في 1955 دوى في اسماع العالم اسم اندونيسيا مع انعقاد مؤتمر باندونج الشهير الذي دشن ميلاد حركة عدم الانحياز والحياد الايجابي, ورددت الالسنة اسم سوكارنو كأحد مهندسي الحركة الوليدة الى جانب الثالوث الاشهر تيتو ونهرو وعبدالناصر, بعدما تبوأ موقعه بين قادة حركة التحرر الوطني الفتية آنذاك, وكان لابد للاستعمار الجديد ان يعد العدة للقضاء على رموز هذه الحركة التي تهدد اطماعه ومصالحه في الصميم. وبمرور الزمن جرت في النهر مياه جديدة ولغت فيها الدول الاستعمارية بصنائع اصطفتها من بين عملاء لها في بلدان الحركة الوليدة, فتغيرت قيادات, وظهرت مشكلات جديدة في بلدان العالم الثالث ابرزها الصراعات الطائفية والاثنية التي تضافرت مع تداعيات الاستبداد والفساد لتحدث ضغوطاً ومشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية ستظل جاثمة على صدور هذه البلدان لعقود قادمة تعيق حركة ابنائها للنهوض. وهاهي اندونيسيا تجذب انظار العالم مرة اخرى في السنوات الاخيرة, بعدما تردد في جنبات الدنيا صدى كوارث اقتصادية متلاحقة واكبت الازمة المالية في جنوب شرق آسيا وما صاحبها من تنامي حركة الشارع الاندونيسي الرافضة لاستبداد وفساد الديكتاتور سوهارتو وعائلته ونجحت الحركة الرافضة بزعامة الطلبة في الاطاحة بحكم ديكتاتور ظل جاثما على صدر البلاد 32 عاما بدعم مستمر من قوى الاستعمار الجديد, التي لم تجد بدا في نهاية الامر, مثلما هي عادتها دائما, من ان تنفض يديها عن صنيعتها بل وتطالبه بالاستقالة استجابة للمطالب الشعبية وهو ما عبر عنه بدقة سيسوتو احد كبار (الحيتان) الاستثمارية في جاكرتا عندما قال: (علينا) ان نتحرك بسرعة لاجراء اصلاح من اعلى للحيلولة دون اندلاع ثورة من اسفل. ولان الاصلاح كان من اعلى فقد اثبتت تداعيات الاحداث ان تغييرا جذريا لم يتحقق بعد, ولكنه بسبيله للتحقق, تبدو ارهاصاته في استمرار الصراع على السلطة, ومحاولات القوى الخارجية للتدخل واستشراء عدوى الحركات الانفصالية وتواصل الهبات الشعبية والى جانب ذلك كله وقوف المؤسسة العسكرية على اهبة الاستعداد لمنع الامور من الانفلات لم يكن سوكارنو, مؤسس اندونيسيا الحديثة, وبطل استقلالها (عن هولندا في 1945) يعلم عندما اجرى انتخابات ديمقراطية في 1955 اظهرت حجم شعبيته الساحقة الملائمة لارتفاع مد حركة التحرر الوطني حينها, ان انقلابا عسكريا سيطيح به بعد عقد من الزمان لتعاود بلاده السير في طريق التبعية, تحت حكم ديكتاتوري موال لقوى الاستعمار الجديد, التي ستتعامى بالطبع عن جميع شعارات الديمقراطية وحقوق الانسان, وتغض الطرف عن عمليات النهب المتواصلة التي امعن فيها سوهارتو وعائلته طوال 32 عاما, طالما الديكتاتور يحمي مصالح الغرب ويحقق اغراضه على حساب شعبه, ويحقق استقرار نظامه على اشلاء نصف مليون مواطن خلال غزو تيمور الشرقية عام 1975. ووسط مثالية الحلم القومي الجميل بوطن للجميع يسوده العدل والمساواة, لم يكن احد في تلك الايام يعلم ان بذور الصراع العالمي سرعان ما ستنبت نبتا شريرا تقتلع احلام الوطن في الاستقرار, ويهدد بتمزقه اشلاء ضعيفة يسهل على اصحاب المصالح ابتلاعها. صيغة متكررة فتحت الشعار, الشائع في ذلك الوقت, (مكافحة الشيوعية) راح سوهارتو يشدد قبضته الحديدية على الحياة السياسية في البلاد, ورغم انه اعلن قيام نظام تعددية حزبية, الا انه طبقا لصيغة تكررت كثيرا في جميع نظم الحكم التي تلت زعامات التحرر الوطني, حرص على ضمان الاغلبية للحزب الحاكم عبر اساليب باتت مستهلكة من تزوير للانتخابات وارهاب المعارضين. ولعل الانتخابات البرلمانية الاخيرة في عهد سوهارتو التي جرت في مارس ,1998 توضح مدى هزلية النظام التعددي الذي سبقه في البلاد, فمن بين الف عضو هم اعضاء (الجمعية الشعبية الاستشارية) (البرلمان) المفترض ان يمثلوا مواطني اندونيسيا البالغ عددهم 203 ملايين نسمة عين سوهارتو 600 عضو تابعين لحزبه الحاكم (جولكار) الذي يحقق بالطبع اغلبية ساحقة في كل انتخابات, كما سيطرت المؤسسة العسكرية بالقطع على نسبة لا يستهان بها داخل المجلس التشريعي. وكما هو معروف, تضافرت الازمة المالية التي عمت بلدان آسيا مع عمليات النهب الداخلي لصالح اسرة سوهارتو ومعاونيه في تردي الاحوال الاقتصادية في البلاد على النحو الذي ساهم في تفجر السخط الشعبي الذي ضمت قوته ضرورة التضحية بسوهارتو ودفعه لتقديم استقالته للحيلولة دون اندلاع ثورة شعبية فعلية تسحق امامها جميع مصالح القوى المستغلة للبلاد داخليا وخارجيا, حتى ان الولايات المتحدة الامريكية نفسها التي ظلت طوال ثلاثة عقود سخية في تقديم المساعدات العسكرية والفنية لنظام الحكم الديكتاتوري, هي التي طالبته ـ على لسان وزيرة خارجيتها في ذلك الوقت مادلين اولبرايت ـ بالنزول على ارادة الشعب, ولم تفلح هذه المرة محاولة وزير خارجيته رادين هارتونو في اثارة المخاوف من الخطر الشيوعي, عندما دعا الشعب الثائر ضد الديكتاتور إلى (ضرورة اليقظة حتى لا تتكرر الاحداث المؤسفة, لانني ذكرتكم بالفعل ان بقايا الحزب الشيوعي الاندونيسي تقف وراء هذه الاضطرابات) الا ان زمن التخويف من الخطر الشيوعي كان قد ولى. رتوش على الصورة نفسها ومن الواضح ان السيناريو الذي اعد بسرعة لنقل السلطة كان يهدف بالتحديد للحيلولة دون وقوع تغيير جذري في النظام السياسي فقد انتقلت السلطة إلى بحر الدين حبيبي نائب الديكتاتور ورجله الاول, الذي سرعان ما اعلن عن تشكيل حكومة جديدة احتفظ فيها 13 وزيرا من وزراء ادارة سوهارتو بمناصبهم القديمة, رغم انه وعد بتشكيل حكومة تخلو من الفساد والمحسوبية. ورغم ان حبيبي تعمد اختيار وجوه جديدة في ادارته بهدف طمأنة الاوساط المالية والدولية واسترضاء الطلاب الذين قادوا بزعامة حركة (سلطة الشعب) ثلاثة اشهر من الاحتجاجات الدامية التي اطاحت بسوهارتو, فاختار سياروان حميد اشد نقاد سوهارتو وزيرا للداخلية, كما اطلق سراح بعض السجناء السياسيين وغير ذلك من محاولات ابعاد نفسه عن