شهد الاسبوع الفائت عددا من الاحداث المتسارعة والمفاجئة والتي خرجت من السياق السياسي السوداني المتوقع حسب المقدمات المنطقية, لذلك تعيش البلاد اجواء ترقب وتوتر وحالة من انعدام الوزن تحمل بدورها مفاجآت جديدة وخطيرة. كان الحديث الاول هو موقف حزب الامة من المشاركة في الحكومة وقد اخذ حسم الموقف جهدا ووقتا واعصابا وجاءت النتيجة بالرفض, ورغم ان النتيجة مريحة كما ان الطريقة في الحوار واتخاذ القرار كانت ديمقراطية ولذلك يستحق حزب الامة التحية على هذا السلوك السياسي المتقدم ولكن السؤال الاساسي: هل كان موضوع المشاركة يستحق كل هذا العناء من حزب الامة؟ الم يكن حزب الامة يعلم منذ البداية ان هذه الشروط اي الانتخابات الحرة وتهيئة الاجواء, مطالب مستحيلة لدى نظام الانقاذ الذي استهل حقبته الحالية الثالثة بترتيبات لا تقبل المراجعة وتسعى لتثبيت امر واقع يقبل به من يريد المشاركة؟ لذلك, فان مناقشة الفكرة من اساسها تشير الى وجود خلل في رؤية حزب الامة للتحول الديمقراطي او بكلام ادق, ليس في حزب الامة ككل ولكن بين عناصر قيادية معينة في الحزب تتميز بنفوذ وتأثير على زعيم الحزب فقط بينما لا تجد قبولا بين قواعد الحزب والدليل على ذلك نتيجة التصويت على المشاركة في الحكم. من اين اتى هذا الخلل في رؤية حزب الامة وبالذات في قضية المشاركة؟ اعتقد ان السبب الاول يعود الى طريقة الصادق المهدي في التفكير والاداء, فالمهدي يتسم بصفة غريبة, ففي احوال كثيرة يبدو وكأنه يتعمد خلق مشكلة ثم يشغل نفسه واعوانه بالبحث عن حلول لمشكلة كان يمكن تجنبها اصلا من البداية, واصبحت هذه الظاهرة رياضة سياسية او فكرية يعشقها المهدي وتنافس عشقه لرياضة البولو . وهناك امثلة عديدة ولكن ابرزها الرسالة التي بعث بها الى جون قرنق ثم نداء الوطن في جيبوتي ولقاء جنيف. اما السبب الثاني الذي يفسر خلل رؤية حزب الامة فهو وجود عناصر داخل حزب الامة مكانها الطبيعي حزب المؤتمر الوطني بزعامة البشير. اما الحدث الثاني والذي جاء كالصاعقة فهو توقيع مذكرة التفاهم بين حزب المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة قرنق, في جنيف. ولكن بعض المراقبين توقعوا مثل هذا اللقاء لاسباب عديدة, اولها ان قرنق حاول ان يستبق الاحزاب الشمالية المنضوية تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي ففي اعتقادي ان قرنق صار يخشى ان يدخل محمد عثمان الميرغني في عملية الوفاق سريعا ودون الرجوع الى حلفائه وبالذات الحركة الشعبية, وبالفعل يقوم العقيد معمر القذافي بجهود وضغوط واضحة لاجبار الميرغني على اللحاق بالمهدي لكي تتم آخر خطوات الوفاق, بالتأكيد لن ينتظر قرنق حتى يجد نفسه وحيدا في الفضاء دون سند وحلفاء, ومن جانبه, يعتقد الترابي ان المعارضة الفعالة الوحيدة في الخارج هي الحركة الشعبية وقرنق, ويعتبر نفسه معارضة الداخل الفعالة ويلاحظ ان اجهزة الاعلام تصف الترابي ــ في الايام الاخيرة بزعيم المعارضة وليس الزعيم المعارض. وهكذا يظهر حافز كل طرف لكي يوقع على المذكرة. وقد تساءلت بعض المصادر عن امكانية انضمام حزب المؤتمر الشعبي والترابي الى التجمع الوطني, ولكن العكس, لم يعد مستبعدا, وهو ان يكون الترابي ـ قرنق جبهة او تجمعا ثم يدعوان القوى السياسية الاخرى للانضمام لهم حسب بنود مذكرة التفاهم العشرة خاصة وقد احتوت على اغلب المبادىء التي وردت في ميثاق اسمرة للقضايا المصيرية عام ,1995 وقد ينسقان في البداية مع المهدي الذي يدعو الى جبهة السلام والديمقراطية كبديل للتجمع, خاصة وان المهدي وصف المذكرة بانها ايجابية اذ لم يكن القصد منها مجرد التكتيك او المكايدة. كان رد فعل النظام تجاه الترابي عنيفا او حازما ومنفعلا ويبدو ان النظام قد فقد صبره ولم يعد قادرا على تجاهل تصريحات وافعال الترابي, والذي تعمد ان يفسد عليهم بهجة الانتخابات وتشكيل الحكومة وبداية حقبة جديدة. وكان توقيت الترابي جيدا لفتح معركته الاخيرة مع النظام. وبادر الترابي بتفجير ــ ما اسمته الصحافة ــ قنبلة وبالفعل قلب الطاولة على الجميع ــ كما يقولون, وجعل النظام في حالة دفاع وارتباك, ولو انتظر قليلا ــ بعد تشكيل الحكومة ــ لكانت المفاجأة من النظام, والآن هناك من يؤيد خطوة الترابي من خارج حزبه باعتبارها خطوة في دعم السلام ووقف الحرب بعيدا عن اي مكاسب حزبية اخرى. وهذه نقطة قوة يمكن ان يبدأ منها المؤتمر الشعبي. يرى البعض في هذا الحدث سيناريو 19 يوليو 1971 ورغم ان التاريخ لا يعيد نفسه, اذ يمكن ان يقوم ضباط بتهريب الترابي من سجنه ليقود انقلابا يعتقد البعض ان خطته موجودة اصلا والمطلوب التنفيذ, ولكن جاء في الاخبار الاخيرة ان الترابي قد تم ترحيله الى مكان غير معلوم. هل يكون الحس الامني الزائد قد اوصل النظام الى هذا الاحتمال؟ . يرتبط الحدث الثالث وهو تشكيل الحكومة بعد طول تأجيل بالتطورات السابقة فقد جاءت الحكومة الجديدة دليلا على اضطراب وارتباك وسوء تقدير, وعادت اسماء عسكرية قديمة للحكم مرة اخرى وعاد اللواء عبدالرحيم محمد حسين لوزارة الداخلية للمرة الثالثة. ورغم خروج بعض العسكريين امثال يوسف عبدالفتاح, الا ان آخرين قد دخلوا, مما يوحي بقدر من العسكرة على الاقل في المناصب الحساسة, ومن ناحية اخرى حاولت الانقاذ بادخال مؤيدي الهندي والاخوان المسلمين ان تعطي انطباعا بالانفتاح وتوسيع قاعدة المشاركة ولكنها قفزت على حقيقة ان هذه العناصر لم تسجل حضورا في الانتخابات الماضية يدل على مدى شعبيتها. فهل اعطيت مجموعة الهندي ثلاث وزارات حسب حجمها الجماهيري ام ماهو المعيار في هذا الكرم؟ ومن الملاحظ ان هذا التحالف او التعاون ليس مبدئيا فقد كان النظام يحاول اقناع حزب الامة حتى اللحظات الاخيرة. ولو فرضنا جدلا ان حزب الامة وافق, فهل كان من الممكن ان يحصل وزراء مجموعة الهندي على هذا العدد من المقاعد؟ . تؤكد الاحداث السابقة على ان الازمة السودانية قد وصلت نهايتها ولابد من حل ايجابي او سلبي, وحتى الحلول التي تخالف منها واردة الآن اكثر من اي وقت مضى وتأتي هذه التطورات في ظل فراغ سياسي شامل وغياب لاي بديل قوي متماسك يملأ الفراغ, وهذا هو الخطر الحقيقي: ان ينهار النظام دون ترتيبات واتفاقات تجعل الانتقال الى المرحلة المقبلة سلميا اولا ثم يملك الحلول الناجعة للمشكلات التي تسببت في الازمة اي ان يوقف الحرب والانهيار الاقتصادي وتهيئة الظروف للديمقراطية وليس للانتخابات بمعنى تحسين الظروف السياسية والمعيشية حتى قيام الانتخابات العامة.