في العقدين الاخيرين من القرن الماضي وجدت الانظمة الشمولية والدكتاتورية نفسها في وضع غير قابل للاستمرار بشكلها القائم, وادركت ان حركة التغيير المحلية والدولية تفرض عليها اما التغيير واما العزلة والازمة والسقوط في نهاية المطاف. وجدت هذه الانظمة الحل لازمتها في اقامة نظام ديمقراطي شكلي يقوم بتحسين صورتها محليا ودوليا ولا يؤثر في نفس الوقت على سلطات النخبة الحاكمة وامتيازاتها ويزحزحها به من مواقعها. في ظل مؤسسات مدنية ضعيفة وهزيلة, ووعي شعبي محدود او مفقود . وفي ظل ثقافة رعوية غالبة أجادت الانظمة لعبة الديمقراطية الشكلية الى حد تصور المراقب من بعيد انها ديمقراطية حقيقية .. لقد ترك للناس ان يقولوا ما يريدون ولا ضير ما دام قولهم لا يمنع النخبة الحاكمة من ان تعمل ما تريد, واطلقت الانظمة للناس حرية التنافس في الانتخابات والترشيح لعضوية المجالس المحلية او البرلمان او حتى مقعد رئاسة الجمهورية . ولا خوف ما دام الحكم في اليد والنتيجة ستكون تحت السيطرة. لم تدرك هذه الانظمة ان اللعبة الديمقراطية سلاح ذو حدين ففي الوقت الذي تخدم اللعبة الانظمة بتحسين صورتها هي في نفس الوقت تعمل على تقوية مؤسسات المجتمع المدني, وعلى تنمية الوعي الشعبي, كما تسهم في القضاء على الثقافة الرعوية واستبدالها بثقافة المواطنة, وبمرور الايام تتحول الكذبة الى صدق, والهزل الى جد وحينها يسقط في يد النخبة الحاكمة ولا يعود لديها من خيار سوى العودة الى الدكتاتورية بوجهها القبيح والصريح ــ واما وان تقبل بالواقع الجديد وتتحول بالطريقة التي تم بها تحول عدد من دول افريقيا وشرق آسيا وامريكا اللاتينية واوروبا الشرقية. معركة الانتخابات المحلية والاستفتاء على تعديل الدستور ـ الذي جرى في اليمن في الاسبوع الماضي, يعكس بوضوح الحقيقة الآنفة الذكر, فما جرى خلال هذه الانتخابات والاستفتاء كان مؤشرا واضحا ان اللعبة بدأت تتحول الى عمل جاد. وان المؤسسات المدنية قد نمت مخالبها, وان الوعي الشعبي قد تجاوز تصورات النخبة الحاكمة, وان الرعية بدأوا يتخلصون من ثقافة الرعوى المسلوب الارادة الخاضع للمشيئة, ويتقمصون ثقافة المواطن المستعد للدفاع عن حقه في المشاركة في تقرير مصيره ومصير وطنه, ان الظواهر تدل على انه لم يعد امام النخبة الحاكمة سوى خيارين اما خلع القناع واسقاط ورقة التوت والدخول في نفق مظلم , واما القبول بالتغير السلمي والخضوع لارادة الشعب. كانت تجربة الاسبوع الماضي معركة حقيقية وصلت في جزء منها الى استخدام العنف وسفك الدماء كنتيجة لمحاولات غير مشروعة للتأثير على النتائج. لقد بدأت الديمقراطية تتحول من شعار يرفعه النظام الى ادراك لدى المواطن بان ذلك حق من حقوقه وليس منحة من حاكم ولا فضلا من نظام وقد اصاب اندفاع الجماهير السلطة بالذهول والعجز عن الاحتواء رغم استنفار كل مؤسسات السلطة من الجيش الى الامن الى المؤسسات الاعلامية التي بح صوتها لصالح الحزب الحاكم والاتجاه الواحد. بصرف النظر عن النتائج التي سمحت السلطة باعلانها فان الانتخابات المحلية والاستفتاء على تعديل الدستور قد حقق الشعب من خلالهما انجازات هامة من اهمها ما يلي: 1ــ خلع القناع الزائف للديمقراطية الشكلية التي ارادتها النخبة الحاكمة فقد ارغمت المشاركة الفعالة للشعب السلطة على ممارسة الانتهاكات بطريقة مكشوفة مما افقد الانتخابات والاستفتاء شرعيتهما. 2ـ اثبتت التجربة ان المشاركة القوية والايجابية للقوى السياسية ــ لا المقاطعة السلبية هي التي ارغمت السلطة على التزييف المكشوف ــ والتهافت المفضوح والذي كان من شأنه انتفاء شرعية الانتخابات والاستفتاء والشك في مصداقية النظام في اقامة نظام ديمقراطي حقيقي. 3ــ اكدت مشاركة الناس وتحقيقهم لنتائج مغايرة لما تريده السلطة ان بالامكان هزيمة السلطة رغم كل ما تملكه وتستخدمه من امكانيات الدولة وسلطاتها. لقد فشل اعلام السلطة رغم احتكاره لمؤسسات الدولة الاعلامية وفشل الحزب الحاكم وفشلت الاجهزة الامنية التي ارتكز عليها كل جهد السلطة وفشل الاغراق بالمال, هذه الحقيقة الهامة اكدت ان بامكان الجماهير تحقيق التغيير وهزيمة السلطة بالوسائل السلمية والديمقراطية, وان بامكان الناس بمزيد من تنظيم مؤسسات المجتمع المدني, وتطوير وعي الناس, ودحر ثقافة الرعوي, تحقيق نصر غير قابل للعبث به. 4ـ ساهمت التجربة اليمنية الجديدة في خلق حراك سياسي كبير واعادت الى ميدان العمل السياسي الحزب الاشتراكي الذي اظهر حيوية كبيرة رغم ظروفه المادية الصعبة ورغم موقف السلطة غير الودي فيه, كما ساهمت التجربة ايضا في اعادة رسم الخارطة السياسية باقتراب التجمع اليمني للاصلاح من احزاب المعارضة وابتعاده عن خيمة الحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام. 5ــ تجربة الانتخابات المحلية والاستفتاء على تعديل الدستور وجهت رسالة واضحة للنخبة الحاكمة اكدت ان المجتمع قد تغير. وانه في الطريق الى التغلب على كل المحاولات لتجاوزه وتهميشه وتضليله وان على النخبة الحاكمة ان تعيد حساباتها والا تحلم بصناعة المستقبل على طريقتها, فما جرى في سوريا ــ مثلا ـ قد لا يكون مناسبا او ممكنا تكراره في اليمن, وقد يكون من الخير للنخبة الحاكمة ان تدرس التجربة الهندية وتجربة حزب المؤتمر الهندي والتي لو درست بعناية لوجد الحاكمون ان بناء حزب قادر على الانجاز والابداع خير من وحدة عسكرية او اجهزة امنية لا تجيد سوى الايذاء والايجاع.