الديكتاتور المخلوع, الا ان هذه المحاولات لم تفلح في ابقائه في المنصب حتى اتمام الفترة الباقية من حكم سلفه التي كانت ستنتهي في عام 2003 فقد بدأ الطلاب وزعماء حركة (سلطة الشعب) المطالبة برحيل حبيبي بعد ساعات من تسلمه السلطة, وطالبوا باجراء انتخابات نيابية جديدة تمهيدا لاختيار رئيس لا ينتمي إلى اوساط سوهارتو, وعاود الطلاب الاعتصام داخل مبنى البرلمان إلى ان اقتحمت قوات الجيش مبنى البرلمان واعتدت القوات الخاصة عليهم بالضرب. ولم يكن امام حبيبي مع استمرار المواجهات الدامية سوى الرضوخ بدوره واجراء الانتخابات, خاصة مع اندلاع الحركات الانفصالية, ووقوف القوى الغربية إلى جانب مطالب الانفصاليين في تيمور الشرقية الامر الذي اثار شهية الانفصاليين في مناطق اخرى مثل اتشيه وايريان جاي وملوكاس (اوجز البهار). ووسط الضغوط الخارجية من جهة, وتنامى السخط الشعبي من جهة اخرى خاصة مع تفجر فضائح الاثراء غير المشروع حتى ان المجلس التشريعي هدد في منتصف اغسطس 1999 بحجب الثقة عن حكومة الرئيس حبيبي اذا لم تتعامل بحزم مع فضيحة بنك بال التي عرفت باسم (بال جيت) واهدر فيها 70 مليون دولار, وطالت الفضيحة محيطين بالرئيس, وما تلا ذلك من تأثيرات على البورصة ادت إلى ضياع فرص تحسين وضع العملة الاندونيسية, لم يجد الرئيس الجديد بداً من الرضوخ واجراء انتخابات انهت فترة حكمه القصيرة. وفي معركة الرئاسة التي جرت اواخر 1999 دخل السباق ثلاثة وجوه بارزة, وبعد انسحاب حبيبي من السباق بسبب تراجع اسهمه اقتصر السباق على عبدالرحمن واحد زعيم حزب (نهضة العلماء) وميجاواتي سوكارنو كريمة الزعيم الراحل وزعيمة (حزب الكفاح الديمقراطي). وكما هو معروف فقد انتهى الامر بفوز واحد الذي اثار غضب مؤيدي ميجاواتي فيما هدد باندلاع اضطرابات جديدة حال دون وقوعها مسارعة واحد بتعيين ميجاواتي سوكارنو نائبة له. حل يرضي جميع الاطراف ورغم ضعف صحته البادي رأى محللون ان واحد يملك من الادوات ما يجعل منه قائدا قويا ومعاصرا, فهو يتمتع بسلطة معنوية واخلاقية هائلة على قطاع واسع من المواطنين, وهو من الشخصيات القليلة التي تمكنت من بناء جسور ثقة مع مختلف قطاعات وطوائف الشعب, كما يتمتع بعلاقات جيدة مع الجيش الذي يتمتع بمكانة حاسمة في السياسة الاندونيسية, ومع الرئيسين السابقين سوهارتو وحبيبي, وكذلك مع المسيحيين والمنحدرين من اصول صينية فضلا عن انه يحظى بتأييد قطاعات كبيرة من الطلاب الذين يمارسون دورا محوريا في المجتمع الاندونيسي. ولعل هذه من الاسباب التي دعت إلى ارتفاع نبرة تأييد القوى الخارجية لزعيم جمعية (نهضة العلماء) الاسلامية التي يزيد عدد اعضائها على 30 مليون عضو وهي بذلك اكبر جمعية اسلامية في العالم. وطفقت وسائل الاعلام الغربية تهلل للرجل الذي وصفه سوهارتو من قبل بأنه ليبرالي اكثر من اللازم لانه ظل لسنوات عديدة ينادي بعقيدة سياسية تجمع بين الحكم المدني واحترام حقوق الانسان والديمقراطية. ويبدو ان طبيعة واحد القادرة على الجمع بين المتناقضات إلى حد عضويته في مجلس شيمون بيريز للسلام وزيارته لتل ابيب عام 1994 حيث نادى هناك بزيادة التفاهم بين العرب واليهود فضلا عن اعلانه رفض قيام حكم ديني اسلامي في اندونيسيا حققت له تأييد غير المسلمين والقوى الغربية وجعلته معروفا بالوسطية رغم ان هذا جلب عليه من ناحية اخرى غضب كثير من الاسلاميين. بيد ان سياسة الوسطية, والسعي لارضاء جميع الاطراف لا يمكن ان تكون وحدها سبيلا للاستقرار في الحكم, فعلى المحك العملي تعين على واحد الوفاء بالوعود التي قطعها خلال حملته الانتخابية والتي تركزت على هدفين: الاول انعاش الاقتصاد باعادة هيكلته طبقا لتوجيهات صندوق النقد الدولي بما يكتنف ذلك من مخاطر مع انكماش اقتصاد البلاد بنسبة 13% وبات خمس السكان تحت خطر الفقر خلال عام 1998 قبل تولي واحد الحكم, والهدف الثاني: الحفاظ على وحدة الدولة المكونة من 13 الف جزيرة ويتهددها محاولات الانفصال في اتشيه وايربان جايا وجزر البهار. وصار على واحد ان يواجه تحديات سياسية كبيرة بالاضافة إلى مشكلة اعتلال صحته, فكان عليه ان يبذل وعودا كثيرة يصعب الوفاء بها جميعا حتى يحصل على تأييد العسكريين واعضاء الاحزاب الاخرى داخل جمعية الشعب الاستشارية, مع الحفاظ في الوقت نفسه على التوجهات الليبرالية التي مكنته من الفوز في الانتخابات. نهاية شهر العسل ومن ناحية اخرى يواجه واحد تحديا كبيرا اخر يتمثل في علاقته مع نائبه ميجاواتي سوكارنو بوتري التي تحالفت معه من قبل ومعها امين ريس زعيم حزب المهمة الوطنية ورئيس البرلمان الحالي حملة المطالبة بالاصلاحات السياسية, كما خاضا متحالفين الانتخابات التشريعية التي تمت في عهد حبيبي تمهيدا لانتخابات الرئاسة التي فاز بها واحد. ومع اصرار وسائل الاعلام العالمية على التأكيد على ان واحد هو اول رئيس خلال اكثر من ثلاثة عقود يتولى الحكم اثر انتخابات ديمقراطية الا ان شهر العسل بين الرئيس الشيخ ومواطنيه بدت بوادر انتهائه مع تفجر فضيحتي فساد تعلقت الاولى بأحد معاونيه وارتبطت الثانية بقروض حصل عليها الرئيس من سلطان بروناي فضلا عن اندلاع الاضطرابات اخيرا بين المطالبين باستقالته وبين مؤيديه على نحو دفع انصاره ومنهم شقيقه بنصحه بالتخلي عن الحكم لنائبته ميجاواتي أو اعلان نفسه رئيسا (غير نشط) لتفادي محاكمته بخصوص الفضيحتين, حتى ان برلمان البلاد وجه إلى الرئيس مذكرة توبيخ في اول فبراير الحالي, قال رئيس البرلمان بشأنها (لننتظر ثلاثة اشهر.. واذا لم يحدث اي تغيير فلن يكون هناك خيار سوى عقد جلسة خاصة لعزل الرئيس) طبقا للدستور, فضلا عن ان بعض النواب اقترح استغلال بعض الثغرات في الدستور للاسراع بمساءلة واحد وعزله على الفور. ورغم ا ن عهد واحد الذي بدأ قبل 17 شهرا اتسم كسابقه بالفساد وسوء الادارة وتفاقم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية, الا ان الرئيس يلقي باللوم في ذلك على حزب جولكار. علامات استفهام والحقيقة ان واحد عندما حاول امساك العصا من المنتصف بتوجيه الانتقادات علنا إلى الفساد في عهد سوهارتو, وفتح الباب امام التحقيقات في ثروة الديكتاتور السابق واسرته فضلا عن فرض تحديد الاقامة الجبرية عليه, وفي نفس الوقت الاعلان عن اعتزامه اصدار عفو عنه في حالة ثبوت تورطه يثير الكثير من علامات الاستفهام حول حقيقة التغيير في اعلى قمة في حكم البلاد, والواضح ان الجميع يبذل جهده لاحداث تغيير صوري مظهري وانما تظل الامور من حيث الجوهر محكومة بنظام حكم فاسد وتابع لا يعنيه مصالح الشعب بقدر ما تعنيه المحافظة على مصالح اولي الامر في الغرب خاصة في واشنطن. فها هو الرئيس الشيخ يقيل وزيري الاقتصاد والتجارة العام الماضي وعندما استدعاه البرلمان لتقديم توضيح يرفض محاولات النواب لاستجوابه قائلا انه كرئيس دولة لا يحتاج إلى تبرير افعاله, ورغم ان موافقة الرئيس في بادىء الامر على دعوة النواب له للمثول امام البرلمان اعطت املا في احتمال تهدئة التوتر السائد في البلاد في ذلك الوقت الا ان هجومه على النواب ورفضه تقديم التوضيح اثار شكوكا في جديته نحو تنفيذ وعوده بتطبيق حكم ديمقراطي. الطلاب مرة اخرى ولم تلبث اندونيسيا ان شهدت مرة اخرى تجدد الاضطرابات العنيفة والمواجهات بين تيارات شعبية وطلابية اصابها الاحباط وانعدام الثقة في حدوث تغيير جذري عما شهدوه في ظل حكم سوهارتو وبين انصار الرئيس واحد الذي يقاتل بضراوة رغم اعتلال صحته للحفاظ على سلطته, وعاود الطلاب ـ في مشهد بات متكررا خلال ثلاثة عهود حتى الان ــ الاعتصام والتظاهر امام البرلمان, كما احتدمت حدة الاضطرابات الطائفية في الجزر التي تسودها نعرات انفصالية. وهكذا بدأت الانظار تتجه نحو ميجاواتي سوكارنو باعتبارها الوجه المرشح لخلافة واحد الذي باتت نهاية حكمه وشيكة, رغم ان ميجاواتي لم تدخل الساحة السياسية الا عام 1987 عندما اصبحت نائبة في البرلمان وهي في الاربعين من عمرها معتمدة على سمعة والدها الراحل وشخصيته الكاريزمية ثم تمكنت في 1993 من الفوز برئاسة حزب اندونيسيا الديمقراطية احد الاحزاب الثلاثة التي سمح لها سوهارتو بالعمل في اندونيسيا, والذي يمتد تاريخه إلى العشرينيات من القرن الماضي عندما اسسه والدها سوكارنو, والذي تزعمت ميجاواتي فصيلا داخله اسمته (حزب اندونيسيا الديمقراطي ـ الكفاح)) في مواجهة بقايا كوادر الحزب الاصلية. ويبدو ان الظروف ساندت كثيرا في زيادة شعبية سوكارنو, التي لم تكن قبل دخولها البرلمان سوى امرأة عادية, ربة منزل لم تكمل تعليمها الجامعي, فاذا بها تتحول إلى نائبة متكئة على تاريخ والدها واسمه, ثم ساعدتها الظروف مرة اخرى عندما لم يرتح سوهارتو لفوزها برئاسة حزب الكفاح فأصدر قرارا حكومي بعزلها الامر الذي اثار اضطرابات دامية وخلق منها شخصية وطنية بارزة تحظى بشعبية كبيرة خاصة بعد اقتحام قوات الجيش مقار الحزب في جاكارتا لاخلائها من المعتصمين من انصار ميجاواتي. بيد ان شكوكا تحيط بالقدرات الفعلية لسوكارنو يعزوها محللون إلى المشاركة المحدودة التي قدمتها في الحركة الشعبية التي ادت إلى الاطاحة بسوهارتو, كما ان انتقادات ميجاواتي الشديدة لقرارات الرئيس السابق حبيبي السماح باجراء استفتاء في اقليم تيمور الشرقية بشأن الاستقلال واتخاذها موقفا متشددا من حكومة الانفصال في اتشيه اثر سلبا على اتصالاتها باستراليا, وتأثرت ايضا علاقتها بالعالم العربي والاسلامي بسبب تأييدها العلني لاقامة علاقات مع اسرائيل, كما تعارض الاحزاب الاسلامية رئاسة ميجاواتي لاندونيسيا بسبب جذورها الهندوسية من ناحية جدتها لابيها, كما بدأ البعض ـ خاصة بين تيارات الاسلاميين ـ تسريب شائعات عن استيلاء سوكارنو على ثروة من اموال البلاد تشرف ميجاواتي على استثمارها يشاركها فيها اشقاؤها. وبين اصرار واحد على الاستمرار في الحكم بكافة السبل ولجوئه لتحقق هذه الغاية إلى الاعلان بين فينة واخرى عن اعتزامه اقامة علاقات اقتصادية مع اسرائيل وحرصه على اسباغ صيغة ليبرالية على افكاره بهدف حصد الدعم الغربي والامريكي بالذات, ومنافسة ميجاواتي له في هذا المجال خاصة فيما يتعلق بالدعوة لعقد علاقات مع اسرائيل مع تسريب شائعات حول دعم الادارة الامريكية لها بسبب شعبيتها, ولكونها متزوجة من رجل اعمال حاصل على الجنسية الامريكية, يتضح ان الصراعات الدائرة بين الرموز الحالية على السلطة في اندونيسيا انما هي في الحقيقة صراع على تحقيق المصالح الذاتية وتكريس التبعية لمصلحة قوى خارجية فهل يستمر الحال على هذا المنوال؟ اعتقد ان حالة الغليان القائمة والتضحيات الباهظة التي دفعها الشعب الاندونيسي من ارواح ابنائه وثرواته تستحق تغييرا حقيقيا يعدل موازين الامور ويعيد الحقوق لاصحابها الحقيقيين,وهو تغيير وان كانت المعطيات الآنية لا تؤكد وقوعه في القريب العاجل, الا ان مجريات الاحداث تؤكد احتمالات حدوثه على يد حركة شعبية حقيقية ومعارضة غير مزيفة تستهدف حقا مصالح الاندونيسيين. العسكر يتأهبون غير ان المرجح ان القوى الداخلية والخارجية ذات المصالح في استمرار وضع التبعية والفساد القائم ربما تستبق الاحداث للحيلولة دون هذا الوضع وتدفع المؤسسة العسكرية للتدخل بهدف السيطرة على الامور قبل انفلاتها من عقالها. فرغم تأكيدات قادة الجيش في اكثر من مناسبة على انهم لا يعتزمون القيام بانقلاب الا اننا يجب الا نمر مر الكرام على تحذير محمد محفوظ وزير الدفاع الذي صرح مؤخرا بانه لا يعتقد انه سيكون هناك انقلاب (ولكن اذا تدهورت الامور إلى حد الفوضي, اخشى ان الجيش سيضطر للتدخل), ولا يخفى على احد دور المؤسسة العسكرية في حفظ استقرار نظام حكم سوهارتو لما يزيد من ثلاثة شهور, وما قامت به هذه القوات من عمليات لقمع الحركات الانفصالية وسحق المعارضة. لذلك, لن يكون مستغربا وقوع انقلاب عسكري يشدد قبضته على البلاد وثرواتها ويقمع محاولات الانفصال, خاصة وان نفوذ الجنرالات ظل منيعا لا يمس رغم التغييرات التي حدثت منذ سقوط سوهارتو. بقلم: اكرام يوسف