بيان الاربعاء ــ عدنان ابو عودة في محاضرة أمام الاجتماع الآسيوي لنادي (روتاري): الاشــتباك الفكـري مـع الخصـم ليـس شـكلاً من أشـكال التطبيـع

في الاجتماع الآسيوي لنادي (روتاري) الذي عقد مؤخرا في العاصمة الاردنية عمان القى عدنان ابوعودة المستشار السابق للعاهل الاردني الملك عبدالله الثاني محاضرة بعنوان (فلطحة المصطلح وضبابية المفهوم في حياتنا) اعرب فيها عن تفهمه لموقف لجنة مقاومة التطبيع رغم ان اسمه ورد كمطبع تأسيسا على انه من (مجموعة كوبنهاجن). واكد ابو عودة احترامه لدافع اللجنة الوطني لكنه قال انه يختلف معها حول اعتبار الاشتباك الفكري مع الخصم شكلا من اشكال التطبيع. وفيما أكد في موقع آخر من محاضرته انه مع أن تقوم الحكومة بتفعيل إجراءاتها القانونية مع أعضاء لجنة مقاومة التطبيع, وانه كان إجراء سليما يمليه واجبها نحو حماية المواطن من الافتراء والتشهير وما قد يجرانه عليه من أذى مادي أو معنوي وذلك امتثالا للعقد الاجتماعي القائم بينه وبين دولته. أوضح أبو عودة أن التطبيع كما يفهمه هو إقامة علاقات طبيعية مع اسرائيل تعود عليها بالنفع المادي والمعنوي بينما ما زالت تحتل الأرض العربية وتنكر على الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة, لان مثل هذا العمل يعتبر تمكينا لإسرائيل من قبض الثمن قبل تسليم البضاعة, مشددا على أن المؤتمرات التي يتقابل فيها العربي والاسرائيلي وبخاصة في إطار دولي أي بحضور آخرين من دول أخرى لا يمكن أن ينطبق على ها هذا الفهم من التعريف للتطبيع, وقال إن مثل هذه المؤتمرات هي ساحة (اشتباك) بين خصمين يقدم فيها كل طرف بينته على مشهد من الآخر آملا في إقناع الخصم أو على الأقل كسب تفهمه لموقفه. وفي الحالتين يقول أبو عودة, هنالك مكسب لصالح الطرف المقنع ومكسب حاصل من اقتراب الطرفين من نقطة التلاقي لحل النزاع إذا حدث ذلك بالفعل. وقسم المستشار السابق للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني التعامل مع الخصم في حالات النزاع إلى اشتباك مادي يتمثل في استخدام وسائل العنف ومنها العمل المسلح, واشتباك فكري يتمثل في الحوار وتقديم البينات والبينات المضادة, أما الحالة الثالثة فهي حالة اللاحرب واللاسلم أي الإحجام عن الاشتباك سواء كان مسلحا أم حواريا. منوها بان النزاع العربي الإسرائيلي شهد على مدى نصف قرن أو يزيد الأنواع الثلاثة من التعامل, في حين أن إسرائيل كانت تنشط وحيدة على الصعيد الدولي في الحالة الثالثة من اجل طرح بيناتها من قضية النزاع دون منازع أو متحد لما يطرح. النفور العربي وأكد أبو عودة أن النفور العربي من الحوار مع الآخر افرز خسائر سياسية مني بها العرب فإسرائيل باتت تقول ما تريد دون أن يناقشها أحد باستثناء الخطابات التي كان يدلي بها العرب في الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة. وقال رغم أن بعض العرب انفتح على هذا الحوار إلا أنهم هم ما زالوا حتى اليوم يعانون من هذه الانطباعات التي زيفت الحقائق من خلال زرع اسرائيل لها في أوساط دولية كثيرة في إطار نظام عالمي يلعب فيه المجتمع الدولي دورا كبيرا في التأثير على مسار الأحداث سواء باتخاذ قرارات دولية معينة تتصل بثنائية الحرب والسلام أو بالإحجام عن اتخاذ قرارات حاسمة أو عدم تنفيذ بعضها. إلا انه يشير في الوقت ذاته بان الحوار ليس مطلوبا في كل الاوقات بل