جاء الهجوم الامريكي الاخير على العراق ليكمل حلقة من التطورات المتتابعة التي شهدتها المنطقة خلال نحو شهر واحد لتدفع بها الى درجة اعلى من التوتر, وتتسم لحظات الغليان المشابهة عادة بكونها تحمل في نسيجها عشرات من الاحتمالات المتناقضة, ان (سيناريوهات) كثيرة, كان يمكن ان تستغرق فترة طويلة في شق طريقها الى ارض الواقع, تنضج خلال اسابيع قلائل بسبب الحرارة المرتفعة للحظات توتر كالتي نراها الآن في الشرق الاوسط, ويستدعي ذلك رصدا دقيقا لتفاعل مكونات هذه اللحظة الخاصة, ومحاولة لتوقع الاحتمالات الاكثر قابلية للانطلاق من عقالها من حيث كانت اي مجرد احتمالات الى ارض الواقع الراهن في المنطقة بسخونته التي تزداد بمرور الساعات. فبعد ان تبددت آخر فرص التوصل الى اتفاق بين الفلسطينيين والاسرائيليين في الاسابيع الاخيرة لادارة الرئيس بيل كلينتون اي بعد ان اخفق ماراثون الوساطات الذي شهدناه في تلك الآونة, تغيرت ملامح المسرح على نحو مفاجىء, لم يعد هناك كلينتون بل جاءت ادارة جديدة بملامح رؤية مختلفة ــ ازاء هذه القضية ــ عن الادارة التي سبقتها وهي رؤية تحتاج الى وقت لا لكي تتبلور فحسب, ولكن لكي تبلور ايضا ادوات تنفيذها, والظروف الملائمة لبدء هذا التنفيذ ثم لم يعد هناك باراك, فقد تلقى هزيمة كاسحة على ايدي فريق يتبنى بالفعل رؤية مختلفة, وهو لا يحتاج الى وقت كي يبلورها او يبلور ادوات تنفيذها. ما لم يتغير هو جوهر الصراع ذاته, فسوف يظل هناك دائما قضية فلسطينية مهما تبدل الاشخاص, وسوف تظل هذه القضية هي محور امور كثيرة في توترات الشرق الاوسط مهما بذل الباحثون والساسة الامريكيون من جهود لبناء ادق تفصيلات محاجاتهم بأن المسألة الفلسطينية ليست محور احداث الشرق الاوسط, وانما هي مجرد (مسألة اخرى) ضمن وسائل كثيرة اخرى ترسم خريطة معقدة لصراعات هذا الاقليم. لقد قال كولن باول وزير الخارجية الامريكي خلال جلسة اعتماد تعيينه التي عقدتها لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في يناير الماضي انه يرى (ان عملية السلام هي احدى القضايا في الشرق الاوسط) وانه (من انصار الرأي القائل بأن هناك امورا كثيرة اخرى وبأننا (اي الادارة) يجب الا نركز على امر واحد فقط). كان باول ـ بعبارة اخرى ــ يقول ان الادارة الجديدة لن تمنح السلام بين العرب واسرائيل اولوية مطلقة على قائمة اهدافها الدبلوماسية في المنطقة, وان عملية السلام هذه (مثلها مثل غيرها). وما زلنا نذكر ان جماعات محددة ــ عرفت بتبنيها للمواقف الاسرائيلية ـ حاولت بجهد كبير ان تروج لوجهة النظر هذه منذ مطلع الثمانينيات فقد قيل آنذاك ان الحرب العراقية ــ الايرانية التي كانت قد تحولت الى بؤرة اهتمام العالم بالمنطقة تبرهن على ان المسألة الفلسطينية ليست هي المحور الاساسي الناظم لتوترات الشرق الاوسط. ثم عادت هذه النظرية بقوة بعد غزو الكويت وبدا ـ بالفعل ـ لوهلة ان هذه النظرية تكتسب قدرا من المصداقية على نحو ما. ولكن ليس كل