يعتبر الاقتصاد السوري اقتصادا متكاملا, لان عناصر الانتاج الاساسية فيه متاحة, وللتذكير فان سوريا تتمتع بموارد الارض الخصبة, والمياه الثرة, والثروات الكامنة تحت باطنها, وحظيت سوريا عبر التاريخ برواد منتجين, واداريين وتجار مهرة, جابوا بقاع الارض كلها. وفي سوريا ايضا شعب حي عريق, اثبت قدرته على التدبير في المعيشة ان ضاقت, وعلى الادخار ان اقبلت عليه الدنيا, وعلى العمل المتقن والمهارات العالية ان صنع, وعلى ثقافة العمل بدل الكسل بدون ثقافة العيب في ظروف البطالة, وعلى الابداع في الانتاج متى توفرت له ظروف السوق المناسبة, ويكفي هذا البلد فخرا ان كلمة دمشق اصبحت اسما لسلعتين معروفتين عبر التاريخ وهما السيوف والحرير المخملي المطرز, وكذلك فان لدى الشعب السوري كفاءة وتاريخا في الصناعة, والتجارة, والزراعة, والخدمات, وكلها قطاعات قادرة على خلق الفوائض. وايام اجتاحت الامة العربية موضة الاشتراكية واصبحت رمزا لتسلط الحكومات على مقدرات الدول والافراد, كنت اقول لنفسي ان هذا النموذج لادارة الاقتصاد يصلح في كل الاقطار العربية ــ ان جازت المبالغة ــ باستثناء حضرموت وسوريا, ألم يكن تجار هذين المكانين هم صفوة التجار ايام طريق الحرير؟ الم يكن تجار حضرموت هم الذين جابوا الدنيا ونشروا الدين والحضارة, وصنعوا السفن, ووصلوا شمال الكرة الارضية مع جنوبها, وشرقها مع غربها, هل يحتاج تجار دمشق في سوق الحميدية, وتجار حلب, وصناعها موظفا حكوميا ليقول لهم ماذا ينتجون وكيف يسوقون, وبأي سعر يبيعون؟ إن هذا هو بحد ذاته القتل للكفاءة. قد تكون هنالك مبررات تاريخية لتعاظم قوة القطاع العام في الدول العربية كلها, بغض النظر عن مبدئها الاقتصادي ومنهجها الفكري الداعم له, فعند الحرب العالمية الثانية, وحصول كثير من الدول العربية على استقلالها, بعد ذلك, فقد ورثت الحكومات ما كانت القوى الاستعمارية تملكه من اراض ومشروعات ومزارع وابنية وثكنات ومتاجر وغيرها, وكذلك, ترك الاستعمار وراءه بلدانا فقيرة بالبنى التحتية, ضعيفة بالكفاءات, متدنية المستوى في الثقافة والتعليم, وهشة في صحة ابنائها وعافيتهم وهذه كلها مسئوليات حكومية, وبسبب انشغال المنظمة السياسية بتقديم الخدمات والمعونات والمنح فقد سلكت مع المواطنين سلوكا ابويا, وكانت الديمقراطية والمشاركة من اولى ضحاياه. ولكن سوريا لم تكن بحاجة الى نظام اشتراكي حاجة الدول العربية الاخرى له, فقد كانت صناعاتها وتجارتها وزراعاتها وطنية العمالة والادارة والملكية وصحيح ان البعض كان كبيرا, الى حد ضار بالتوزيع, والآخر اقطاعي احتكاري, ولكن هذا لم يبرر في تقديري سياسات التأميم والطرد للقطاع الخاص, وكبار المستثمرين, وقد تجنب الرئيس الراحل حافظ الاسد, رغم تمسكه بالمركزية والاشتراكية طرد رجالات القطاع الخاص او اقصائهم كما فعل من سبقوه الى الحكم, لقد سعى الى ايجاد صيغة مصالحة معهم, وبالاخص تجار دمشق الذين كان لهم دور بارز عبر التاريخ في ترسيخ الحكم او استبدال نظامه بنظام آخر. ولذلك, لم تخسر سوريا كفاءاتها التنظيمية, لكنها خسرت اسواقها وعنفوانها, الانتاجي وصار الاقتصاد السوري في وضع محرج دون المستوى الذي يستطيعه او هو قادر على انجازه . وجاء الرئيس الشاب بشار الاسد الى الحكم, واقول ان كثيرين استأنسوا به خيرا وتفاءلوا برزانته وبقدرته على ايجاد توازن محكم بين الشباب الجدد ورجالات ابيه, وعلى اضفاء شخصية مستقلة له عن والده دون الاجحاف بالاستمرارية واعجبت بجرأته على تفعيل سوريا التي فقدت آلاف الكفاءات العلمية للغرب, وتحفيز اقتصادها, واعادته الى طبيعته الجريئة المنتجة المتقنة المبتكرة, وقد استمعت في عمان يوم الخميس الموافق 15/2 في مؤسسة عبدالحميد شومان الى محاضرة من الدكتور راتب الشلاح, رئيس غرفة دمشق ومن ثم اتحاد الغرف التجارية السورية, فصل فيها خطة الاصلاح الاقتصادي في سوريا مثل السماح للبنوك العربية والاجنبية وتحرير الاقتصاد, واعادة النظر في القيود السعرية والكمية على السلع والخدمات, واسعار العملات والفائدة والريع, وتحرير التجارة الخارجية, وفتح بورصة دمشق, وغيرها من الامور التي حصلت في دول عربية كثيرة قبل سوريا. وقد كانت محاضرة الدكتور الشلاح مؤثرة ومفيدة, واجاباته على الاسئلة الاستفزازية من الحضور قوية, ورفض الدكتور ان يقع في حبائل من ارادوا تسييس محاضرته, او تصوير ان ما يجري من سعي لاصلاح الاقتصاد في سوريا على انه ردة وانكفاء واقول ان سوريا ادرى بشعابها, ويجب على كل عربي ان يسر لانفتاح الاقتصاد السوري ليكون لبنة في الجسم العربي. وان ما يخشاه المرء هو ان يقوم الجيل السابق الذي يعتقد ان عزته ودمه ودموعه التي بذلها دفاعا عن اشتراكية سوريا سوف تضيع هباء, وان واجبهم يملي عليهم مقاومة التغيير ولهؤلاء لا بد ان نقول اتقوا الله, لقد ادى التمادي في تطبيق الاشتراكية الى شل الكفاءة وضياع الفرص, وان الوقت قد حان لكي تفسحوا المجال للعهد الجديد ان يطور الاقتصاد السوري وفقا لمعطياته وسوريا قادرة على ذلك, ولا داعي للخوف واما اذا كانت الخشية على ضياع دور السابقين, فنقول لهم ان الرئيس الجديد لم ينكر جهدكم, وافسح المجال لحكمتكم فساعدوه في اداء المهمة, ولا تكونوا عصيا في دواليبه. ان ما ينتظر سوريا, لو اطلقت طاقاتها الكامنة المكبوتة, مستقبلا واعدا لها ولاشقائها العرب كلهم ان الخوف ليس من خطة محكمه نحو التغيير, بل الخوف من بقاء الامور على حالها.