ماذا يمكن أن تسفر عنه هذه التجمعات والتكتلات الاقتصادية التى تشارك فيها القاهرة وتدعو لها بدأب شديد؟ آخر التجمعات: مجموعة الدول الثمانية الاسلامية التي انعقدت قمتها الثالثة في مصر هذا الأسبوع. قبلها كانت القاهرة قد حاولت تنشيط التعاون العربى العربى عبر اتفاقات للتجارة الحرة تمهيدا لسوق عربية مشتركة. وقبلها كانت مصر قد انضمت لمنظمة التجارة العالمية التى تقضى أحكامها بفتح الحدود مع العالم الخارجي. كما كانت مصر قد وقعت اتفاقية للشراكة مع أوروبا وتتفاوض لاقامة منطقة تجارة حرة مع الولايات المتحدة. وهكذا.. يمتد التحرك من اندونيسيا شرقا ونيجيريا جنوبا وهما ضمن الدول الثماني .. الي أمريكا غربا حيث تأتى أكبر المعاملات الخارجية لمصر. والسؤال, على ضوء ذلك, وماذا بعد؟ نلاحظ هنا أن التجمع الجديد يخرج من رحم ثلاثة تجمعات سابقة لم تحقق أهدافها.. أعني: مجموعة الدول الاسلامية, ومجموعة عدم الانحياز, ومجموعة الدول الأفروآسيوية.. وكلها مجموعات محدودة الانجاز على الصعيد الاقتصادي, رغم المحاولات المتكررة. نلاحظ أيضا, أن دول المجموعة يربط بينها ظرف الأزمة, فماليزيا وأندونيسيا تعرضا لأزمة كبيرة هى أزمة جنوبى شرق آسيا, وإن تحسنت الأحوال بعض الشئ.. وإيران تنهض من كبوة الحصار, وتركيا التى قررت تعويم عملتها أخيرا هبط سعر العملة لديها في مقابل الدولار بمقدار (30) بالمئة وهو ما أحدث هزة ضخمة في الاقتصاد.. ومصر كما نعلم تعاني من الركود والكساد. و.. مع ذلك فلست متشائما أو يائسا من إنجاز (شئ ما) لهذه الدول الثماني الأكبر في العالم الاسلامى والتى يمكن أن تلعب بتعاونها دور القاطرة لكل الدول المحيطة بها. وأبدأ من الأزمة, فكما أنها ظرف ضاغط.. فهى ظرف حافز.. وكل الدول تسعى لكعكة أكبر في الاقتصاد عن طريق التعاون الدولي.. وهكذا تسعى الدول الثمانية لزيادة صادراتها وجذب استثمارات وأنشطة لبلادها, والتبادل بين الدول الثماني وتوثيق العلاقات بين رجال الأعمال قد يلعب دورا في ذلك, إنه تعاون الجنوب مع الجنوب والذى قد يكون أكثر يسرا من تعامل الجنوب مع الشمال.. أما مجالات التعاون فهي كثيرة فالكتلة السكانية التى تمثلها الدول الثماني تساوى 5.13 بالمئة من تعداد سكان العالم, وبالتحديد حوالى ثمانمئة مليون نسمة, أي أنها سوق واسعة بل أكثر اتساعا من السوق الأمريكية بروافدها الثلاثة كندا, والولايات المتحدة.. والمكسيك.. وهى أكبر حجما من السوق الأوروبية المشتركة. نملك سوقا واسعة, والدول المنضمة للمجموعة دول محورية في أقاليمها سواء كان بالنسبة لباكستان وأندونيسيا وماليزيا في شرق وجنوب شرق آسيا ووسطه .. أو بالنسبة لمصر في النطاق العربي. أو بالنسبة لنيجيريا في النطاق الافريقي. هنا نلاحظ أن نقطة البداية كانت نقطة عملية فالدول الثماني والتى بدأ تعاونها منذ أربع أو خمس سنوات فقط لم تعلن وحدة اقتصادية أو سوقا مشتركة, لكنها قالت سوف نبدأ بتواضع.. فاختارت الصناعات الصغيرة والريفية مجالا للتعاون. واختارت صناعات البيئة والتخلص من النفايات الصلبة مجالا آخر وأعطت اشارة بدء وتشجيع لرجال الأعمال ليبدأوا اتصالاتهم ويكونوا اتحادهم. وكما أن تلك بداية عملية لا تحلق في آمال كبيرة لا تتحقق, فإنها قد تكون أيضا هي الوسيلة الصحيحة للبحث عن طريق ثالث ليس الطريق الرأسمالى الذى أنجب العولمة بمخاطرها ولا طريق الماركسية الذى انبنى على التدخل الكبير للدولة. أيضا, فهو ليس طريق التكنولوجيا بالغة التقدم وليس طريق الركون الى كل ما هو تقليدي. أحد أوجه أزمة العالم الثالث: نمط التنمية, فلسنا عالما أول وصل الى قمة التكنولوجيا.. لكننا عالم مكتظ بالسكان وسوق العمل بحاجة لرعاية خاصة, ومن هنا فإن الأولوية لما يفتح فرص عمل وليس الأولوية لما يدر ربحا أكثر أو للأكثر تقدما بشكل عام. وربما تكون الصين هى النموذج الذى نجح في ذلك فقد أخذت بسياسة الانفتاح لكنها لم تتخل عن قدر من التوجيه, واستقبلت أحدث التكنولوجيات ومنها تكنولوجيا الفضاء, لكنها لم تعف شعبها من العمل اليدوى الذى يفتح فرصا للجميع. وهكذا فإن مجموعة الثماني الكبار في العالم الاسلامى يمكن أن تكون رائدة في مجال اختيار طريق أمثل للنمو. أيضا, فهى تستطيع أن تحسم تلك المعركة التى بدأت مع أزمة جنوب شرقى آسيا.. أعني: نحن والآخرون.. نحن والعولمة.. الشمال والجنوب. لقد ثارت ماليزيا ومعها آخرون عندما انهار الاقتصاد تحت ضربات المضاربين والأموال الساخنة والحدود والبنوك المفتوحة. وتغيرت لغة الخطاب عالميا فبات الجميع يتحدثون عن سلبيات العولمة. ولكن.. ماذا نفعل بالتحديد؟ ربما استطاعت مجموعة دول الثماني أن تجيب, والموضوع على جدول الأعمال.