أن عدم الحوار احيانا يكون حوارا بحد ذاته من الناحية التكتيكية, على انه لم يحدد متى يكون أحد الأمرين هو الخيار الصحيح, رغم انه صنف هذه الفترة بأنها فترة من المفيد فيها الحوار مع المثقفين الإسرائيليين الذين يعلنون عن إيمانهم بالسلام. ونوه بأنه مثلما يجد الاشتباك المسلح مع العدو معارضة له كما يجد مؤيدين ومتحمسين, فان الاشتباك الحواري كذلك يجد مقدمين عليه مثلما يواجه رافضين له, وبناء على ذلك فان المستشار السابق للملك يعتقد بان الاشتباك الحواري الفكري مع الخصم هو شكل من أشكال النضال من اجل نصرة القضية التي يؤمن بها المحاور, سلاحه في ذلك الحجة والبينة المتماسكة. فمثلما يحتاج المقاتل بالسلاح إلى إيمان بالقضية وأدوات للقتال ودراية عالية به, فكذلك المحاور لابد أن يكون مؤمنا بالقضية ومزودا بالمعرفة والشجاعة والثقة بالنفس والقدرة على استخدام أدوات الحوار. وفي السياق ذاته نفى المستشار السابق للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أن يكون هناك مجموعة ذات أطر مؤسسية اسمها مجموعة كوبنهاجن وقال إن قائمة المطبعين مع إسرائيل والتي أظهرت اسمه على أساس انه من جماعة كوبنهاجن, اعتبرت التطبيع خيانة للامة, و ذلك ما حاولت الجهة التي أصدرتها وهي لجنة مقاومة التطبيع النيابية إلصاقه بالاسماء الواردة في القائمة, على أساس أنها قائمة سوداء. وأضاف انه لم يكن يعرف انه عضو في مجموعة كوبنهاجن الا من خلال القائمة السوداء, متسائلا بسخرية إذا ما كان مؤتمر كوبنهاجن الذي شارك هو فيه قد انتهى بتنظيم عضوية ما. واستشهد المستشار السابق للعاهل الأردني بقوله ان مؤتمر كوبنهاجن لم يعقد لقاءات أخرى أو حتى انه يعقدها بشكل منتظم, لأنه لم يشارك إلا في اجتماع واحد وهو الذي اصدر ما عرف بإعلان كوبنهاجن. اجتهاد ويجتهد أبو عودة في مقاربة معرفته ( بكوبنهاجن ) بالإشارة إلى أن ربما أن القارئ العادي الذي قرأ الأسماء المدرجة بالقائمة السوداء من كوبنهاجن ومؤتمرها سيفهم من كوبنهاجن على انه مكان أو مناسبة ارتكب فيها إثم كبير ضد الأمة والوطن ويقول ملخصا ما حصل في ذاك المؤتمر انه و قبل أربع سنوات دعيت بصفتي الشخصية للمشاركة في مؤتمر نظمته وزارة الخارجية الدنماركية في كوبنهاجن لبحث وسائل دعم السلام في الشرق الأوسط ــ الخيار الاستراتيجي لغالبية الدول العربية, مشيرا إلى أنه قد شارك في المؤتمر عدد من الشخصيات الأردنية والمصرية والفلسطينية والإسرائيلية والأوروبية والأمريكية وممثلي بعض الهيئات السياسية المعنية بالسلام في الشرق الأوسط وممثل عن الأمانة العامة للأمم المتحدة. وفيما يصف السياسي الأردني المدعوين بالمثقفين والمفكرين والناشطين سياسيا يقول أنه وقبل بداية أعمال المؤتمر طرحت الجهة المضيفة مسودة بيان لتشكل المحور الذي تدور حوله المناقشات متلمسة القضايا والموضوعات الهامة المتصلة بموضوع البحث الجوهري, نافيا أن تكون المسودة العامة عكست بشكل كاف قناعات طرفي الحوار الرئيسيين: العربي والاسرائيلي والا, يقول أبو عودة (لما كان هناك حاجة لمؤتمر أو حوار). ويضيف أن الإعلان الرسمي للمؤتمر والمسمى (بإعلان كوبنهاجن) كان حصيلة مناقشات وطروحات وطروحات مضادة للأطراف, مشيرا إلى أن هذا الإعلان يختلف كليا عما كانت عليه مسودة الحوار, إلا أن ماجرى بحسب قول السياسي الأردني نشر في إحدى الصحف المصرية لمسودة البيان وليس