فقد العراق نحو مليون طفل منذ كارثة حرب الخليج الثانية عام 90 ــ ,1991 وولد أكثر من عشرة آلاف طفل مشوه بسب قذائف اليورانيوم المستنفد التي امر الجنرال كولن باول وزير الخارجية الأمريكية الحالي بإطلاقها على الأهداف العسكرية والمدنية العراقية خلال عملية عاصفة الصحراء, مما يرشحه للتنافس مع أرييل شارون في مجال انتهاك الحرب على المستوى الدولي, ويجعله متردداً في مسألة تصديق الولايات المتحدة على انشاء محكمة دولية لمجرمي الحرب ومرتكبي الاعمال اللاإنسانية, فقد يمثل امامها يوماً ما اذا امتد العمر به الى زمن تهتز فيه هيمنة واشنطن على الأمم المتحدة, وسطوتها على شعوب العالم الثالث في مناطق المصالح الأمنية الأمريكية, وخاصة في العالم العربي. ولقد انهارت البنية الأساسية في العراق أو تكاد, وتوقفت كافة مشروعات التنمية فيه, وتدهورت الخدمات إلى حد خطير, وتلوثت البيئة, ولا يزال حصار التجويع والترويع مستمرا ضد الشعب العراقي, ويتفنن الأمريكيون في عرقلة عقود الغذاء والدواء في اطار برنامج النفط مقابل الغذاء. ومع ذلك فإن الرئيس جورج بوش الابن يعلن صراحة أن نظام العقوبات الحالي ضدالعراق ليس فاعلاً, وانه يريد ان يعيد تشكيل ائتلاف دولي قادر ضد نظام صدام حسين, وتطبيق سياسة عملية لتنفيذ عقوبات ذكية ضد العراق, تمنعه من تهديد جيرانه, وإعادة بناء بعض اسلحة الدمار الشامل أو الصواريخ الباليستية. ويدعي الرئيس بوش, أن أخطر رجل في العالم هو صدام حسين, وأن أرييل شارون لا يعتبر مصدر تهديد عاجلاً لأمن الشرق الأوسط, ويتفق معهما في هذا التقدير توني بلير رئيس وزراء بريطانيا التي تتصف بانقيادها الأعمى لسياسات واشنطن, وطاعتها لتوجيهاتها. ويزيد توني بلير الأمر وضوحاً في مسألة استئناف ضرب العراق حين يعلن ان الغارات الأمريكية والبريطانية ضد العراق ضرورية للدفاع عن الحضارة الغربية!!! كأنه مقتنع تماما بخطر الإسلام على الغرب, وبدعاوى المؤرخ الأمريكي صمويل هنتينجتون عن الصدام الحضاري القادم بين حلف الصين والدول الإسلامية من جهة, والولايات المتحدة وأوروبا الغربية من جهة أخرى!! ويعتبر بوش وبلير, أن ضرب بغداد عملية روتينية لاستكمال مهمة القضاء المبرم على نظام الدفاع الجوي العراقي, كأن تدمير العواصم العربية قد أصبح مسألة معتادة بعد أن سجل أرييل شارون السبق بغزوه لبيروت عام ,1982 أو أن تأمين الطيارين الأمريكان والانجليز في مناطق الحظر الجوي غير المشروعة شمال وجنوب العراق قد أصبح مطلباً دولياً حرصاً عليهم من رصد العراقيين لإغاراتهم بالليل والنهار على أراضي الرافدين. التهديدات الأمنية في المنطقة العربية نحن نتفق مع الولايات المتحدة في اعتبار العالم العربي منطقة مخاطر أمنية كبرى في الحاضر, وعلى المدى القريب والمتوسط والطويل, ولكننا نختلف معها في أولويات التهديدات الأمنية. إن مصر وسوريا ودولاً خليجية عربية كانت قاطعة في تأكيدها لحقيقة واضحة, وهي أن العراق لم يعد يمثل تهديداً لاستقرار المنطقة العربية أو الأمن الاقليمي, ولكن الولايات المتحدة ترى أن التهديد العراقي, والخطر الايراني يحدقان بالشرق الأوسط, وأن من الضروري ان تتعاون دول الخليج العربية وبعض الدول المعتدلة في المنطقة مع الولايات المتحدة لاحتواء إيران والعراق, ومنع هاتين الدولتين (المارقتين) من تهديد الولايات المتحدة ومصالحها الاقتصادية والأمنية المتنامية في الشرق الأوسط بصفة عامة, ومنطقة الخليج العربي بوجه خاص!! وفي هذا الاطار تسعى واشنطن إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في القواعد البحرية والجوية والبرية في المنطقة. وتثبت واشنطن بذلك أن أحد أهداف الولايات المتحدة من عملية (عاصفة الصحراء) عام 90 ــ ,1991 الى جانب تحرير الكويت, كان تدمير القدرتين العسكرية والتكنولوجية للعراق, واحتواء ايران, والهيمنة العسكرية على منطقة الخليج العربي, كما انها لا تفكر في تقليص الوجود العسكري في المنطقة بالرغم من مرور عشر سنوات على تحرير الكويت. ويرفض جورج بوش وتوني بلير تخفيف القبضة عن واردات العراق الغذائية والدوائية إلا اذا عاد المفتشون الدوليون الى العراق يحصون كل حركة وسكنة في جيشه, ويبلغ بعضهم بها (الموساد), ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية, ويحددون أهداف الضربات الجوية والصاروخية القادمة ضد العراق. ولا يهتم الأمريكيون كثيراً بمحادثات حكومة بغداد مع السكرتير العام للأمم المتحدة حول مسائل العقوبات الاقتصادية والمراقبة والتفتيش على الأسلحة فإن جورج بوش وسلفه وأباه يعتقدون أن مصالح الولايات المتحدة في حرمان العراق من اسلحة الدمار الشامل, وتأمين تدفق البترول بمعدلات ملائمة للغرب, وأمن إسرائيل ــ غير قابلة للمساومة السياسية!!! وتقلل الادارة الأمريكية الجديدة من خطر التهديد الإسرائيلي للأمن القومي العربي, وتتغاضى عن الإرهاب الصهيوني لشعب فلسطين. كذلك فإن بوش لا يرى في الحاضر أو السنوات القليلة المقبلة أي خطر حقيقي على إسرائيل من جانب دول الجوار العربية المتمسكة بشدة بخيار السلام (الوحيد) حتى الآن, أو من جانب انتفاضة الأقصى طالما استمر سلاحها قاصراً على الحصى والحجارة, وظلت السلطة الفلسطينية على موقفها من رفض المصالحة مع حماس والجهاد والجماعات الفلسطينية في سوريا ولبنان. ويشعر بوش أن التهديدات الإسرائيلية لبعض دول الطوق العربية قد تخدمه في جعلها أكثر استجابة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في ضوء العلاقات الوطيدة بين واشنطن وتل ابيب, والتأثير المتبادل بينهما في صياغة القرار السياسي لأيهما في قضايا الشرق الأوسط. ولا تهتم الادارة الأمريكية, منذ منتصف التسعينيات بغضب الرأي العام العربي ازاء ازدواجية المعايير في السياسة الأمريكية, والصمت المريب ازاء تهديدات الصهاينة لدول الطوق العربية, وآخرها تهديد أحد الوزراء القادمين في حكومة شارون, وهو أفيجادور ليبرمان رئيس حزب (إسرائيل بيتنا) بضرب السد العالي في اسوان, أو احتلال سيناء شرقي المضايق والممرات الجبلية اذا زادت مصر حجم قواتها شرق قناة السويس, أو فكرت في نجدة الفلسطينيين اذا اجتاح شارون بعض المناطق (أ) التي سلمت اليهم, أو في الضغط العسكري على إسرائيل اذا هاجمت جنوب لبنان. وعلى الرغم من زيارة كولن باول الاخيرة لفلسطين فإن شارون يتعنت, ويُصر على رفض التفاوض مع عرفات الا اذا توقف (العنف) الفلسطيني, ويهدد باعتقال عرفات, واغتيال بعض معاونيه, بل وبطرد السلطة الفلسطينية من الضفة الغربية لنهر الأردن وحصارها في غزة اذا استمرت انتفاضة الاقصى!!! والأخطر من ذلك ان ادارة بوش قد تخلت عن دور الوسيط في المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية, وستكتفي بتهيئة اجواء (دافئة) للتفاوض حتى يتفق الطرفان, في يوم بعيد بالقطع, على أسس التسوية السياسية. أما الجولان فهي مسألة مؤجلة في جدول الأعمال الأمريكي في شرقنا الأوسط!!! وليس ذلك كله غريباً أو مفاجئاً فهو يتفق مع الاستراتيجية الأمريكية الحالية بصورة تامة. استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الولايات المتحدة دولة مؤسسات, واستراتيجيتها هي نتاج عمل مشترك للمخابرات المركزية, فالبنتاجون, والكونجرس, ومراكز البحوث المتخصصة. وقد حددت الولايات المتحدة في سبتمبر عام 1996 ست مصالح أمنية أساسية تتدرج في أولوياتها, وتوضع الخطط لتنفيذها حتى عام 2015. وقد تختلف تكتيكات التنفيذ بين كلينتون وبوش لكن الأهداف واضحة ومحددة, ولا حيود عنها. وأولى المصالح هي احتفاظ الولايات المتحدة بهيبتها كقوة عظمى تمارس قدراً ملائماً من السيطرة الكونية وتواصل تفوقها التكنولوجي والاقتصادي والثقافي. والمصلحة الأمنية الثانية هي احتواء كل من روسيا الاتحادية والصين, والقوى الإقليمية (المارقة) مثل كوبا, كوريا الشمالية, إيران والعراق, ومنع قيام أي تحالف بين الصين الكونفوشوسية وبين الدول الإسلامية ذات القدرة النووية كباكستان, أو الطاقة النووية الكامنة مثل إيران, أو مع بعض الدول الرئيسية في النظام الإقليمي العربي وبخاصة مصر وسوريا والعراق. والمصلحة الأمنية الثالثة هي دعم الأساس الأمني لحلف شمال الأطلسي, وتوسيع قاعدتها لضم دول أوروبية محايدة أو من شرق أوروبا في نطاق العضوية الكاملة أو في اطار الشراكة من أجل السلام, وامتداد مسارح عمليات الحلف إلى الشرق الأوسط, وآسيا الوسطى والقوقاز بصورة متدرجة يدعمها الوجود العسكري المتقدم في مناطق الصراع الدولي ومنها الخليج العربي, وشرقي البحر المتوسط. والمصلحة الأمنية الرابعة هي أمن المحيط الهادي وشرق آسيا, ودعم علاقات التحالف مع اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية, وإشراك اليابان في انشاء وتمويل نظام الدفاع الصاروخي الاعتراضي الى جانب الولايات المتحدة وبعض دول الخليج العربية. أما المصلحة الأمريكية الخامسة فهي ابرام تسويات سياسية سلمية في الشرق الأوسط باعتباره أخطر منطقة في العالم تتهددها الصراعات الدولية والاقليمية, وتمتلك بعض دولها اسلحة الدمار الشامل كإسرائيل وإيران وبعض الدول العربية وباكستان, والسعي لإقامة منطقة خالية من هذه الاسلحة في اطار نظام أمن اقليمي يضم تركيا وإسرائيل ودول الجوار العربية لها, وبعض دول العمق العربية, ويرتبط بالولايات المتحدة بعلاقات تعاون استراتيجي سياسي وعسكري وثيقة, وتقترب من مستوى التحالف. والمصلحة الأمنية السادسة هي تأمين تدفق البترول من الخليج العربي, وبحر قزوين إلى الغرب بالمعدلات والأسعار الملائمة لواشنطن, وتأمين خطوط المواصلات البحرية العالمية بما يخدم حرية التجارة الدولية بلا قيود, وتدفق الصادرات الأمريكية إلى الشرق الأوسط وفي مقدمتها السلاح, وتنمية المدخرات البترولية والاستثمارات العربية في الغرب عامة والولايات المتحدة بصفة خاصة. وتضع واشنطن, وتنفذ منفردة, أو بالتعاون مع حلفائها, مجموعة من الخطط والتكتيكات لتحقيق هذه المصالح الامنية. ومن هذه الخطط حفاظ الولايات المتحدة على الدور الرئيسي في توجيه التجارة الدولية, والسبق التكنولوجي, والتحكم في نقل تقنية التسهيلات العسكرية والقواعد في مناطق المصالح الحيوية للولايات المتحدة, وامتداد حلف شمال الأطلسي شرقاً, والتوسع في نظام الأمن الإقليمي تحت السيطرة الأمريكية, ثم ربط مساعدات التنمية للدول المحورية في العالم الثالث بإقامة علاقات تنسيق أو تحالف استراتيجي معها يؤمن نمو المصالح الأمريكية فيها. التكتيكات الأمريكية الحالية تسعى الولايات المتحدة من خلال التوتر العسكري في الخليج, وغموض اتجاهات حكومة شارون, وتجميد المفاوضات العربية الإسرائيلية لتأجيل انعقاد أول قمة عربية دورية في عمّان في أواخر مارس الجاري, وهي أول قمة عادية منذ عقد كامل من السنين, ذلك أن واشنطن ترفض دعم النظام الإقليمي العربي المتمثل في جامعة الدول العربية وتعمل لاستئناف مفاوضات وحوارات انشاء النظام الشرق أوسطي الذي يضم الدول العربية المعتدلة وتركيا وإسرائيل. والتكتيك الأمريكي الثاني هو تعقيد الموقف السياسي العسكري في الخليج, وتعطيل المصالحة العربية, وإعاقة أي تقارب عربي مع إيران, ومحاولة ضرب أي تعاون سياسي أو أمني بين بغداد وكل من طهران ودمشق الى جانب استمرار الموقف الأمريكي من رفض إعلان دمشق بجانبيه العسكري والاقتصادي. والتكتيك الثالث هو ممارسة الضغط السياسي والاقتصادي على الدول العربية التي تتعاون إيجابياً مع العراق مثل مصر وسوريا اللتين أبرمتا اتفاقية للتجارة الحرة مع بغداد, ومن شواهد الضغط على القاهرة تعقيدات المنحة العسكرية وحجب المعونة الإضافية التي تقررت لمصر عام 2000 وهي 250 مليون دولار, كما تقف واشنطن موقفاً سلبياً من تنشيط المفاوضات السورية الإسرائيلية بشأن الجولان. والتكتيك الأمريكي الرابع هو ربط إبرام اتفاقيات التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وأية دولة عربية بالاتفاق أولاً على التنسيق السياسي والأمني بين الجانبين, أسوة بما تم مع كل من إسرائيل والأردن. وسوف تنشط تكتيكات أمريكية جديدة في عهد بوش, ويبقى أن نتطلع ليقظة عربية تجاه صراعات القوى الكبرى ومطامعها في منطقتنا من العالم, وقد تبدأ في عمّان إذا سمحت المشيئة الإلهية وخلصت النوايا العربية!!! بقلم: لواء أ.ح: صلاح الدين سليم محمد _ الأستاذ الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا