لم يكن سقوط باراك بهذا الفارق امرا متوقعا فحسب بعد ان انفضوا عنه. ولم يكن وليد فشله الشخصي فقط, وقد تجسد هذا الفشل اكثر ما تجسد بعدم القدرة على الانتقال من عقلية العسكري المنفذ بناء على قواعد ثابتة وافتراضات عن نوايا (العدو) وقدرات محسوبة ومنفذين مأمورين الى عقلية السياسي رئيس الحكومة, في دولة منهمكة في عملية سياسية مع اعدائها وتعيش حياة سياسية وحزبية موتورة وشديدة التعقيد وسريعة الانفعال بايقاع تنافس وسائل الاعلام على الدراما في غابة اعلامية متوحشة. فشل باراك الآمر في التعامل مع حزبه ثم مع بقية الاحزاب, كما فشل باراك الآمر في فرض شروطه ومواعيده على السوريين والفلسطينيين, ولا ندري هل كان جديا في اقتراحاته اثناء المفاوضات التي ادت الى الانتفاضة ثم في المفاوضات التي رافقت الانتفاضة, ام انه قصد منها احراج القيادات العربية (باقتراحات كريمة) لكي يفضح عدم رغبتها بالسلام؟. لم ينتخب باراك من اجل فضح القيادات العربية. وما دامت الانتفاضة مشتعلة وعدم الاستقرار السياسي يترجم مباشرة الى عدم استقرار اقتصادي وحتى نفسي, فليس بمقدور احد في المجتمع الاسرائيلي ان يرى اعتزاز باراك بذلك انتصارا, تماما كما لم يفلح الاسرائيليون بالتعامل مع الانسحاب من طرف واحد من جنوب لبنان مهما قلبوه كانتصار, وكما لم ينجحوا في اقناع العرب ان الانسحاب الاسرائيلي من لبنان هزيمة وفضيحة لهم لانهم اي العرب, كشفوا عالميا كغير جديين في موضوع المسيرة السلمية. لقد انتخب باراك لكي يجب السلام, فقرب المنطقة الى حافة الحرب, وانتخب لكي يدفع بعلمنة المجتمع والدولة الى الامام فالتوت طرقه بين التحالف مع المتدينين ومعاداتهم في الاعلام, وبين الاصرار على نقل مولد كهربائي في يوم السبت بشكل اغاظ المتدينين, وقبول اعضاء تلامذة المدارس الدينية في الخدمة العسكرية بشكل اغاظ مؤيديه العلمانيين, هذا عدا عن الاسباب التي دعت العرب في حينه للتصويت اليه. وتبين خلال السنة ونصف السنة ان باراك غير قادر على انجاز هذه المهام, وقد تبين هذا خلال فترة قصيرة لانه جاء الى السلطة مع مشاريع من نوع اقتراحات للحل الدائم مع الفلسطينيين واقتراحات الثورة المدنية وغير ذلك ــ اي انه واجه حزب العمل بالحدود القصوى التي قد يصلها من اجل تنفيذ هذه المهام التاريخية ــ ولان الاسئلة كبيرة والاستعداد لطرح الاجوبة متوفر خلافا لما يراه بيريز او رامون او غيرهما, فقد فضح امر حزب العمل. لقد افتضح امره عندما تبين انه غير قادر على تحقيق المهام التي تبرر وجوده. سياسة حزب العمل الاقتصادية لا تكفي تبرير وجوده, فهي لا تختلف جوهريا عن سياسة الليكود, وما يتحكم بها في نهاية الامر هو مجموعات الضغط الاجتماعية ذاتها مقابل رؤوس الاموال والبنوك والشركات الكبرى ذاتها, وضرورة الموازنة بين القوتين في برلمان منقسم على ممثلين عن نخب لقطاعات اجتماعية وعن مصالحها. وكان الهستدروت في الماضي يشكل قاعدة اجتماعية اقتصادية للحزب رغم عدم تميز سياسته الاقتصادية ويضمن ولاء قطاع واسع من الاجيرين والطبقات الوسطى للحزب. ولكن حاييم رامون قضى على الهستدروت كقاعدة حزبية كما قضت طريقة الانتخابات الجديدة على بنية حزب العمل القديمة. ولذلك ارتبط تميز حزب العمل عن اليمين ومبرر وجوده مع مهمة تحقيق السلام مع العرب. ويحب الساسة الاسرائيليون ان يقسموا التاريخ الاسرائيلي الى مرحلتين كبيرتين: مرحلة اقامة الدولة الصهيونية والحروب التي رافقت او اعقبت اقامتها بسبب اقامتها, وبعدها مرحلة العمل من اجل تحقيق السلام مع العرب, اي مرحلة قبول اسرائيل في المنطقة ضمن حل وسط جعلته حرب 67 ممكنا, ولم تؤثر عليه حرب ,73 بشكل جذري. كان المبرر التاريخي لوجود حركة العمل الصهيونية هو عملية بناء الامة الدولة وما رافق ذلك من سياسات طبقية واقتصادية ذات طابع