البيان الصادر عن المؤتمر على انه اعلان كوبنهاجن, فانفجرت مساجلات فكرية في مصر بين المشاركين المصريين في المؤتمر وعلى رأسهم المرحوم الدكتور احمد لطفي الخولي وعدد من المفكرين والمثقفين المصريين الذين اعتبروا المشاركة في مؤتمر يحضره الإسرائيليون هو لون من ألوان التطبيع. مشيرا إلى انه ومنذ ذلك الوقت اخذ مؤتمر كوبنهاجن مكانه بين عشرات المؤتمرات العلنية والسرية التي تناولت النزاع العربي الإسرائيلي وبجانبه شارة سوداء لدى نسبة مرموقة من الانتجلنسيا العربية التي كونت انطباعها من مسودة الإعلان المنشور في مصر ومن موقف مقاومي التطبيع المصريين الذين حكموا على المشاركة في مؤتمر يحضره إسرائيليون بأنه شكل من أشكال التطبيع. وكان أبو عودة قد بدأ محاضرته بشرح مطول حول أزمة المصطلح والمفهوم في الحياة اليومية, معتبرا إياها أزمة حقيقية. وضرب على ذلك العديد من الأمثلة كان أهمها عندما قال : لنتخيل ان حوارا يدور حول الديمقراطية بين شخصين احدهما يفهمها على انها مجرد برلمان اعضاؤه منتخبون, ويفهمها الاخر على حقيقتها اي تداول السلطة بالطرق السلمية, وما البرلمان والانتخابات الا ركنان من اركانها التي تشمل التعددية وحرية التعبير وحكم القانون. فكيف لهذين المتحاورين ان يعملا سويا من اجل بناء الديمقراطية؟ فإذا كان البرلمان والنواب المنتخبون هم تجسيد الديمقراطية فان اكبر نظام توتا ليتاري في التاريخ (اقصد النظام السوفييتي ) كان هو الآخر نظاما ديمقراطيا لأنه كان يشتمل على برلمان نوابه منتخبون, فالأوروبي والأمريكي لا يصفان نفسيهما بالديمقراطية, كما يفعل بعض الناس في مجتمعنا لان الديمقراطية في بلادهم مستقرة, واصبحت صفة ملازمة لمجتمعاتهم وإذا ما سمعنا أمريكيا يقول عن نفسه بأنه ديمقراطي فهو يقصد بأنه يصوت للحزب الديمقراطي أو ينتمي للحزب الديمقراطي وليس للحزب الجمهوري. وأشار إلى أنه قد يصل خطر ضبابية المفهوم حدا يتسبب بإراقة الدماء وإطالة المعاناة لشعب بأكمله كما هو الحال مع الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقال : إن عملية السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية مصطلح غير دقيق لمفهوم ملتبس. فعملية السلام هي الترجمة العربية لعبارة (ذ مكُْذ مكفم) بالانجليزية, أن كلمة (مكُْذ) لا يقابلها مفهوم دقيق باللغة العربية لان المفهوم لم يوجد أصلا في الثقافة العربية الأمر الذي لم يعط له العرب مصطلحا محددا. وأشار في هذا السياق إلى انه وقبل نحو خمسة عشر عاما على ما أظن صكت مؤسسة الدراسات في الأهرام مصطلحا لكلمة (مكُْذ) هو السيرورة. وهو مصطلح أدق من مصطلح عملية لكنه غير شائع. فمفهوم (مكُْذ ) في الإنجليزية يعني دينامية متطورة تستمد قوة استمرارها من النتائج الناجمة عن سلسلة من الأفعال المترابطة. وفي تعليقه على مصطلح (عملية) قال : غالبا ما يوحي بفعل واحد يستغرق بعض الوقت وصولا للهدف من الفعل, ولا يوحي مطلقا بسلسلة من الأفعال المترابطة والمتطورة, ولو أخذنا بهذا المفهوم وقبلنا بمصطلح سيرورة السلام فهذا يعني أننا قبلنا بالاشتباك الحواري أو السلام متسائلا عما سيواجه العرب على الطريق من نتائج. وأضاف انه بهذا المعنى لم ينخرط الأردن في سيرورة سلام قبل توقيع معاهدة السلام مع اسرائيل وكذلك مصر. اما اتفاقيتا فك الاشتباك الأولى والثانية بعد حرب اكتوبر فليستا كافيتين لاطلاق مصطلح سيرورة السلام بين مصر واسرائيل لان الاتفاقيتين كانتا حدثين منعزلين عن مفاوضات كامب ديفيد. سيرورة السلام ويعتبر أبو عودة أن منظمة التحرير الفلسطينية فقط هي التي كتب عليها أن تتورط في سيرورة السلام حتى الآن, مشيرا إلى أن سوريا ولبنان لن تدخلا في سيرورة سلام لأنهما دولتان لهما حدود دولية معترف بها. واي مفاوضات بين اي واحدة منهما مع اسرائيل ستكون مفاوضات حول الانسحاب الاسرائيلي اولا واقامة السلام بينهما وبين اسرائيل بناء على ذلك ثانيا كما تم مع الاردن ومصر. وحول الالتباس الثاني وهو مفهوم عملية السلام بين اسرائيل ومنظمة التحرير فيرى انه حسب المفهوم المتعارف عليه لعملية السلام ينبع من انهما طرفان غير متماثلين ومفاوضات السلام تتم فقط بين متماثلين او اكثر. فالسلام يتم مثلا بين عائلتين او عشيرتين او قبيلتين وفي هذه الحالة يسمى صلحا, كما يتم بين دولتين حتى لو كانت احداهما محتلة كما حدث بين امريكا واليابان. أما بين طرفين غير متماثلين فلا يجوز ان تجرى مفاوضات على السلام كما هو الحال بين اسرائيل الدولة المحتلة والشعب الفلسطيني ممثلا بمنظمة التحرير قبل ان تقوم الدولة الفلسطينية حتى يتحقق التماثل, مستشهدا على ذلك بالقول حينما اجريت المفاوضات بين الجزائر وفرنسا في اوائل الستينيات دارت المفاوضات حول استقلال الجزائر, وتم الاستقلال وتحقق السلام. والسلام بين طرفين غير متماثلين تعبير عام يمكن ان يدرج تحته الطرف الاقوى مسائل وقضايا ثانوية كثيرة موظفا بذلك موقعه المتميز أو قوته المتفوقة ليملي على الاخر شروطه. ومن هنا يرى أن ما يجري الآن في الأرض المحتلة هو نتيجة عوامل عدة من ابرزها تعريف هدف المفاوضات ابتداء بانه من اجل تحقيق السلام بين طرفين غير متماثلين الأمر الذي سمح لإسرائيل الطرف الأقوى بحكم سيطرتها على الشعب الفلسطيني واحتلالها لارضه ان توظف المعنى العام للسلام بالشكل الذي ترتئيه إلى أن تحولت المفاوضات إلى مفاوضات حول تحقيق الأمن للأفراد في اسرائيل والى أمور صغيرة مثل فتح المعابر وإطلاق سراح السجناء والسماح للعمال الفلسطينيين بالعمل داخل اسرائيل. مشددا على انه كان ينبغي أن تجري المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بشكل محدد حول الانسحاب الإسرائيلي من الاراضي المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. لهذا يؤكد المستشار السابق للملك أن شعارات الانتفاضة الحالية لم تكن غريبة أو مفاجأة للمراقبين تلك التي تتعلق بـ( سنستمر في الانتفاضة حتى تنسحب إسرائيل) أو (سنستمر فيها حتى تقوم الدولة الفلسطينية). وقال إن شعارات الانتفاضة هذه في رأيي هي بداية تصويب الانحراف في المفاوضات والذي نجم عن فلطحة المصطلح وضبابية المفهوم, منوها على انه من الصعب جدا إقامة السلام بين الجانبين دون نجاح المتفاوضين في الاتفاق على الانسحاب الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين وليس قبل ذلك, لان السلام هو نتيجة الاستقلال الفلسطيني وليس مقدمته. وأضاف, ما لم تصوب الصيغة القائمة التي تجرى المفاوضات على اساسها, ستتعثر هذه المفاوضات ويطول الزمن, وستطول معه المعاناة الفلسطينية بينما ستعزز اسرائيل الامر الواقع خلال ذلك, الا اذا قبل الفلسطينيون باملاءات الدولة المحتلة. عمان ــ لقمان اسكندر:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات