بيان الاربعاء ــ الطائفية علّة تسري في الجسد الاندونيسي

صار من الشائع هذه الايام ان تستخدم الدول الكبرى تطلعات اي اقلية اثنية او طائفية الى حقها في تقرير مصيرها ذريعة للتدخل في شئون الدولة التي تضم تلك الاقلية, وتكرر كثيرا في السنوات الاخيرة استخدام الصراعات الداخلية والدعوات الانفصالية لتطبيق سياسة (فرق تسد) الشهيرة بدعوى حماية الاقليات او الدفاع عن المضطهدين. وكما هو معروف دأبت البلدان الغربية على تدعيم انظمة عميلة لها في دول العالم الثالث بدعوى (مكافحة الشيوعية) ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة انتفت الحاجة الى عملاء من أمثال الديكتاتور (سوهارتو) في اندونيسيا, ولا ينكر احد ان حكم سوهارتو كان شديد الاعتماد على المساندات الامريكية كما كان مفضلا للحكومات والمستثمرين الغربيين منذ تولى الحكم في 1965 حتى ان البيت الابيض كثيرا ما تحايل لصالح سوهارتو على القيود التي يفرضها الكونجرس على المساعدات العسكرية وحدث ذلك في عهد الرئيس كارتر في ,1978 كما حدث مرتان في عهد كلينتون خلال 1993 و 1998. مكافحة التحرر الوطني وبصرف النظر عن حجة مواجهة الشيوعية التي اتضح الآن انها كانت تخفي وراءها مصالح اخرى, فالمعروف ان منطقة جنوب شرق آسيا تحوي موارد هائلة من المواد الخام يسيل لها لعاب الدول الصناعية فتسعى لتكريس نفوذها فيها, وبالطبع كانت اندونيسيا اهم بلدان المنطقة ففي 1948 اعتبر جورج كينان الخبير الاستراتيجي الامريكي ان اهم القضايا الراهنة في صراعنا مع الكرملين هي المعركة ضد حركة الاستقلال القومي وحذر كينان من ان اندونيسيا شيوعية ستشكل عدوى ربما تمتد غربا عبر بقية منطقة جنوب آسيا. وغني عن الذكر ان تعبير (الشيوعية) كانت الدعاية الغربية تستخدمه للاشارة الى اي دولة او حركة تتبنى نهج الاستقلال القومي او التحرير الوطني وترفض التبعية. ولاحظ المخططون الامريكيون ان الحزب الشيوعي الاندونيسي بدأ يحقق انتشارا في البلاد ليس باعتباره حزبا ثوريا وانما باعتباره منظمة تدافع عن مصالح الفقراء من داخل النظام القائم مما اكسبه قاعدة عريضة بين الفلاحين بوجه خاص. ولا شك ان هذا الانتشار هو مادفع السفارة الامريكية في جاكرتا لارسال تقرير لوزارة الخارجية طبقا لما ورد في كتاب هارولد كراوش الخبير والسياسي في اندونيسيا تذكر فيه ان التغلب على الحزب الشيوعي الاندونيسي ربما لا يتأتى عبر (الوسائل الديمقراطية العادية) ومن هنا دعت القيادة المشتركة للاركان الى (ضرورة القيام بعمل, يتضمن التدابير اللازمة اما لضمان نجاح المنشقين على الحكم او قمع العناصر الموالية للشيوعية في حكومة سوكارنو. مجازر بشعة وبعد محاولات فاشلة تحقق الهدف الامريكي مع استيلاء سوهارتو على السلطة في 1965 بدعم ومساندة قويين من واشنطن, ورغم اتفاق المحللين على ان الانقلاب العسكري نفذ مجازر بشعة للاطاحة بالحزب الشيوعي وتدمير قاعدته العريضة خاصة بين الفلاحين ذهب ضحيتها نحو نصف مليون شخص الا ان تقرير المخابرات المركزية الامريكية اعتبرت ان الانقلاب في اندونيسيا من اهم الاحداث التي وقعت في القرن العشرين. وما ان استتب الامر لسوهارتو حتى انهالت المساعدات والاستثمارات الغربية فضلا عن المساعدات العسكرية على جاكرتا وهللت وسائل الاعلام الغربية للديكتاتور ووصفته بانه رئيس (معتدل) رغم كل ما مارسه من مجازر وارهاب وقهر وفساد. وفي 1975 قرر النظام الديكتاتوري في اندونيسيا غزو تيمور الشرقية بعد مرور اقل من 24 ساعة على زيارة قام بها كيسنجر وزير الخارجية الامريكي والرئيس الاسبق جيرالد فورد الى جاكرتا مما كان يعني موافقة امريكية على غزو الجزيرة فور استقلالها عن البرتغال كما كانت استراليا اول الدول الوحيدة التي اعترفت بضم تيمور الشرقية ومع احتدام الازمة بين حكم سوهارتو ودعاة الاستقلال في تيمور الشرقية اعلنت حكومة كلينتون عن اعتزامها بيع تسع طائرات نفاثة اف. 16 لجاكرتا فيما اعتبر مساندة لموقف سوهارتو امام معارضيه. ووفقا لما يراه العديد من المحللين لم يكن غزو تيمور الشرقية وما تلاه من قمع لشعبها ممكنا دون ان تغض القوى الغربية الطرف عن هذه الممارسات التي اسفرت عن قتل المدنيين وفرار المقاومة المسلحة الى الجبال. وقبضت استراليا ثمن اعترافها في 1986 بضم تيمور الشرقية, فبعد اربعة اعوام 1989 وقعت مع اندونيسيا اتفاقية للتنقيب المشترك عن النفط والغاز في بحر تيمور. واعطت الحكومات الاسترالية المتعاقبة بالعلاقات التجارية والعسكرية اولوية على جميع اعتبارات حقوق الانسان, فالى جانب توثيق العلاقات الافضلية تولت المؤسسة العسكرية الاسترالية تدريب القوات الاندونيسية طبقا لاتفاقية امنية وقعت بين الدولتين في 1995. زمن ولى بل ان ريتشارد وولكوت سفير استراليا السابق لدى جاكرتا صرح في 1995 ان على المطالبين بالاستقلال في تيمور الشرقية ان يدركوا ان زمن البحث عن الحكم الذاتي بعد 20 عاما قد ولى, وان المطالبة بالاستقلال قضية خاسرة تثير آمالا زائفة وتكلف الكثير من الارواح. ورغم جهود كل من كانبرا ولندن وواشنطن نجحت المقاومة في تيمور الشرقية في كسب الاعتراف بها, وما ان لاحت في الافق بوادر نهاية الديكتاتور وتراخت قبضته على السلطة حتى تذكرت هذه العواصم جميع شعارات حقوق الانسان وتبنت الدعوة لمنح شعب تيمور الشرقية حق تقرير المصير. وبعد تولي الرئيس حبيبي اجرت اندونيسيا مباحثات مع البرتغال تحت اشراف الامم المتحدة اسفرت عن توقيع اتفاقية في الخامس من مايو 1999 تقرر بمقتضاها منح شعب تيمور الشرقية الحق في الاختيار بين الاستقلال او الاستمرار داخل الكيان الاندونيسي بناء على استفتاء عام الامر الذي اسفر في النهاية عن اذعان جاكرتا نتيجة الاستفتاء التي جاءت مؤيدة لاستقلال الجزيرة. ويرى محللون ان تيمور الشرقية عانت طويلا من كل من محتليها والمدافعين عنها بداية من تعرضها للاستعباد فعليا تحت الاحتلال البرتغالي, واندلاع الهبات الدينية بين الجماعات المطالبة بالاستقلال ثم الاحتلال الاندونيسي الذي لم تعترف به الامم المتحدة مطلقا. ورغم ان قضية تيمور الشرقية برزت على الساحة في 1996 بعد منح جائزة نوبل للسلام لداعيتي الاستقلال النشط المنفي خوسيه راموس ـ هورثا والمطران