دولاني اشتراكي, وبعد ذلك اصبح مبرر وجودها, برأيها هي على الاقل, هو قدرتها على استحضار اتفاقيات السلام. وقد تبين تحديدا في هذه المرحلة, اكثر مما تبين في اي وقت مضى وبسبب مواجهة شروط السلام العادل مع سوريا وشروط السلام العادل مع الشعب الفلسطيني, وبسبب الاخفاق المباشر والواضح في تلبية هذه الشروط, ان حزب العمل لا يعيش ازمة عادية بعد فشله في الانتخابات وانما يتخبط في مأزق وجودي, ومن حق الباحث او المعلق ان يتساءل عن مستقبل هذا الحزب. وعندما يفقد حزب ما مبررات وجوده, بمعنى مشروعه السياسي والايديولوجي والفكري, اي الطرح الذي يواجه به المجتمع بأسره, والذي يؤهله ليصبح حزب سلطة, او حزبا قائدا لشعب بأكمله او لأقلية قومية مثلا .. فان هذا الحزب لا ينهار مباشرة, وانما يواصل بقوة الاستمرار والقصور الذاتي, مستفيدا من خيرات السلطة ووظائفها والاجيال التي تربت ضمن سياق مصالح السلطة وثقافة السلطة, ولكن هذه الاجيال والفئات الاجتماعية تتغير وتتبدل مع تغير بنية المجتمع والسلطة . وبعد فترة يجد هذا الحزب ذاته دون البرنامج السياسي او المشروع الذي يميزه, وقد انفضت الفئات الاجتماعية الواسعة التي يستند اليها وتمنحه الولاء بقوة الاستمرار حتى عندما لا يعبر عن مصالحها .. عند ذلك ينهار الحزب ويتحول من حزب سلطة ذي تصور شامل يقدمه للمجتمع ككل الى حزب قطاعي يمثل قطاعا اجتماعيا او فئة اجتماعية بعينها. يعاني حزب العمل وتعاني حركة العمل الصهيونية بشكل عام ازمة وجودية من هذا النوع .. وهو لا يشعر بالألم حتى الآن من شدة الصدمة, ويستمر بقوة الاستمرار دون مبرر الوجود, ولذلك ايضا تبدو شخصياته وشخوصه باهتة وعديمة اللون ومتآمرة على بعضها داخليا بشكل يثير القرف والاشمئزاز من السياسة بشكل عام. هذه الشخصيات الباهتة واللاهثة وراء المنصب والمتآمر مع كل شيء ضد كل شيء والتي تشي للاعلام الى تنسى ان كذبت اية كذبة ومتى؟ هي انعكاس لمأزق وجودي وقطري وفكري وقيمي وسياسي. والوضع يشبه الى حد بعيد وضع بعض القيادات والتيارات السياسية في المجتمع العربي في اسرائيل التي فقدت دورها التاريخي, او لم تحصل على دور كهذا اصلا, ولهذا تعيش بين المناصب وتردد وتجتر كلاما متناقضا وغير مفهوم حسب الحاجة, وتنتحل افكارا متناقضة من مصادر مختلفة لانه ليس لديها مشروع سياسي او ثقافي او اجتماعي للعرب في هذه البلاد يجيب على القضايا الاساسية المتعلقة بعلاقاتهم مع الدولة ومع الامة العربية. بوسع الباحث اذا شاء ان يثبت ان مصادر شارون السياسية والفكرية والعملية تعود جذورها الى هناك الى حركة العمل الصهيونية .. ولكن هذه عملية سهلة وليست دليل مأزق بقدر ما هي دليل على انتهازية شارون الباحث عن السلطة لدى اليمين عندما لم يجدها لدى حزب العمل مثل بقية الجنرالات من ابناء جيله .. ولكن التعبير الحقيقي عن مأزق حركة العمل الصهيونية نجده في التقارب السياسي وليس الشخصي فقط بين شارون وبيريز, اذ يؤمن كلا الرجلين المخضرمين سياسيا انه لا يوجد حل دائم للقضية الفلسطينية, وان الافضل هو الاوضاع القائمة (شارون) او المراحل الانتقالية (شارون وبيريز) الى ان يخلق الله ما لا تعلمون, على مستوى تغير القيادات الفلسطينية وتغير سقف توقعاتها بالمراهنة ايضا على عدم قدرة الشعب الفلسطيني على الاحتمال. في حين نجد تقاطعات في التفكير بين نتانياهو وباراك اللذين يصران على عدم (التنازل) عن اي قطعة ارض لصالح الحلول الانتقالية وانه بالامكان فرض حل دائم على الشعب الفلسطيني او الاستمرار بالمواجهة, وقد نفذ نتانياهو بعض التزامات المرحلة الانتقالية اما باراك فلم ينفذ ايا منها ــ وكان هذا الموقف الرافض لتنفيذ الالتزامات الموقعة, ثم تحويله الى وسيلة ضغط على الفلسطينيين للقبول بشروط باراك للحل الدائم هو احد اسباب اندلاع الانتفاضة!