بداية ونحن نتحدث عن ظاهرة الفساد في العالم وهي ظاهرة تتكاثر باستمرار لا بد من التأكيد أن هذه الظاهرة ليست جديدة على المجتمعات البشرية إذ أنه ومنذ أن خلق اللّه سبحانه وتعالى الإنسان وجدت معه نوازع الخير والشر على السواء حتى أنه يمكن القول إن أبرز أحداث التاريخ البشري, انما تشكل صوراً مختلفة للصراع بين الخير والشر وإن الثورات الكثيرة التي شهدها ما هي إلا إحدى تجليات هذا الصراع حيث يثور الناس على الفساد والمفسدين عندما تزداد عليهم الضغوط نتيجة النهج الذي يتبعه المفسدون في الأرض. ومن هنا نرى أن دور الأنبياء والرسل كان عبر التاريخ البشري الحفاظ على منابت الخير في النفس الإنسانية والتصدي لرغبات الشر فيها, ولذلك فإن جميع الديانات تقريباً تلتقي عند عامل مشترك واحد وهو تربية النفس الإنسانية وتوجيهها للطريق الأفضل وإيجاد مرجعيات أخلاقية للسلوك الإنساني. ويمكننا في الواقع أن نميز نوعين من الفساد وهما (الفساد الفردي) و(الفساد العام). أولاً: الفساد الفردي, وهو موجود في المجتمعات كافة لأنه ناتج عن الغرائز الإنسانية الكثيرة مثل حب التملّك والأنانية أو الرغبة في الشهرة أو التسلط إلى آخره من الصفات التي قد توجد في أي مجتمع من المجتمعات بمعنى آخر نستطيع ان نجزم ان المدينة الافلاطونية الفاضلة لم تولد بعد ولن تولد أبداً على الأغلب, زد على ذلك انه لا يوجد إنسان كامل أو مجتمع مثالي, ولكن نرى هنا أن تأثير الفساد الفردي يبقى محدوداً إذا لم ينتقل لظاهرة عامة لأنه غير خاضع لمنهج سلطوي أو قوة اجتماعية, كما أن الفساد الفردي يمكن أن يلاحق قانونياً على صعيد الفرد على عكس ظاهرة الفساد العام الذي يحتاج لآليات أخرى لضبطه. ثانياً: الفساد العام, وهو ظاهرة خطيرة جداً على المجتمعات والدول وتؤدي في أغلب الأحيان أو كلها إلى انهيار عام في هذه المجتمعات أو الدول. وهناك نماذج كثيرة في التاريخ كانت فيها ظاهرة الفساد العام سبباً قوياً لانهيار امبراطوريات كبيرة مثل الامبراطورية الرومانية أو البريطانية وغيرها وغيرها وصولاً الى الاتحاد السوفييتي السابق حيث أدى سوء استخدام السلطة في هذه الامبراطوريات والقوى الكبيرة الى سقوطها كما أدت الظاهرة ذاتها الى انهيار الكثير من الدول واندثار العديد من القوى التي عرفها التاريخ البشري. وكما أسلفنا فإن مشكلة ظاهرة الفساد العام مشكلة يصعب ضبطها, كما أن آليات ضبطها تختلف من مكان لآخر نظراً لاختلاف المجتمعات وقيمها الأخلاقية والمادية. وإذا تتبعنا ما يجري الآن في العالم نرى أنه لا يكاد يمر يوم واحد إلا وتتكشف فيه فضائح فساد جديدة أبطالها على الأغلب شخصيات سياسية كبيرة أو رؤساء دول كما هو الحال. وعلى سبيل المثال لا الحصر بالنسبة لاندونيسيا أو الفلبين أو البيرو أو الولايات المتحدة أو فرنسا حيث أشيرت أصابع الاتهام بالفساد الى رأس السلطة في هذه الدول أو وزراء ومسئولين كبار ولكننا نلاحظ أيضاً أن التعامل مع ظاهرة الفساد اختلف بين دولة وأخرى حيث أخذت عملية مقاومة الفساد وسوء استخدام السلطة في دول كاندونيسيا أو الفلبين أو البيرو شكلاً شعبياً تجسّد في تزايد المظاهرات المطالبة بمحاسبة الفاسدين أو اسقاط الرؤساء نرى أن دولاً أخرى مثل الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا تعاملت مع هذه الظاهرة من خلال النظام القضائي الذي طال مسئولين وهم في أعلى هرم السلطة, كما الحال بالنسبة للرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون الذي تعرض للمساءلة القانونية في قضايا فساد عديدة, بمعنى آخر ان هناك مجتمعات تتمتع بهامش ما من الديمقراطية تسهل التصدي لظاهرة الفساد عن طريق المساءلة القضائية والوقوف أمام قضاء مستقل وفاعل في حين أن هناك دولاً ومجتمعات ولا سيما في العالم الثالث تفتقر إلى الهوامش الديمقراطية اللازمة الأمر الذي يغير آلية التعامل مع هذه الظاهرة بحيث تبقى الحركات الشعبية على اختلاف أنواعها وألوانها الوسيلة الوحيدة للتصدي لظاهرة الفساد ولا سيما المالي كما يمكن في الدول النامية أيضاً التصدي لهذه المشكلة عبر آليات تغيير سريعة وعنيفة كالانقلابات العسكرية. إلا أن المشكلة التي تواجهها مثل هذه الدول هي أن هذه الحركات الشعبية أو الانقلابات قد تحمل أحياناً أشخاصاً جددا يمارسون الفساد مرة أخرى وبشكل متعاقب ليدفع المجتمع