جنوب السودان هذه الشوكة الدامية في خاصرة البلاد التي غرزها صراع متلاحق مرهق, مستمر منذ اكثر من خمسة عقود دفع فيها السودانيون شمالا وجنوبا ثمنا غاليا لم يجن اهل السودان منه ما يبدد المأساة والازمة المزمنة, وازمة الجنوب سيرة من سير الصراع الذي انشأته عوامل شتى سياسية واقتصادية واجتماعية, فضلا عن ظاهرة النضال الاثنى الذي فجرت بدورها عنفا ماديا داميا منذ عهد الحكم الثنائي (المصري الانجليزي) قبل الاستقلال, حيث تطورت الآليات التي غذت الصراع فرسخت من عوامل البغضاء ووسعت من فجوة الثقة بين ابناء الوطن الواحد حتى عدا الجنوب السوداني في نهاية المطاف مرتعا لاجندات تدويلية ومسارات انفصالية تجتهد في تحقيق اهدافها تحت غطاءات ومسوغات التدخلات الخارجية التي تستدعيها سياسات تصعيد العنف والعنف المضاد, لكنه تدخل تحاول فرضه الولايات المتحدة الامريكية لتحقيق مصالحها واجندتها الخاصة في توافق مع الاجندات الانفصالية التي تعرقل اي بارقة لتحقيق سلام عادل وشامل. ومثلت الانقلابات العسكرية في الشمال عنف الدولة ضد مظالم اجتماعية وسياسية واقتصادية مشروعة لاهل الجنوب مثلما شكلت قهرا سياسيا على اهل الشمال, فكانت الحركات المضادة العسكرية الجنوبية التعبير المشحون بالكراهية والانتقامية ضد الشمال بكل مكوناته الحضارية, ورغم هذه الصورة الدامية فقد تحققت مراحل تفاهم متقدمة في مراحل متباينة اهمها: * اتفاق القوى السياسية الشمالية والجنوبية داخل البرلمان على النظر في طلب اقامة علاقة فيدرالية عند كتابة الدستور عام 1955. * الاتفاق على اقامة نظام حكم ذاتي اقليمي في جنوب السودان من خلال قرارات وتوصيات لجنة الاثنى عشر ومؤتمر كل الاحزاب السودانية. * اتفاقية اديسا ابابا عام 1972. * مشروع الحكومة الديمقراطية للاتفاق مع الحركة الشعبية قبيل انقلاب 1989. * قرارات مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية عام 1995. * واخيرا اتفاقات الحكومة الحالية فيما يسمى باتفاق السلام من الداخل 1997. هذه المراحل لم تبلغ مداها لاسباب عديدة ومختلفة, لكن ما تحقق في مؤتمر اسمرا للقضايا عام 1995 من اجماع بين القوى الشمالية والجنوبية المتحالفة تحت لواء التجمع الوطني السوداني هو اكثر الخطوات تقدما على طريق تحقيق السلام العادل والشامل, هذا الاتفاق الذي اثمرته اسمرا وبرغم ادعاء جميع الاطراف التي وقعت عليه الالتزام به اصبح يعاني من اختناقات ويتعرض لاهواء لا تمكنه من بلوغ منتهاه في مناخ وطني واقليمي ودولي جديد عن طريق التفاوض الجاد والضغط الشعبي والسياسي والاعلامي والدبلوماسي, فأهم اطراف تحالف المعارضة السودانية الجنوبية الحركة الشعبية لتحرير السودان اعلن قائدها العقيد جون قرنق في خطابه يوم 16 مايو 2000 اهدافا مختلفة غير تلك التي اتفق عليها في اسمرا لا يمكن تحقيقها الا عبر الآلة الحربية العسكرية حدد فيها مسارات حركته في ثلاث خيارات هي: المسار الأول: ضم جنوب كردفان وجنوب النيل الازرق ومنطقة ابيي واخضاع الجنوب الموحد لبرنامج الحركة الشعبية والجيش الشعبي واقتسام السلطة المركزية بالتساوي مع السلطة الحالية في الخرطوم لمدة عامين ثم يمارس الجنوب تقرير المصير. المسار الثاني: اسقاط النظام في الخرطوم واستلام التجمع الوطني الديمقراطي للسلطة وتكون السلطة الفعلية للجيش الشعبي لتحرير السودان الذي يعتبر بمثابة الجيش القومي مع اعطاء تمثيل شكلي لبعض فصائل التجمع الاخرى التي لها قوات رمزية. اما المسار الثالث: فهو ان تقوم الحركة الشعبية والجيش الشعبي بزحف كامل يشمل كل بقاع السودان بحيث يصبح كل السودان محررا وتصبح الحركة الشعبية هي الحزب الحاكم وجيشها هو جيش البلاد الوطني. هذه هي مسارات الحركة الشعبية التي تشكل معالم اجندتها الحربية والتي تتناقض كليا مع مقررات مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية, ولعل هذه الاهداف والمسارات التي تطرحها الحركة في وثائقها تؤكد بوضوح انه لا مكان للديمقراطية التعددية بل دعوة صريحة لشمولية اثنية تجد من يروج لها في اوساط بعض الفصائل السياسية في اطار تحالفات مرحلية لها مبرراتها. الرؤية الامريكية هذه التوجهات الراديكلية الاثنية وجدت بعض التأييد من الادارة الامريكية السابقة مع وجود متحمسين في هذه الادارة لمسارات جون قرنق كمادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية ومساعدتها سوزان رايس, فالموقف الامريكي يرى ضرورة تصعيد العمل العسكري وممارسة الضغط على النظام الحالي حتى يذعن لمطالب الحركة كما يرى ان السودان جزء من القرن الافريقي الكبير ولابد من فصله عن بعده العربي والاسلامي حضاريا والحاقه بهذا القرن وحصر مصيره في نطاقه وتهدف الادارة الامريكية من وراء ذلك لتشكيل علاقتها مع السودان كما تريد وفق مصالحها ورؤيتها للمتغيرات. ومحاولة الحاق السودان بالقرن الافريقي الكبير تفسر محاولات قتل المبادرة المصرية الليبية المشتركة لتحقيق السلام الشامل في السودان من خلال الدور الذي تقوم به الحركة الشعبية لافشال هذه المبادرة باعتبارها اسهاما من الشمال الافريقي يحمل دلالاته ومضامينه. وتشجيع الحركة لممارسة الضغط العسكري تهدف الادارة الامريكية منه ايضا إلى مراجعة استغلال البترول السوداني لصالح الشركات الامريكية, هذه كلها اهداف تدفع في اتجاهها تيارات لوبي امريكي متعدد الرؤوس, فاللوبي اليهودي الصهيوني الذي نظم مؤخرا حملة في متحف الهولوكست الامريكي بواشنطن جند لها كل طاقاته واذياله في الادارة الامريكية بهدف فرض عقوبات اقتصادية ضد النظام في السودان واجبار الشركات الاجنبية العاملة في مجال النفط على مغادرة السودان يمثل حلقة تدفع بالسياسة الامريكية في هذا الاتجاه لان هذا اللوبي يعادي توجهات النظام السوداني الاسلامية والعربية في اطار دعمه الملحوظ لكل التيارات المناهضة للثقافة العربية الاسلامية المركزية في البلدان العربية. هناك ايضا اللوبي الكاثوليكي الذي ينتصر لدعاوى اضطهاد المسلمين للمسيحيين في العالم الاسلامي إلى جانب جماعة الضغط الافريقية الامريكية في الكونجرس الامريكي التي تناصر المفاهيم الاثنية ضد مفهوم العروبة في السودان, هذه الضغوط الامريكية المتعددة الاوجه والرؤى للأزمة السودانية عززها عنصران اساسيان هما: * سياسات النظام السوداني المتشددة في مرحلته الاصولية الاولى, والتطلعات الانفصالية الاثنية التي تعمل لها الحركة الشعبية ضمن مساراتها المعلنة. ورغم ان الموقف الامريكي قابل للتغير بتغير الادارات والسياسات التي يفرضها واقع التغير, وضرورات المصلحة, الا ان دورا اكبر ينتظر شريحة هامة من السياسيين والمثقفين الجنوبيين الليبراليين الذين يقدرون حجم المأساة التي سببتها الحرب المتصاعدة دون مبررات منطقية مع وجود امكانية لممارسة ضغط شعبي وسياسي متعاظم لاحلال سلام عادل وشامل يوقف الحرب ويحقق السلام وذلك من خلال العمل على ابطال مفعول الاجندة الحربية والاتجاه نحو حل شامل وعادل. فواقع المأساة التي يزيد من تفاقمها تصاعد الحرب وانعكاساته على حال واوضاع الانسان السوداني في جنوب الوطن اكبر بكثير من تطلعات (لوردات الحرب) في الشمال والجنوب وهو ما يستوجب تحركا مسئولا من الحركة السياسية الجنوبية وقطاعات المثقفين الجنوبيين الصامتة مع غيرهم من قوى سياسية سودانية ترى ان الاوان قد ان لايقاف هذه الحرب واقامة سودان تقوم فيه الحقوق والواجبات على اساس الحقوق المتساوية بين المواطنين, يستطيع ان يترسم خطاه في عالم يتجه بكلياته نحو الغد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا, واحسب ان لدى السودان الكثير من الخطوات التي عليه خطوها ليتمكن من النظر إلى الامام بعد التخلص من ثقافة الصراعات العقيمة والضلال القديم.