الأمن, وحاول تصوير العراق وكأنه لم يف بأي التزامات. وبالرغم من ضعف الخطاب السياسي الذي حاول رئيس الدبلوماسية الأمريكية ترويجه في الدول العربية التي زارها الاّ ان جانباً آخر من تصريحاته قد كشف عن بعض الامور المتعلقة بالخطوات الأمريكية المقبلة في المنطقة. ففيما يتعلق بنظام العقوبات على العراق, ذكر باول ان مراجعة واشنطن لسياستها تجاه العراق لا تزال في مراحلها الأولى والهدف وضع نظام عقوبات يحول دون تطوير العراق اسلحة الدمار الشامل فيما يسود الاعتقاد بأن العقوبات الحالية هي سبب نقص المواد الغذائية والأدوية في العراق, وأشار في مناسبة اخرى إلى ضرورة مراجعة هذا النظام لأن هناك اعتقادا في المجتمعات العربية بأن الولايات المتحدة تضر شعب العراق وليس النظام العراقي. إن كانت هذه بعضاً من ملامح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط فالسؤال ماذا عن الموقف العربي المطلوب خلال هذه المرحلة بما يؤدي إلى الحفاظ على المصالح العربية والتي لا تتلاقى بالضرورة مع المصالح الأمريكية في المنطقة؟ نقطة البدء للإجابة على هذا السؤال قدمها الوزير عمرو موسى في مداخلة له أثناء مؤتمره الصحفي المشترك بالقاهرة مع وزير الخارجية الأمريكي, إذ قال: (إننا دائماً نقوم بمراجعة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ولا نأخذ بها كأمر مسلم به). نعم لا يمكن الأخذ بالأطروحات الأمريكية كأمر مسلم به خاصة اذا كانت أطروحات متهافتة متناقضة متحيزة, تتجاهل المصالح العربية تجاهلاً تاماً وتسعى لتحقيق المصالح الأمريكية والإسرائيلية على حساب المصالح العربية المشروعة. ومن ثم فكل ما تقدمه الولايات المتحدة قابل للنقاش والمراجعة, فمن الواضح أن هذا التشدد الأمريكي تجاه العراق يأتي في ظل متغيرات مهمة تشهدها المنطقة, اهما ما يلي: أ ــ الانفتاح العربي على العراق والذي تمثل في عقد ثلاث اتفاقيات للتجارة الحرة بين مصر والعراق وسوريا والعراق وتونس والعراق, هذا بالاضافة إلى بدء البحث لتوقيع اتفاقية مماثلة بين الأردن والعراق, وفي الوقت نفسه تتوالى زيارات الوفود الشعبية والرسمية الى العراق, وربما تكون زيارة وزير الاقتصاد المصري للعراق والتي كانت مؤجلة لتتم عشية وصول الوزير الأمريكي اضافة إلى زيارة الوفد القطري للعراق في نفس فترة الزيارة دليلاً واضحاً على العزم والإرادة العربية لإعادة العراق إلى الصف العربي. ب ــ تنامي روح المقاومة العربية والفلسطينية والعداء الإسرائيلي في المنطقة بعدما كشف الواقع العملي عن عدم اقتناع إسرائيل بالسلام. ج ــ الاستعداد لعقد القمة العربية في عمان خلال شهر مارس 2001 لتكون تجسيداً لقرار قمة القاهرة 2000 بالانعقاد الدوري لمؤسسة القمة وهو ما يعني خطوة مهمة على طريق بناء النظام العربي الاقليمي الجديد. د ــ تنامي الاعتراض الدولي على السياسة الأمريكية والبريطانية تجاه العراق. هـ ــ استمرار الممارسات الإسرائيلية غير المشروعة تجاه الشعب الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة وفي مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية ومن ثم فالتحرك الأمريكي يمكن تفسيره بأنه يسعى إلى تفريغ هذه المتغيرات من محتواها, من خلال ادخال المنطقة في مسار مختلف يتوافق مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الأساس, ومن ثم فيجب على الجانب العربي ان يسعى الى توفير عناصر الدفع للعوامل والمتغيرات الإيجابية في المنطقة, وكشف حقيقة الموقف الإسرائيلي الذي يتحدى الشرعية الدولية, ويهدد الأمن في المنطقة وهو ما يؤثر حتماً على المصالح الأمريكية في هذه المنطقة ومن ثم فلا بدّ من خطاب سياسي عربي يوضح للإدارة الأمريكية مدى خطورة استمرارها في هذا النهج الذي يؤثر على المصالح الأمريكية وعلى الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحساسة من العالم. كذلك لا يجب الربط بين الملف العراقي وملف التسوية السلمية في المنطقة, حيث سبق للولايات المتحدة رفض هذا الربط في مطلع التسعينيات باعتبار أن ملف الصراع العربي الإسرائيلي ملف معقد فماذا حدث لهذا الملف الآن حتى يتم ربطه بالملف العراقي إلا إذا كانت هناك نوايا جديدة للإدارة الأمريكية بصدد مساعدة ودعم حليفها الاستراتيجي في المنطقة؟! بقلم: د. محمد سعد أبوعامود _ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان ــ مصر