ثمن هذا الفساد من طاقاته الاقتصادية في كل مرة مما يسبب في نهاية المطاف ما يشبه النزيف الدائم للاقتصاد الوطني في هذه الدولة. وهناك أمثلة كثيرة يمكن سردها في هذه الحالة فمثلاً نرى أن دولة مثل باكستان وهي إحدى الدول تعاقبت على حكمها أكثر من حكومة خلال السنوات القليلة الماضية, وفي كل مرة كانت الحكومة الجديدة تتهم سابقتها بالفساد وسوء استخدام السلطة, وكما الحال بالنسبة لباكستان نرى الوضع نفسه بالنسبة لاندونيسيا إذ لم يمض على وجود الرئيس عبدالرحمن واحد مدة طويلة حتى ثارت حوله الشكوك فيما يتعلق بقضايا فساد مالي وسوء استخدام السلطة. ونستطيع طبعاً إذا أردنا أن نتتبع هذه الحالات في العالم أن نرى الكثير من هذه الأمثلة ولكن خطورة ظاهرة الفساد في دول العالم الثالث تزداد نظراً لأن أغلب هذه الدول لا يملك نظاماً قضائياً مستقلاً وفاعلاً, زد على ذلك ان النخب الحاكمة في بعض هذه ولا سيما منها التي قارعت الاستعمار قبل أن تتخلص منه تعتقد أن دورها في منازلة الاستعمار يضعها فوق عتبة المساءلة, الأمر الذي يعني أن شعوب هذه الدول تتخلص من الاستعمار لتقع تحت شكل آخر من استعمار المفسدين والفاسدين. ولذلك نرى أن آلية محاسبة الفاسدين في هذه الدول قد تأخذ طابعاً دموياً أحياناً كثيرة كما هو الحال في الكثير من الدول الأفريقية التي يتصارع حكامها على نهب ثروات بلدانهم وتهريب أموالهم المسروقة إلى خارج أوطانهم وهناك أسماء كثيرة يمكن استذكارها في هذه المناسبة. والملاحظ هنا أنه بالنسبة للدول النامية والتي تفتقر لمبادىء المجتمع المدني نرى أن الكشف عن الفساد في سوء استخدام السلطة بالنسبة للنُخب الحاكمة أو الفساد المالي الذي تتورط فيه هذه النخب, غالباً ما يُحدث هزة في المجتمع ككل, في حين لا تتأثر مسيرة المجتمع ونظامه العام في الدول الحضارية مثل اليابان أو السويد أو ألمانيا أو غيرها من الدول. ومن الأمور التي تزيد من حدة أزمة الفساد في هذه الدول أيضاً مركزية السلطة والقرار التي تتركز كما هو معروف في أيدي فئة قليلة وذات سلطات واسعة, ولهذا فإن معالجة ظاهرة الفساد لا تطال في أغلب الأحيان هذه الفئة وانما تمتد بالضرورة الى القاع الاجتماعي, ولذلك نرى أنه في هذه الحالات تستلزم معالجة ظاهرة الفساد عملية تغيير عام. وعلى الرغم من انتشار ما يعرف بموجة الديمقراطية الجديدة في العالم الثالث, إلا أننا نلاحظ أن الشأن العام انتقل الى الشارع دون أن يكون هناك وضوح كاف لدى هذا الشارع في العديد من دول العالم الثالث حول كيفية الخلاص النهائي من الظواهر السلبية ومنها طبعاً ظاهرة الفساد وسوء استخدام السلطة ويعود ذلك في كثير من الأحيان الى افتقار الشارع الى القوى الحقيقية ذات الجذور المتأصلة في الحركة نفسها وفي خلفياتها. ولذلك بإمكاننا القول إن ظاهرة الفساد ستستمر وإن كانت أشكالها ستتغير نظراً للتطور التقني والمعلوماتي لدى الكثير من المجتمعات بحيث يصعب كشف الفساد بسهولة ولهذا فإن أولى أولويات هذه الدول التي تعاني من استشراء ظاهرة الفساد يجب أن تكون في البداية محاولة حصر هذه الظاهرة الخطيرة على المستوى الفردي وعدم السماح للفساد بالانتشار كسلسلة قيم مجتمعية كما يحصل حالياً في الكثير من الدول المتخلفة التي تساعد نظم القيم الاستهلاكية فيها على تنامي ظاهرة الفساد, إذ يقوم البعض في ظل هذه القيم بتجاوز الكثير من المبادىء والقيم الأخلاقية سعياً وراء الكسب السريع وبطرق مشروعة. ويمكننا ختاماً أن نقول إن هناك في الكثير من المجتمعات المتخلفة تراجعاً يُفسح المجال أمام اتساع ظاهرة الفساد على اختلاف أنواعها, ولذلك فإنه إذا أريد لهذه الظاهرة أن تضمحل أو تنتهي لا بدّ أولاً من مكافحة أسبابها ومبرراتها وزيادة التركيز على التربية الأخلاقية الصحيحة للنشء بحيث يصبح الانتماء للجماعة والمجتمع أقوى من الأنانية الضيقة وهنا لا بدّ من الإشارة الى التربية من الطفولة والاهتمام باعتبار أن كل شيء يبدأ من الطفولة وتربية الأجيال على القيم الأخلاقية من شأنها إذا ما تمت بشكل صحيح ومدروس أن تشكل سداً منيعاً ليس أمام آفة الفساد فحسب, وانما أمام أية مشكلة قد تعترض المجتمعات الفتية التي تسعى لتجاوز أزماتها التي تصدّرها لها قوى وجهات تستفيد من ضعفها وتسعى لإبقائها أسيرة ظاهرة الفساد والمفسدين. بقلم: نبيل سالم _ كاتب فلسطيني