على عكس ما توقعه عدد من الساسة والمحللين السياسيين تتراجع منطقة الشرق الأوسط في أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة. فقد فرضت المنطقة نفسها على هذه الاجندة. وذلك بالنظر إلى جملة من التحديات التي تهدد المصالح الأمريكية في المنطقة. أولها, تزايد مخاطر الأعمال الارهابية الموجهة للمصالح والأهداف الأمريكية في المنطقة, وأبرزها الهجوم على المدمرة الأمريكية كول في عدن في أكتوبر 2000 والذي راح ضحيته 17 بحاراً أمريكياً, واختطاف طائرة كان على متنها السفيرة الأمريكية باليمن باربرا بوداين في يناير ,2001 وثانيها, الاتجاه المتزايد دولياً واقليمياً نحو تخفيف العقوبات المفروضة على العراق. وهو الأمر الذي يُضعف من علاقة الولايات المتحدة بالدول الصديقة في المنطقة من ناحية, ويعزز من محاولة العراق الخروج من عزلتها الاقليمية والدولية في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة الى احكام هذه العزلة من ناحية اخرى. أما ثالث هذه التحديات, فيتمثل في تعقد عملية السلام خاصة في ظل العنف الإسرائيلي المتزايد تجاه الفلسطينيين, ووصول أرييل شارون الى السلطة. فالتغير الذي حدث لم يكن في موقع الشرق الأوسط على اجندة الإدارة الأمريكية الجديدة ولكن في ترتيب إدارة بوش لأولويات هذه القضايا, أي في داخل الاجندة الشرق أوسطية حيث تراجع الاهتمام بعملية السلام, نسبياً, في مقابل التركيز الواضح على قضايا أمن الخليج والعراق. فهناك رغبة واضحة من جانب بوش الابن في عدم الانغماس بشكل مباشر في محادثات السلام مقارنة بسلفه بيل كلينتون. وما زال موقفه تجاه المحادثات غير منظور بعد, وإن كان من الواضح ان هناك محاولة من جانبه للظهور بشكل معتدل من خلال التأكيد على ضرورة قيام الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بوضع نهاية للعنف واستعادة الهدوء. هذا في حين أولى بوش ووزير الخارجية كولن باول منذ توليهما السلطة اهتماماً ملحوظاً بالملف العراقي. فقد أكد بوش في عدة احاديث تلفزيونية وصحفية عقب توليه منصبه في 20 يناير 2001 انه سيواصل فرض العقوبات الدولية على العراق من خلال اعادة التحالف المناهض للعراق, مع تشديد هذه العقوبات حيث رأى أن نظام العقوبات الراهن (مليء بالثقوب مثل الجبن السويسري) على حد قوله. كما أكد استعداده لاستخدام القوة العسكرية ضد العراق اذا كان ذلك ضروريا لوقفه عن انتاج اسلحة الدمار الشامل التي تهدد مصالح الولايات المتحدة وتشكل خطراً على إسرائيل. من ناحية أخرى, فإن تعيين كولن باول الذي كان قائداً لهيئة الأركان المشتركة أثناء حرب الخليج ووزيراً للخارجية يحمل, في حد ذاته العديد من الدلالات التي أكدتها تصريحاته فيما بعد. ففي خطاب اعتماده الذي ألقاه يوم 17 يناير 2001 في لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ أعلن باول انه يجب ان نركز جهودنا في الاقليم (بقصد الشرق الأوسط) ككل و ليس فقط عميلة السلام, وعندما ننظر الى كل الاقليم فليس هناك حالة تراجيدية أخرى اكثر من العراق. وفي مناسبة اخرى رأى باول ان سبب جميع المشكلات الحالية في الشرق الأوسط هو عدم التزام صدام حسين بقرارات الأمم المتحدة واستمراره في بناء ترسانة اسلحة الدمار الشامل واستمراره في تهديده لجيرانه كذلك أكد باول انه يؤمن بضرورة اعادة الحيوية لنظام العقوبات المفروضة على العراق, وأن السياسة الأمريكية تجاه العراق سوف تنطلق من ركيزتين اساسيتين أولهما استمرار سيطرة الأمم المتحدة على عوائد النفط العراقي, وثانيهما الاستمرار في العمل على منع العراق من انتاج اسلحة الدمار الشامل, ورأى ان الوجود العسكري الأمريكي في الخليج لا يزال ضرورياً, ولكن اقر انه لن يكون من السهل على واشنطن الاحتفاظ بقواتها في الخليج اذا رأت جميع دول المنطقة ضرورة مغادرتها. وفي هذا الاطار يمكن تفهم الضربات الأمريكية على العراق وكذلك زيارة كولن باول للمنطقة. فمن ناحية جاءت الضربات التي شنتها الطائرات الأمريكية والبريطانية على بغداد في وقت متأخر من مساء يوم 16 فبراير ,2001 للمرة الأولى منذ أكثر من عامين حيث كانت آخر هذه الغارات هي عملية (ثعلب الصحراء) في ديسمبر ,1998 في وقت اصبح من الوشيك حدوث انفراج بشأن رفع العقوبات عن العراق. فقد كان من المقرر بدء مفاوضات بين العراق والأمم المتحدة في 19 فبراير بهدف الوصول الى حل وسط يحقق مطلب الأمم المتحدة بشأن استئناف فرق التفتيش الدولي لعملها داخل العراق, والمطلب العراقي الخاص برفع العقوبات المفروضة عليه. وقد أدركت واشنطن ان هناك قبولاً للطروح المقدمة من جانب العراق للربط بين قضيتي عودة المفتشين ورفع العقوبات من جانب فرنسا وروسيا والصين, وان الاجماع الدولي حول العقوبات يتراجع يوماً بعد يوم سواء في مجلس الأمن أو بين الدول العربية أو على الصعيد الدولي بصفة عامة, وأن عدد من يخترقونه يتزايد بشكل ملحوظ, وهو الأمر الذي يهدد واشنطن بهزيمة دبلوماسية. ومن ثم فقد كان احد اهداف هذه الغارات هو محاولة استدراجه الى الرد عليها مما يؤدي إلى احراج المطالبين بتخفيف أو إلغاء العقوبات المفروضة عليه وإضعاف موقف العراق دبلوماسيا ودعم موقف واشنطن في مفاوضاتها مع أعضاء مجلس الأمن حول الصيغة الجديدة للعقوبات على العراق والتي تتضمن تخفيفاً لجوانبها المدنية وتشديداً لجوانبها العسكرية. من ناحية أخرى جاءت هذه الضربات بهدف ضرب شبكة الدفاع الجوي عالية التقنية التي استطاع العراق تطويرها في الآونة الأخيرة وذلك قبل بدء مفاوضات العراق مع الأمم المتحدة حتى لا تثير استياء باقي اعضاء مجلس الأمن والمجتمع الدولي بصفة عامة خاصة وان شبكة الدفاع الجوي هذه لا تعد من قبيل اسلحة الدمار الشامل التي يمكن ان يتولى المفتشون الدوليون تفكيكها اذا ما عادوا إلى العراق. وقد وجهت العديد من الانتقادات الى هذه الضربات من جانب العديد من الدول على الصعيدين الدولي والاقليمي. فقد أبدت فرنسا عدم تفهمها وانزعاجها من الغارات الأمريكية على العراق وطالبت واشنطن بتقديم ايضاحات لذلك. ورأت ان هذه الغارات تؤدي الى حدوث توترات في جهود التوصل إلى حل متفق عليه للمشكلة العراقية يتماشى مع أهداف مجلس الأمن الدولي. كذلك, أدانت روسيا الهجمات الجوية الأمريكية واتهمت واشنطن بالعمل كشرطي للعالم. كذلك, أعلنت الفاتيكان ومنظمة المؤتمر الإسلامي إدانتها الهجوم على العراق. كما عبرت إيران عن رفضها للغارات الأمريكية والبريطانية وأعلن رئيس البرلمان مهدي كاروبي بأن أي هجوم تقوم به الولايات المتحدة ضد بلد مسلم هو أمر غير معقول بما في ذلك الهجوم على بغداد. من ناحية أخرى أدانت العديد من الدول العربية الغارات الأمريكية, فوصفتها مصر بأنها خطوة سلبية تتعارض مع سلامة العراق وسيادة اراضيه, ولا يمكن الموافقة عليها أو تفهم أهدافها. ورفض الأردن الغارات ووصفها بأنها انتهاك لسيادة العراق بل لا يؤدي الا الى زيادة الاضطرابات في الشرق الأوسط. وأكد على ضرورة رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق وانتهاج الحوار كأسلوب وحيد بين العراق والأمم المتحدة. كما شجبت كل من تونس والجزائر وليبيا واليمن القصف وجددوا مطالبتهم برفع الحصار عن الشعب العراقي. في هذا الاطار, وفي محاولة لامتصاص الاستياء العربي خاصة مع قرب انعقاد القمة العربية جاءت جولة كولن باول للمنطقة والتي بدأها في 24 فبراير وتشمل مصر والأردن وإسرائيل وفلسطين والكويت والمملكة العربية السعودية. وذلك بهدف اساسي, هو حشد التأييد لتفعيل العقوبات المفروضة على بغداد والتأكيد على اهمية الابقاء عليها, وإيجاد وسيلة افضل لاحتواء العراق. هذا الى جانب بحث سبل استئناف مباحثات التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي. والسؤال المطروح هو: هل يستطيع كولن باول من خلال جولته تحقيق التأييد المنشود للسياسة الأمريكية تجاه العراق. واستمرار العزلة العراقية عربياً, أم أن ما يعانيه شعب العراق من ناحية والاستياء الذي يجتاح الشعوب العربية وما يفرضه ذلك من ضغوط على حكومات هذه الدول سوف يدفع الدول العربية إلى قبول عودة العراق الى الصف العربي والمطالبة العربية برفع العقوبات المفروضة على شعبه؟ لعلّ هذا ما ستجيب عنه القمة العربية المرتقبة. بقلم: د. نورهان الشيخ _ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة