يحلو لزعيم الحزب الشيوعي الروسي جينادي زيجانوف أن يقدم نفسه كصديق مخلص للعرب.. ولذلك فهو يسمح لنفسه بالإدلاء بدلوه في القضايا العربية.. وفي هذا اللقاء الخاص مع (الملف السياسي) في أعقاب زيارة أداها الى قطر هي الأولى الى منطقة الخليج وتزامنت مع الجولة العربية التي قام بها مؤخراً وزير الخارجية الأمريكية الجديد.. قال الزعيم الروسي إن الموقف الأمريكي بشأن تهميش العملية السلمية من خلال تسليط الأضواء على العراق خطوة خاطئة تماماً معتبراً وجود ارتباط قوي جداً بين القضيتين. ورأى زعيم الحزب الشيوعي أن سياسة القطب الواحد لا يمكن أن تستمر في المستقبل, معرباً عن قناعته بأن بلاده ستعود لاحتلال دورها الطبيعي على مستوى العالم.. وفيما يلي نص الحوار: * هل لك أن تطلعنا أولاً على أهداف زيارتك الخليجية الأولى, ونحن نعلم أنك أتيت الى الدوحة من مصر حيث كان وزير خارجية روسيا ووزير خارجية أمريكا أيضاً.. فما هي دلالات ذلك؟ ــ أنا أعتبر نفسي صديقاً مخلصاً للقضايا والشعوب العربية, وقد قمت خلال الفترة الماضية بزيارة العراق ومصر وسوريا وليبيا وتونس والأردن. وفيما يتعلق بالناحية السياسية فإننا نملك مع الجانب العربي وجهات نظر مشتركة فيما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط والوضع في المنطقة, وموقفنا معروف من الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية وضرورة إقامة الدولة الفلسطينية ووقف الغارات الجوية على العراق ورفع الحصار عن الشعب العراقي. * هل تعتقد أن التحرك الروسي في اتجاه المنطقة العربية يحمل معنى المنافسة مع الجانب الأمريكي الذي تمثله جولة كولن باول؟ ــ كما تعلم فإن عدد سكان العالم العربي يصل الى أكثر من 200 مليون شخص, كما أن تعداد سكان العالم الإسلامي يصل الى مليار و200 مليون نسمة, وهذا يوجد فرصاً كبيرة للتعاون بيننا. وروسيا كما تعلمون بلد يقطنه المسيحيون والمسلمون الذين تعايشوا بشكل سلمي لقرون, ولذلك فإننا نرغب في تطوير علاقات ودية مع جميع أقطار العالم الإسلامي. وقد بحثنا هذا الموضوع بشيء من التوسع مع المسئولين في قطر والأقطار العربية الأخرى.. ونحن على قناعة بأننا كنا دائما خير أنصار للقضايا العربية, وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وأنا أعتقد أيضاً أن لروسيا الكثير من الأعداء وهؤلاء الأعداء يحاولون دائماً إثارة القلاقل في المنطقة. وهذه القوى التي تحاول إثارة المشاكل في روسيا هي نفسها التي تشجع الأحداث الحالية في منطقة الشرق الأوسط. * من تقصد بــ (هذه القوى)؟ ــ هناك العديد من الأشخاص الذين لا يملكون نوايا طيبة تجاه روسيا, والذين ساهموا في تدمير الاتحاد السوفييتي كدولة, وهم يستفيدون من أي مشكلة تواجه بلادنا.. والعالم العربي أيضاً. * يقوم وزير الخارجية الأمريكي كولن باول حالياً بجولة في منطقة الشرق الأوسط,و هو يحاول إقناع دول المنطقة بإعطاء الأولوية للحصار على العراق والنظر الى قضية السلام في الشرق الأوسط باعتبارها مسألة ثانوية, فكيف تنظرون إلى هذا الأمر؟ ــ الموقف الأمريكي ظالم وخاطىء, فالقضيتان مرتبطتان ببعضهما, ولا يمكن لأمريكا التنصل من مسئولياتها تجاه الحل السلمي في المنطقة, والحل السلمي دون إقامة الدولة الفلسطينية مستحيل. وفي الوقت نفسه فإن عملية السلام تتطلب الوقف الفوري للغارات الجوية ورفع الحصار عن العراق, ونحن في مجلس (الدوما) نؤيد إقامة الدولة الفلسطينية وفق قراري مجلس الأمن 242 و,338 كما نرى ضرورة رفع الحصار عن العراق في أسرع وقت ممكن. وأنا أؤمن أن الغارات الجوية البربرية على العراق لا يوجد لها مبرر, فهذا التصرف لا يمكن أن يصدر عن دولة مسئولة وكما تعلمون فقد كنت في القاهرة قبل أيام والتقيت مع الرئيس حسني مبارك ووزير الخارجية عمرو موسى ورئيس البرلمان المصري وبحثت معهم هذه القضايا التي تتفق آراؤنا حولها فنحن نرى أنه لا بد من الحل السلمي, وان روسيا يجب أن تلعب دوراً أكثر فعالية في هذه العملية. * من الملاحظ أن دور روسيا لا يتجاوز الإدانة والشجب, فما الذي يمكن أن تقدمه موسكو للعالم العربي خلال الفترة المقبلة؟ ــ يوجد في روسيا حالياً اتجاهان, اتجاه يرغب في ألا يتجاوز دور روسيا اطار الشجب والتنديد كما أشرتم, واتجاه آخر تمثله بعض قيادات روسيا والحركة الشعبية الوطنية التي تفهم أهمية علاقات روسيا مع العالم العربي. ونحن نرى أنه عندما يتحدث طرف ما عن الحل السلمي, فإن عليه أن يحدد موقفه بشكل واضح وصريح من مسألة إقامة الدولة الفلسطينية ورفض اسرائيل الانسحاب من الأراضي المحتلة, وفي هذا السياق لا بُدّ من تهيئة الأجواء الملائمة للحوار. ودون المشاركة الروسية الفاعلة في عملية السلام, فإنه من غير الممكن الوصول الى أي حل. وكما تعلمون فقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي الى زيادة التعقيدات المتعلقة بالحل السلمي, والسؤال الذي يتبادر الى ذهني الآن هو هل كان بإمكان الأمريكيين ضرب بغداد بهذه البساطة لو كان الاتحاد السوفييتي موجوداً, أنا متأكد أن الاجابة ستكون بالنفي. * هناك دائماً في العالم العربي تعاطف واضح مع الاتحاد السوفييتي سابقاً وحتى مع روسيا حالياً, بسبب مثل هذا الكلام الجميل, ولكن عندما يتعلق الأمر بالإجراءات العملية, فإن روسيا تكون سلبية جداً ولا تستطيع أن تحرك ساكناً, فكيف تعلق على هذا الأمر؟ ــ هذا صحيح, ولكن الأوضاع تغيرت الآن في داخل روسيا, فالرئيس الجديد يملك عقلية مختلفة عن عقلية يلتسين, وحزبنا يستطيع التأثير على موقف رئيس الجمهورية, ونحن على ثقة تامة بأن السياسة الخارجية الروسية ستكون صحيحة وموفقة خلال الفترة المقبلة. * ما صحة التقارير التي تتحدث عن وجود تعاون عسكري روسي ــ عراقي في مجال تطوير الأسلحة العراقية التقليدية؟ وهل تواجهون بذلك الجهود الأمريكية لاستمالة المنطقة العربية؟ ــ هذا الموضوع من اختصاص الخبراء ولا علاقة لي به كسياسي.. فمهمتنا كسياسيين هي رفع الحصار عن العراق ووقف الغارات الجوية بشكل فوري. * هل تأملون في عودة روسيا الى الأدوار المتقدمة على الساحة السياسية الدولية؟ ـ العالم لا يمكن أن يعيش في اطار القطب الواحد الى الأبد. وبالتأكيد هناك فرصة كبيرة لظهور عالم متعدد الأقطاب تكون أركانه أوروبا الموحدة والولايات المتحدة وروسيا والصين والهند والعالم العربي الذي يمتلك امكانات كبيرة. * من الواضح ان هناك محاولات أمريكية لدخول الباحة الخلفية لروسيا من خلال التغلغل في القوقاز والبلقان, فهل تعتقدون ان أحسن وسيلة للدفاع هي الهجوم.. وبالتالي فأنتم تحاولون التحرش بالنفوذ الأمريكي في المنطقة العربية؟ ــ نعم هذا الأمر يشكل خطراً على روسيا ولكن يجب ألا ننسى أن هناك اتجاهين مختلفين في الولايات المتحدة, اتجاهاً يدرك أن كارثة تحل بروسيا ستنعكس بشكل سلبي على العالم وقد التقيت بعدد كبير من الدبلوماسيين الأمريكيين الذين عبروا عن رفضهم لتوسع (الناتو) شرقاً وهناك اتجاه آخر يرحب بهذا التوسع ويشجعه.. أما إذا كنا نتحرش بأمريكا في المنطقة العربية فأعود للقول بأن علاقاتنا مع العالم العربي تاريخية وخالية من الظلم ومن المشاكل, وبالتالي فإننا نعلم جيداً مدى حضورنا في العالم العربي كأصدقاء يعول علينا في أوقات الشدة. أجرى الحوار في الدوحة: أحمد السراج