ما يلمع ذهبا كما يقولون . ذلك ان هذه النظرية اعتمدت على تحويل مجموعة من الجمل الاعتراضية الى بديل للسياق العام للاحداث خلال ما يزيد على 50 عاما, ففي نصف القرن الاخير هذا كان الصراع العربي ــ الاسرائيلي دائما هو (مربط الفرس) لأحداث الشرق الاوسط, منذ 23 يوليو في مصر حين حركت صفقات الاسلحة الفاسدة والاهانة التي تعرض لها الجيش المصري في 1948 مجموعة من الضباط لقلب النظام وبدء عملية تغيير شامل وعميق في الشرق الاوسط, الى حرب 1967 التي استهدفت اغتيال مصر ورئيسها, الى اغتيال السادات بعد توقيع اتفاقية السلام الى الهزة النفطية الاولى عام 1973 بعد حرب اكتوبر الى صعود التيار الديني المتطرف. الى كل شيء كانت المسألة الفلسطينية ـ على نحو ما ــ عنصرا من عناصر هذه الاحداث الجسام, فيما لم تلعب الحرب العراقية ـ الايرانية او كارثة اغسطس 1990 اي دور مشابه, رغم مرارتها وعمق تأثيرها. ويعني ذلك في نهاية المطاف ان كلمات كولن باول, التي تتبناها ايضا مستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس, تجعل من الجملة الاساسية جملة اعتراضية, ثم تحاول جعل الجمل الاعتراضية بديلا للسياق العام لاحداث المنطقة وعلى الرغم من ان واضعي هذه النظرية كانوا مجموعة من الباحثين الموالين لاسرائيل في مراكز الدراسات الامريكية ــ كما اسلفنا ــ فان الفضل لرفعها الى مصاف السياسة العامة للبلاد يرجع الى وزير الخارجية الامريكي الاسبق جورج شولتز. تلميذة شولتز وكيسنجر لقد تبنى شولتز هذه النظرية كأحد مخلفات مدرسة هنري كيسنجر وخلال عمل شولتز في جامعة ستانفورد العريقة احتضن كوندوليزا رايس, ودفع بها الى الصفوف الامامية دائما, ثم اقترحها على جورج بوش الابن حين كان يبحث عن مستشارة لشئون السياسة الخارجية خلال حملته الانتخابية, وتعرفت الآنسة رايس على بوش الابن خلال تلك الحملة, ثم ما لبثت ان ظفرت بموقع مستشارة الامن القومي, وهكذا اصبحت رايس قناة تضخ نظريات ــ تبدو مقنعة في مظهرها بالاضافة الى كونها مصاغة في لغة اكاديمية بليغة ــ من هذا النمط فيما يتعلق بالشرق الاوسط. وكوندوليزا رايس مقربة من الوجهة الشخصية لجورج بوش, وهي مقربة من الوجهتين الشخصية والسياسية لكلولن باول, وكم يبدو غريبا ان يحمل الزمن بذورا نثرها البعض في مطلع الثمانينيات لتجد لها موقعا في تربة الادارة الجديدة الا ان الواقع في الشرق الاوسط سيظل على ما هو عليه, ان بوسع النظريات ان تفترض, بل وان تختلق, ولكنها ستعجز دائما عن تغيير وضع حجر واحد من احجار واقع عنيد لا علاقة له بالسفسطات الاكاديمية التي لا تهدف الى فهمه كما هو, ولكن الى تفسيره كما يريد هذا او ذاك من التيارات والجماعات. الخاسر الاول سيكون كولن باول, بل وربما الادارة الجديدة بأكملها, ذلك ان احد افدح اخطاء السياسة الخارجية لأي بلد كان يأتي من العجز عن قراءة الموقف في اي منطقة (مأزومة) على نحو دقيق, وهو عجز لا يلبث ان يقود الى تبني قرارات افتراضية, ثم الوقوع في الهوة التي تفصل بين هذه القرارات وبين التحرك الفعلي لمعطيات ذلك الواقع المأزوم, ان احدا لا يجادل في ان اختيار اهداف السياسة الخارجية هو عملية تتسم بقدر من الذاتية, اي انها تخضع لرؤية الادارة المعنية وهي رؤية قد تختلف عن رؤى ادارات سابقة ضمن حدود معينة, الا ان ما يتعلق بالمنطقة التي تسعى تلك السياسة الى تحقيق اهدافها في تضاريسها يبقى امرا موضوعيا وليس ذاتيا, ان هذه التضاريس لن تختلف او تختفي لو اصدرت واشنطن قرارا بأنها لا تراها. لقد عجزت واشنطن عن فهم الواقع الايراني كما آل اليه في السبعينيات, وظلت غير قادرة على رؤية التيارات التي تتمثل في قلب ذلك المجتمع دون ان تطفو بالضرورة في تقارير السافاك او ما يقوله مسئولو النظام السابق في محادثاتهم مع نظرائهم الامريكيين, وحين تفجرت الثورة الايرانية بدت للامريكيين كعاصفة في سماء صافية, ولكن السماء لم تكن صافية الا في عيون واشنطن . ان العجز عن رؤية ما كان يتراكم في قلوب الايرانيين آنذاك لا يعادله الا العجز عن رؤية ما يتراكم في قلوب العرب حاليا وهذا العجز بالذات هو الذي يجعل من وزير الخارجية الامريكي الجديد يفترض ان المسألة الفلسطينية هي مجرد (مسألة اخرى) من مسائل الشرق الاوسط فهكذا (اراد) ان يرى الواقع, فيما ينبغي الا تخضع رؤية هذا الواقع لما نريد, بل لما تريد معطيات هذا الواقع نفسه. وعلى نحو مشابه, فانه من الصعب الآن رؤية مدى عمق تأثير القضية الفلسطينية في قلوب سكان المنطقة, اي في تشكيل الرأي العام بينهم, ذلك ان الوزن النسبي لهذا الرأي العام لا يختلف كثيرا عما كان الحال في ايران في السبعينيات, انه رأي مضمر, لا يظهر على السطح على نحو يتناسب مع حجمه او عمقه. الا ان ذلك لا يعني انه ليس موجودا, ان حجم العداء للولايات المتحدة في المنطقة بات هائلا ويعني ذلك ان السماء ملبدة بالغيوم رغم ان كولن باول يرى ان السبب الرئيسي لهذا العداء ــ اي القضية الفلسطينية ــ هو مجرد (احد الامور) التي يجب النظر اليها. انه يرى السماء ــ ربما ــ صافية زرقاء, فهكذا (اراد) ان يراها, فاذا هبت العاصفة فلمن نوجه اللوم؟ العدوان على العراق ولا يمكن النظر الى الغارة الاخيرة على العراق بمعزل عن كل ذلك فقد كان من الممكن ان تمضي هذه الغارة دون ان تراكم كثيرا من الكراهية والعداء الاضافيين فيما لو كانت واشنطن اوضحت ـ على عكس ما قاله باول ـ ان اولوياتها الرئيسية في المنطقة اقرار سلام عادل في الشرق الاوسط بين العرب واسرائيل وذلك على اساس من احترام قرارات مجلس الامن التي يقول باول ان العراق لم يحترمها. لقد بدأت ادارة جورج بوش برصيد لم تحظ به ادارة سابقة في صفوف العرب. وكان من شأنه قول كهذا ـ وهو مجرد قول على اي حال ـ ان يعزز الانطباع بأن هذه الادارة تتبنى حقا معيارا واحدا فيما يتعلق بالقرارات الدولية, اي معيار تطبيقها, اذ ان كل ما يريده العرب هو ان تطبق اسرائيل هذه القرارات الدولية سواء تلك المتعلقة باحتلال الاراضي او بأسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها, ولكن كولن باول بدا فصيحا عند الكلام عن العراق, ثم تلعثم مرارا عند الكلام عن اسرائيل. ومن (اللعثمات) المثيرة للدهشة حقا لوزير الخارجية الجديد تصريحه الذي قال فيه ان الادارة الامريكية لن تلزم الحكومة الاسرائيلية التي يرأسها آرييل شارون بالشوط الذي قطعته المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية التي استمرت 8 سنوات كاملة قبل ذلك. قد نتجنب النقاش حول محتوى هذا التصريح ابتعادا عن (وجع الرأس), ولكن السؤال الذي يلح على الذهن بلا توقف هو: لماذا ادلى باول بهذا التصريح ان كان قد قال قبل ذلك مرارا ان الولايات المتحدة تريد ان تدرس الموقف اولا قبل ان تبلور مدخلا جديدا تتبناه الخارجية الامريكية ازاء هذه المسألة؟ اذا كنت تريد ان تنتظر حقا فلماذا تفتح فمك الآن لتقدم لآرييل شارون احد اهم مطالبه على طبق ساذج من الفضة؟ قد يقول قائل ان الصحيح هو الا تلتزم هذه الحكومة الاسرائيلية الجديدة بتعهدات شفوية قدمتها للفلسطينيين ولكن ماذا عن الاتفاقات الموقعة؟ ماذا عن اتفاقية اوسلو التي (بصم) عليها رئيس الوزراء اسحاق رابين ثم رئيس الوزراء الذي تلاه ايهود باراك؟ هل كان الفلسطينيون يوقعون على ذلك من قبيل تبادل الرسائل الشخصية ام انهم كانوا يوقعون اتفاقات مع حكومة لبلد آخر بصرف النظر عمن يرأس هذه الحكومة؟ ولكن كولن باول لم يقل ماذا يقصد حين (اعفى) الحكومة الاسرائيلية الجديدة من الالتزام بما اتفقت حوله مع الفلسطينيين, لقد قرر ان يتدخل بتعجل لا مبرر له في وقت تعهده بالتريث والانتظار, وقد تكون مشكلة الجنرال انه يميل الى الثرثرة والتمزلق وهي امور لا تتفق كثيرا مع متطلبات موقع رئيس الدبلوماسية الامريكية, فهو موقع يتطلب بالفعل التريث والانتظار. في هذا السياق تكتسب الغارة ضد العراق ابعادا لم يكن من المفترض اصلا ان تكتسبها, المهم انها لم تأت بعد انتخاب بوش, ولكن بعد انتخاب شارون. ثم انها لم تأت بعد تصريحات بحرص واشنطن على تطبيق القرارات الدولية في كل الامور المتعلقة بقضايا المنطقة بما في ذلك الصراع العربي الاسرائيلي, ولكنها أتت بعد تصريحات باول بأن شارون غير ملزم باتفاقيات سابقيه, وهو ــ حرفيا ــ ما كان رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد يطالب به. رغم ذلك فان الاسباب التي ادت الى الغارة الامريكية الاخيرة ضد العراق تبدو واضحة لمن يتابعون ما يحدث في واشنطن, ذلك انها ترتبط بأمرين متصلين, الاول هو اعتزام الادارة اعادة صياغة موقفها ازاء العقوبات المفروضة على بغداد, والثاني هو الدرجة المتطورة التي حققها العراقيون في بناء شبكة دفاعهم الجوي. ان هذه الشبكة ــ اولا وقبل الدخول في التداعيات التي دفعت بواشنطن للاغارة على بغداد ــ لا تدخل ضمن نطاق (اسلحة الدمار الشامل) التي تحظر واشنطن على العراق امتلاكها, ثم انها شبكة دفاعية, انها لا تتصل بالهجوم على اي شيء او على اي شخص, كل ما في الامر ان المهندسين العراقيين تمكنوا من اجتياز عقبة تكنولوجية بالغة الصعوبة, تلك هي ربط المحطات التي تسمى (محطات القيادة والتحكم) بشبكة الكترونية تضمن التنسيق بين هذه المحطات على نحو لحظي خلال حدوث هجوم جوي. ومحطات القيادة والتحكم هذه هي وحدات متناثرة للرادار, وكان من الصعب دائما ان تنسق هذه المحطات فيما بينها, ذلك ان هذا التنسيق يحتاج الى الربط بين اجهزة الكمبيوتر فيما بينها على نحو فوري, واجهزة الكمبيوتر هذه هي التي توجه الصواريخ ارض جو على اساس رصد الرادار للاهداف. هناك اذن ــ في كل محطة ـ صلة ضرورية بين جهاز الرادار والقراءة التي يحصل عليها من مسحه للجو ومن ثم رصده للطائرات المغيرة, وبين اجهزة توجيه صواريخ ارض جو التي يجب ان تطلق وفق هذه القراءة الا ان محطة واحدة لا يمكن ان تحقق النتائج المطلوبة من حيث الدقة. فاذا ما تم الربط بين عدد من المحطات وعدد من مواقع اطلاق صواريخ ارض ـ جو فان درجة الدقة المتحققة من هذه (الشبكة) تزيد بصورة كبيرة. الا ان هذا الربط الالكتروني الذي ينسق ــ خلال لحظات ـ قراءات عدد من اجهزة الرادار ويوجه الصواريخ المضادة للطائرات من عدد من البطاريات خلال ثوان معدودات هو امر صعب من الوجهة التكنولوجية, وما لاحظه الامريكيون في الآونة الاخيرة من خلال رصدهم لآلية عمل شبكة الدفاع الجوي العراقي يتلخص في انهم اكتشفوا ان العراقيين انجزوا تقدما لم يكن احد يتوقعه على هذا الدرب. العراق والأمم المتحدة والمشكلة هنا ان واشنطن لن تتمكن من التحليق في سماء وسط العراق بنفس القدر من الاطمئنان الذي كان موجودا خلال السنوات الماضية, فضلا عن هذا فقد كان بوسع بغداد ــ لاحقا ــ ان تردف رفضها الاعتراف بمناطق حظر الطيران شمالا وجنوبا باجراء عملي هو نقل محطات للدفاع الجوي خصوصا الى الجنوب, وكان ذلك يهدد ـ على مدى ابعد ـ بجعل تلك المناطق مناطق حظر طيران يشمل الجميع, العراقيين والامريكيين والبريطانيين, وذلك بسبب قدرة كل طرف على اسقاط الطائرات التي تحلق هناك والتي يرغب في اسقاطها. ثم ان هذه المشكلة ازدادت تعقيدا حين بدا واضحا ان هناك تحركا من نوع ما على صعيد العلاقات بين العراق والامم المتحدة, فقد حدثت الغارة قبل 48 ساعة من وصول وفد عراقي رفيع المستوى الى الامم المتحدة لبدء (مفاوضات شاملة) بين الطرفين حول هذه المسألة, وطبقا للتصريحات المتداولة في واشنطن فان العراقيين جعلوا منهاجهم الوحيد في هذه المحاولة الجديدة هو الربط بين قضيتي رفع العقوبات واستئناف التفتيش الدولي. والمنطق العراقي يتلخص في التالي: فلنقسم العقوبات الدولية الى ملفات, مثل ملف الحظر النفطي, وملف الشمال, وملف الجنوب, وملف الواردات العراقية .. وهكذا ولنضع برنامجا زمنيا واضحا لاجراءات تخفيف العقوبات في كل ملف على حدة مع تقدم اجراءات التفتيش الدولي. اي كلما انجزت فرق التفتيش ــ بعد السماح لها بالعودة ــ قسطا من مهمتها, تم رفع قدر من العقوبات, او بالأحرى