الكاثوليكي كارلوس فيليب زيمنس بيلو بسبب جهودهم السلمية لاثارة الوعي بحق تيمور الشرقية في تقرير المصير, الا ان الاهتمام الدولي الحقيقي لم يوجه الى الجزيرة الا بعد اجراء الاستفتاء في عام 1999 تحت اشراف الامم المتحدة الذي تشكلت بعده الادارة الدولية الانتقالية لتيمور الشرقية خلال الفترة الانفصالية حتى انتخاب حكومة لها في آخر العام الحالي. ويبدو ان النصر الذي حققه التيموريون الشرقيون فتح شهية دعاة الانفصال في عدد من الاقاليم الاندونيسية فبدأ شعب اقليم أتشيه الواقع على طرف جزيرة سومطرة يتطلع الى ان يحقق استقلاله عن جاكرتا, والملاحظ ان الانفصاليين في اتشيه لا يتمتعون بنفس القدر من التأييد الدولي الذي يتمتع به التيموريون الشرقيون, رغم ان احداث العنف في الاقليم حصدت ارواح الآلاف كما شردت مئات الالاف . تسطيح الصراع والانفصاليون في اتشيه ينتمون الى حركات اسلامية, الامر الذي يؤثر على مصداقية الرأي الذي يرى في اندلاع الحركات الانفصالية في اندونيسيا محاولة لاضعاف دولة اسلامية اتساقا مع وجهة النظر القائلة بان القوى الغربية بات جل همها محاربة الاسلام, وهي وجهة نظر تؤطر الصراع في غير اطاره الحقيقي وتسطحه, وليس ادل على ذلك من انتهاكات حقوق الانسان التي يرتكبها الجيش الاندونيسي المسلم في الاقليم وفي الاغلبية المسلمة المنادية بالاستقلال. غير ان نظرة اكثر تمحيصا توضح ان اقليم اتشيه الغني بالثروات الطبيعية تدور حوله صراعات للسيطرة على هذه الموارد التي تعتبر مهمة لتنمية الاقتصاد الوطني ومنها النفط والغاز الطبيعي والاخشاب وقد بلغت صادرات اتشيه وحدها من الغاز الطبيعي 3.1 مليار دولار في 98 وكان الرئيس الاندونيسي عبد الرحمن واحد وعد بعد توليه الحكم باجراء استفتاء في اتشيه حول الحكم الذاتي وليس الاستقلال بينما تدعو حركة اتشيه الحرة المسلحة الى القتال للتخلص من حكم جاكرتا, وتطالب بمحاكمة القادة العسكريين الاندونيسيين على ما اقترفوه من عنف بحق اهالي الاقليم. والمعروف ان شعب اتشيه ظل يقاوم الحكم الاندونيسي في ظل الديكتاتور سوهارتو طيلة 32 عاما, منذ استقلاله عن هولندا وغزو سوهارتو لاقليمهم, حتى فرضت حكومة جاكرتا على الاقليم الاحكام العرفية من 1989 من سقوط الديكتاتور في ,1998 واعلن اقليم اتشيه منطقة عمليات عسكرية واطلقت جاكرتا يد الجيش الاندونيسي للقضاء على حركة اتشيه الحرة, على النحو الذي دفع منظمة العفو الدولية الى ان تسجل ان الطريقة التي كانت تتم بها عمليات الجيش الاندونيسي روتينيا في الاقليم تضمنت اجراء محاكمات سياسية غير عادلة, وعمليات اعدام دون محاكمة, واختفاء المعارضين فضلا عن عمليات التعذيب والاغتصاب واعتقال نشطاء المقاومة السلمية. تغيير تركيبة السكان وفي اقليم اريان جايا او (غرب بابوا) حسب تسميتها القديمة الذي طبق فيه سوهارتو سياسة تغيير التركيبة الاثنية من خلال تهجير مئات الآلاف من سكان (جاوا) الى الاقليم بهدف خلق اغلبية ديموجرافية تؤدي الى تهميش السكان الاصليين غير المسلمين للاقليم وجعلهم اقلية. وصار عدد الاهالي الاصليين يقل عن نصف عدد السكان الحاليين البالغ مليونين وواجه اهالي غرب بابوا تمييزا عنصريا في سوق العمل الضيقة مما تسبب في تفجر التوترات بين القوميتين وتفاقمت السياسات التمييزية في سوق العمل مع تنامي الدعوات الانفصالية في الاقليم حتى ان الصراع بين الجانبين وصل في بعض الاحيان الى صراعات مسلحة ذات صبغة اثنية او دينية. ويبدو ان التاريخ يكرر نفسه في جزر مالوكا او جزر البهار (او جزر الملوك كما يسميها البعض) حيث اسفرت سياسة التهجير المتعمد في عهد سوهارتو الى تحويل الاغلبية المسيحية في الاقليم الى اقلية ففي 1945 كانت نسبة المسيحيين 68 في المئة, بينما يشكلون حاليا 44% من سكان الاقليم. وتعرض السكان مثلهم مثل سكان غرب بابوا الى معاملة عنصرية من نظام الديكتاتور السابق وزعت بذور فتنة طائفية شرسة عمقت حدتها في انتشار عمليات حرق الكنائس وقتل المسيحيين الذين استجابوا للاستفزازات. حكومة في المنفى وكانت النخبة المسيحية الحاكمة في جزر البهار قامت بمحاولة انفصالية عام 1950 لتكوين جمهورية ملوكا الجنوبية, وسرعان ما سحق الجيش الاندونيسي المحاولة, ففر العديد من القيادات المسيحية الى هولندا وانشأوا هناك ما يشبه حكومة في المنفى ما زالت قائمة حتى الآن, غير ان تأثير هذه النخبة تراجع خلال نصف القرن الماضي فيما يعزوه محللون الى سياسة تغيير التركيبة الديمقراطية التي اتبعها سوهارتو. واذا نحينا جانبا الرؤية التي تحصر الصراع داخل الارخبيل الاندونيسي في خلافات دينية ضيقة بين طوائف ووضعنا مبضع الجراح على اصل الداء وهو الصراعات على مناطق النفوذ السياسي والثروات الطبيعية التي تزخر بها الاراضي الاندونيسية, نستطيع ان نشير باصبع الاتهام الى اصحاب المصلحة الحقيقية في تفتيت البلاد وهم قوى الاستعمار الخارجي من ناحية وشركائها في الداخل من اصحاب المصالح الاقتصادية في استمرار نهب ثروات الشعب الاندونيسي من ناحية اخرى. نتيجة لا سبباً فقد ظلت جاكرتا منذ ضم هذه الاقاليم خلال حكم الديكتاتور سوهارتو تنهب ثروات شعوبها دون ان تترك لها سوى الفتات, بينما ظل مواطنو الاقاليم المحتلة ـ مثلهم في ذلك مثل بقية مواطني اندونيسيا ــ يتحملون تكاليف تردي الخدمات الاجتماعية وانتشار الفقر وارتفاع معدل البطالة خصوصا في اعقاب انهيار بورصات الاسهم في, 1997 وعلى مر السنوات ظلت الحكومة في جاكرتا تستنزف امكانات الاقاليم المستعمرة لتمويل المشروعات العقارية ودعم التصالح المصرفي وهي مشروعات ظلت في قبضة سوهارتو وافراد عائلته ومن والاهم من اصحاب المليارات. علينا ــ اذن ان ندرك ان الحركات الانفصالية والنزاعات الطائفية ليست سببا في تمزق اكبر دولة اسلامية, وانما هي نتيجة عقود طويلة من القهر والاستبداد او الفساد والتمييز العرقي الذي دفع من وقع عليهم الظلم الى محاولة الفرار بارواحهم وثرواتهم من قبضات المستغلين واسيادهم في الخارج, العلة الحقيقية ليست في انتشار هذه النزعات الانفصالية وانما في المناخ السائد الذي بذر بذور هذه الفتن ورعى نموها الى ان سرت مسرى النار في الهشيم. بقلم: إكرام يوسف

طباعة Email
تعليقات

تعليقات