التخفيف منها, وصولا الى اكتمال الصفقة اي اطمئنان فرق التفتيش الدولية تماما الى خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل مقابل الرفع التام للحظر الذي تربطه قرارات الامم المتحدة على اي حال بانتهاء اجراءات التفتيش. اما المنطق الامريكي فقد كان واضحا بدوره, فحيث ان التأييد الدولي لمواصلة الحظر الاقتصادي على العراق ــ على نحو ما هو عليه الآن ــ يتراجع باضطراد, وحيث ان المعارضة لصيغة الحظر الحالية تتسع باضطراد فان الانتظار هكذا ـ دون عمل شيء ــ سيؤدي الى انهيار نظام العقوبات من الوجهة العملية وذلك حين يكثر عدد مخترقيه, لتصبح واشنطن ولندن هما العاصمتان الوحيدتان الملتزمتان بتطبيقه, اي ليصبح الحظر مفروضا عليهما هما, من قبلهما هما, على الاقل فيما يتعلق بموارد العراق النفطية المغرية. لم يكن بوسع واشنطن اذن ان تنتظر حتى يتحول الحظر الى (حظر مقلوب), من الضروري اذن (اعادة هيكلة) هذا الحظر حتى يمكن (اعادة بناء) الاجماع الدولي حول اساس جديد وحيث ان القضية التي تشغل مخالفي الحظر بصفة اساسية هي قضية (التأثير الانساني) للحظر, اي آثاره المدمرة على شعب العراق, فان من الممكن تخفيف الجوانب غير العسكرية في الحظر, مقابل تشديد جوانب القضية التي تشغل واشنطن بصفة اساسية, اي قضية سعي العراق الى تطوير اسلحة الدمار الشامل. هكذا تناولت الادارة الامريكية الجديدة ملف العراق. وهكذا دفعته الى (مطبخ) المراجعة الشاملة, وطبقا لهذا المنحى الجديد كان على بغداد ان تقدم رأيها فيما ستقوم به من جهتها على صعيد القبول باستئناف عمليات التفتيش الدولي, بل وعلى صعيد تشديدها, وقال العراقيون انهم مستعدون لذلك, شرط الربط بين مراحل التفتيش ومراحل رفع العقوبات تدريجيا. وتقرر بالفعل ارسال الوفد العراقي, حاملا ملفاته, الى نيويورك, وذهب كولن باول الى مقر المنظمة الدولية يوم 14 فبراير اي قبل الغارة الجوية بيومين, حيث ابلغه كوفي عنان بأن العراقيين سيصلون بتصور واضح يسمح باستئناف عمليات التفتيش الدولي, وسوف نعرض هنا مقطعا واحدا من مقاطع المؤتمر الصحفي الذي تبع مباحثات باول مع عنان. فقد سئل وزير الخارجية الامريكي: تعتزم الامم المتحدة والعراق بدء التفاوض بينهما في وقت ما من نهاية هذا الشهر هل تنوي واشنطن اعطاء الامين العام للامم المتحدة مساحة للتحرك فيما يتعلق بهذه المفاوضات, وماهي؟ ام ان واشنطن تعتقد ان هذه المفاوضات لن تفعل شيئا لحل هذه المشكلة التي دامت الآن عقدا من الزمن؟ واجاب باول قائلا: انني اعتقد ان المفاوضات هي دائما امر جيد. وسوف يكون تجاوزا في ان اقترح على الامين العام للامم المتحدة ما يمكن له ـ او ما لا يمكن له ـ ان يتفاوض بشأنه, ان ما اراه هو ان هناك قرارات واضحة من الامم المتحدة لا تزال سارية المفعول, وهذه القرارات ملزمة للعراق وهي توضح للنظام العراقي طوال العشر سنوات الماضية انه يتحتم عليه ان يتخلص مما لديه من اسلحة للدمار الشامل التي نعلم انهم يطورونها وانهم امتلكوها لسنوات, اننا نعتقد انه من الضروري, من اجل السلام في المنطقة ولحماية اطفال هذه المنطقة, اي لحماية سكانها, ان يتقدم صدام حسين ومعاونوه وان يسمحوا للمفتشين حتى يتسنى التأكد من ان هذه الاسلحة غير موجودة كما يقول العراقيون. ولذا فانني واثق ان هذا سيكون موضوعا سيناقش في مفاوضات الامين العام مع الممثلين العراقيين, والولايات المتحدة ــ تحت قيادة بوش ــ تقوم بمراجعة سياساتها في المنطقة, وسواء باعتبارها عضوا في الامم المتحدة, وفيما يتعلق بسياستنا الخاصة تجاه العراق. ولذا فانني آمل ان يأتي الموفد العراقي بمعلومات جديدة تظهر استعدادهم ورغبتهم في الانصياع لقرارات الامم المتحدة وان يصبحوا عضوا بناء في المجتمع الدولي مرة اخرى. الصيغة الجديدة للعقوبات انتهى كلام باول, ولكن المشكلة كانت ــ في تلك اللحظة ــ اكثر وضوحا من اي لحظة اخرى, فأنظمة الدفاع الجوي تتطور, واذا ما بدأت المفاوضات بين العراقيين والامم المتحدة ــ بضغط من الصين وروسيا وفرنسا واغلب دول المجتمع الدولي ـ فان اي غارة جوية ضد الاهداف العراقية, وخصوصا محطات الدفاع الجوي المقلقة, ستصبح عملا مستهجنا بصورة خاصة على الاقل من حيث التوقيت, اذ سيبدو ان واشنطن تحاول احباط جهود المنظمة الدولية عبر القيام بعمل فردي, كان من الضروري اذن توجيه الضربة ــ المطلوبة عسكريا ــ قبل بدء المفاوضات العراقية في نيويورك. فضلا عن هذا فان واشنطن ترغب في التأثير مسبقا على (الصيغة الجديدة) للعقوبات التي ستفرزها هذه الجولة من الجهود الدبلوماسية وهي تعلم مسبقا ان الحصول على الصيغة التي تريدها هي ليس امرا سهلا, على ضوء المعارضة العربية والدولية المتزايدة للحظر الدولي المفروض على العراق, ليس هنالك اذن افضل من استفزاز بغداد للقيام بعمل كبير يجردها من الدعم النسبي الذي تلقاه في اللحظة الراهنة, وحتى يمكن استفزازها, لابد من توجيه ضربة عسكرية تجعل الحكومة العراقية في (وضع نفسي) يدفعها للبحث عن انتقام ما .. عن ردع ما. وهكذا فحين جاءت التصريحات العراقية التي تتعهد بالرد على الاستفزاز الامريكي كان ذلك (مقدمة مشجعة) كي تفعل بغداد ما يحاول الامريكيون دفعها لان تفعل, لقد كان من اللافت للنظر حقا ان احتلت هذه التصريحات العراقية التي تعد بالرد على الغارة الموقع الاول في كل التغطيات الاخبارية في الولايات المتحدة وبريطانيا, سواء كان ذلك في صحافة مطبوعة او نشرات تلفزيونية, لقد كانت الرسالة هي ان صدام حسين سيفعل شيئا فاذا حدث شيء ما فان من الطبيعي ساعتها نسبته الى بغداد, بصرف النظر عما اذا كانت مسئولة عنه حقا ام لا, وسوف يكون الوضع (افضل بكثير) اذا ما كانت بغداد مسئولة عنه حقا, اذ ان اظهار ذلك يكفي لاقناع اعضاء مجلس الامن الآخرين بانه ليس بوسع واشنطن او لندن الآن القبول بأي صيغة جادة لتخفيف الحصار وذلك بسبب (النوايا العدوانية) لبغداد. ان للمواجهة الآن بعدا اصيلا يتصل بالرأي العام على الصعيدين الدولي والعربي, فحتى ابناء الكويت يطالبون بوضع صيغة اخرى للموقف الدولي لا تلحق هذه الاضرار الانسانية باخوتهم من شعب العراق. ولعل هذا البعد الذي يتصل بالرأي العام هو ما دفع كولن باول الى الحديث عن حماية اطفال العراق, وهو ما دفعه بعد ذلك الى القول بأن لدى الحكومة العراقية موارد كافية لشراء (كتب وادوية وطعام ولبناء مدارس ومستشفيات) لابناء العراق وذلك طبقا لنظام الحظر المفروض حاليا, حتى بصورته القائمة. ان وزير الخارجية يدرك ان عليه كسب قطاعات اكبر من الرأي العام , وذلك بفك الارتباط بين هذه القطاعات وقضايا المعاناة الانسانية للشعب العراقي الا ان المحاولة لم تكن موفقة تماما, فنظام الحظر الحالي يمنع وصول آلات لمحطات المجاري, وتجهيزات لمعامل المستشفيات والمدارس, واجهزة كمبيوتر للادارات وللأغراض التعليمية, ومعدات لتنقية مياه الشرب, ومستلزمات تشغيل محطات توليد الكهرباء, ان تصدير شاحنات عادية للعراق هو امر ممنوع اذا كانت من نوع الشاحنات الثقيلة, وكذا اجهزة الاتصال, حتى وان كانت تتعلق بشبكة الهواتف. فاذا كان النظام المطبق بهذه الدرجة من الضيق, فان من الصعب الاتفاق مع كولن باول في ان النظام العراقي لديه الموارد الكافية لشراء الكتب والادوية, المسألة ليست مسألة موارد بقدر ما هي مسألة المسموح والممنوع من دخول العراق, ان مواد كثيرة تم منعها بدعوى انها قد تستخدم لاغراض عسكرية, من ذلك مثلا المبيدات الحشرية الزراعية, وقد ادى افتقاد هذه المبيدات ـ التي حظر تصديرها العراق بحكم قابليتها للاستخدام في صناعة الاسلحة الكيماوية ــ الى تدهور حاد في اوضاع الزراعة في العراق. الامر اذن يتعلق بتدهور البنية التحتية في العراق بصفة عامة, ان لم يكن لديك معدات لرصف الطرق, ــ بما في ذلك الشاحنات الثقيلة ــ فانك لن تبني طرقا, واذا لم يكن لديك محطات لتنقية المياه, فانك ستعطي اطفال العراق مياها ملوثة لشربها, وهكذا, هناك اذن (بعض الملاحظات) على مدى دقة تصريحات كولن باول من ان لدى بغداد الموارد الكافية, اذ قد يكون صحيحا ان لديها الموارد الكافية, ولكن نظام العقوبات الحالي يفضي بالفعل الى موت اطفال العراق بسبب استحالة الحصول على مكونات اساسية من مكونات البنية التحتية ومن مستلزمات صيانتها وذلك بسبب مشكلة (الاستخدام المزدوج), أي قابلية هذه المكونات والمستلزمات للاستخدام في امور تتصل بالقدرات العسكرية. وستظل هذه هي المشكلة الاكبر التي تواجه الولايات المتحدة ونظام الحظر المفروض على العراق, بما في ذلك النظام الجديد الذي ستفرزه الجولة الراهنة من المفاوضات, بافتراض تمسك بغداد بضبط النفس, اما مشكلتنا نحن فسوف تبقى محاولة فهم لماذا يتحدث باول بهذه الطلاقة عن قرارات الامم المتحدة وضرورة تطبيقها في حالة العراق وحده؟ هل يمكن ان يسمعنا شيئا عن ضرورة احترام (الجميع) بما في ذلك اسرائيل ــ لهذه القرارات, ذلك ان اسرائيل هي مشكلتنا الاولى. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز: