الفساد حالة فردية واجتماعية تنشأ عن تراجع القيم والأخلاق في النظم السياسية التي يستولي فيها الحكام على الأموال العامة وهي حالة انتهازية أيضاً تنمو في الدول التي تعتبر نفسها ديمقراطية, بالمقدرة على التحايل على القوانين والتلاعب في وجوه الإنفاق وتحويل المال العام إلى المنتفعين والمرتشين. ولقد شاعت مؤخراً أخبار متواترة عن وصول الفساد الى أعلى مستويات المجتمع في فرنسا, في ظاهرة الرشوة وفي التعامل بالدم الفاسد للمستشفيات. وفي بريطانيا حدث تدهور شديد في الأخلاق المهنية لعدد من الموظفين والأطباء. وفي أمريكا كان عهد كلينتون قمة شاهقة في الفساد. ولقد سمع الناس الكثير عن هذه الآفة والأساليب الماكرة في التستر عليها أو التهرب من عقاب الفاسدين وطمس قضايا كثيرة تتعلق بهذا الموضوع في الدول النامية, مثل اندونيسيا وتركيا وماليزيا وغيرها مما يوجد مثيله في حياة العرب يومياً تقفز قضية الفساد وثم تختفي بقدرة قادر. ومن المثير للإعجاب أن يتم الترحيب الشعبي بالكشف عن هذه الظاهرة, في الدول الفقيرة. لكن الفقر يستمر. ولا تنطوي المحاسبة على استرداد الأموال المنهوبة التي كانت أحد أسباب تدهور الحياة الاقتصادية والاجتماعية في كثير من الدول. ولقد صرح أحد مسئولي منتدى دافوس في رده على من ينتقد العولمة (الكونية الأمريكية) وفي دفاعه عن المنتدى بأن الفقر المدقع في الدول الأفريقية ناجم عن استيلاء الحكام على أموال الشعب وعلى المساعدات الخارجية. ويشكل الفاسدون طبقة محيطة تحميهم وتطبّل لهم وتقوم بالتضليل الذي يخفي جرائمهم, مما يشجعهم على تجمع الحاشية الانتهازية والوصولية حولهم وعلى ارتكاب أبشع الجرائم بحق من يريد إعلان الحقائق وإيقاف أسباب الفساد ولدينا الكثير من الأمثلة في الدول العربية. ولا يخلو يوم من خبر يتعلق بالفساد في كثير من الدول فقد يهب الشرفاء للكشف عن الموضوع أو ينهض الحاسدون الذين لم يترك لهم الفاسدون إلا الفتات. وتتسع دائرة المعلومات في إطار التنافس على الضحية, وهي هنا البلد المريض بالفاسدين والمتخبط بالأزمات الاقتصادية المنهكة. ويلعب دوراً في الفساد, النمو السكاني والفقر وضيق الامكانات المادية وتجميد الأجور وعدم تنفيذ القوانين والطمع وإخفاء الاجراءات أمام المتعاملين والمتقاضين. وقد كان أمر الفساد ضيقاً في المجتمعات الإسلامية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين نظراً للعقوبات الزاجرة. ذلك أن توسع المجتمعات وتنامي الأساليب الاستهلاكية والرفاهية أسهم إلى حد كبير في تفشي ظاهرة الفساد التي تنوعت أساليبها, بغية إخفاء الجرائم وتضليل العدالة. ودرج بعض القادة على تحميل ما يسمونه, المؤامرات الخارجية, في حدوث الأضرار والخسائر التي تلحق بالبلاد وباقتصادها. قضية الفساد التي سقط فيها الرئيس السابق كلينتون مثل صارخ وفاضح على الفساد الرئاسي لأسباب مالية وسياسية في استغلال الصلاحيات الواسعة المخولة له بموجب الدستور والقوانين في دولة تسمي نفسها رأس الديمقراطية في العالم. نضرب مثلاً في ما حدث في أواخر أيام كلينتون من ممارسات رئاسية تدل على تحالف فاسد بين الصهيونية ومصالح كلينتون وزوجته هيلاري. في الساعات الأخيرة من الرئاسة, استعمل بيل كلينتون (الصلاحية الرئاسية) للعفو عن عشرات المدانين بجرائم مختلفة, وعن المتهم بعشرات الجرائم الاحتيالية, طريد العدالة الأمريكية والعميل السابق للموساد, البليونير مارك ريتش. لكن ما من أحد, يدعي أن الرئيس الأمريكي السابق هو من الكرام أو من أصحاب الشيم, كي ينطبق عليه, أو على بعض قراراته الوداعية, ذلك القول الحكيم المأثور: العفو عند المقدرة من شيم الكرام! قال كلينتون في شرح أسباب قراره العفو عن أفراد من اليهود, وبخاصة مارك ريتش, إنه عفا عن عدد (مماثل تقريباً) للذين عفا عنهم رونالد ريجان, و(أقل بكثير) ممن عفا عنهم فورد أو خلفه جيمي كارتر, مضيفاً أن (معظم) الذين منحهم العفو الرئاسي (أناس لا يعرفهم أحد) (أخبار شبكة ء, 2/2/2001). وفي هذا التوجه للتسويغ الذاتي الذي دأب كلينتون على اتباعه طوال سنوات حكمه, وهو الذي حرم من ممارسة المحاماة خمس سنوات ودفع غرامة كبرى لإعطائه, بعد القسم, أجوبة مضللة في إحدى محاكم آركنسو (وإدانة مجلس النواب لانتهاكه واجبه كرئيس في قضية مونيكا لوينسكي). يؤكد أن إعاقته العنيدة للعدالة طوال فترة القضية كانت (دفاعاً عن الدستور)! (واشنطن بوست 4/2/2001). قبل الخوض في قصة (ريتش)(, وهو اسم على مسمى من حيث الثراء الفاحش, لابد من التوقف قليلاً عند بعض المعفو عنهم في (ربع الساعة الأخير), وهم أربعة من اليهود (التقاة اللصوص والنصابين) في نيويورك (فتحوا) مؤسسة دينية احتيالية, للتهرب من دفع ملايين الدولارات للحكومة, كما يقول في الـ (واشنطن بوست), تشارلز كراوتهامر (2/2/2001). وفي حين ان من غير الممكن, ربما, اثبات ان كلينتون عفا عن هؤلاء (التقاة) الأربعة مقابل تأييد طائفتهم (المنعزلة) لزوجته هيلاري, التي تراجعت عن بعض المواقف المؤيدة للقضية الفلسطينية, في انتخابات ولاية نيويورك لمجلس الشيوخ, لكن نتائج الانتخابات تظهر أن بلدتهم منحت هيلاري, بعد أن أطنبت في فضائل اليهود ليصوتوا لها, 1359 صوتاً, مقابل عشرة لخصمها, وقد يكون هؤلاء العشرة من (الطاهرين) المتعصبين جداً ضد النساء, أياً كان السبب (واعترفت هيلاري بأنها حضرت الاجتماع الذي عقده قادة تلك البلدة مع الرئيس كلينتون, وناشدوه خلاله إصدار عفو عن زملائهم). للمخابرات الصهيونية دور في فساد كلينتون كافأ كلينتون قبل انصرافه اسرائيل بعدد من المساعدات العسكرية والأسلحة بناء على التحالف الأمريكي الصهيوني وعلى موقف الصهاينة من دعم زوجته في نيويورك فطلبوا منه رد الجميل فبرأ المليونير ريتش. يعيش البليونير اليهودي المبرأ مارك ريتش, الذي تخلى عن جنسيته الأمريكية لتفادي محاكمته بتهم تشمل (المتاجرة مع الأعداء), حياة (مزدوجة) في سويسرا منذ عشرين عاماً, مزوداً أجهزة الاستخبارات في إسرائيل وغيرها بمعلومات سرية مهمة عن (بعض الحكومات الكريهة) أو (البغيضة), ووفقاً لمصادر في الكونجرس, فإن إحدى لجان مجلس النواب سوف تحقق في العديد من القضايا المتعلقة بالعفو عن ريتش, بينها (علاقته المطولة مع الموساد), واتصالاته المتعددة بالنيابة العامة في نيويورك, عبر المحامين الذين يتولون قضيته, لتزويد وكالة الاستخبارات المركزية (ءة) بؤرة الفساد العالمية وبمعلومات سرية بالغة الأهمية, مقابل تساهل القضاء الأمريكي معه. وقد نفى متحدث باسم الوكالة وجود أي علاقة مع ريتش, مؤكدا أن ما من أحد في وكالة الاستخبارات المركزية اشترك في أية محادثات (وراء الستار) في البيت الأبيض, بالنسبة الى العفو عن هذا الرجل! وهل يصدق أحد هذه المخابرات؟ لكن إيهود باراك أجرى اتصالات هاتفية عديدة بكلينتون لحضه على العفو عن ريتش. وتنقل الـ (نيويورك بوست) عن المتحدث باسم رئيس الوزراء الاسرائيلي, جادي بالتيانسكي, أن باراك نوه مراراً بالمعلومات القيمة التي قدمها ريتش لصالح الأمن القومي الاسرائيلي. ومن بين الوثائق العديدة التي كشف عنها محامي ريتش, في مطلع يناير عام ,2001 لدعم المطالبة بالعفو عن موكله, رسالة من رئيس الموساد السابق شبطاي شافيت الى كلينتون, يؤكد فيها أن ريتش قدم لوكالة التجسس الاسرائيلية (مساعدة) أثمرت نتائج (تفوق المتوقع). وصرح متحدث سابق باسم البيت الأبيض للصحيفة آنفة الذكر بأن (حكومة اسرائيل اعتبرت ريتش حليفاً جوهرياً, وأن الرئيس أخذ بهذا الأمر جدياً عندما درس طلب العفو). (ويقولون إن كلينتون قد تفهم قضية الشعب الفلسطيني). دافع شافيت عن نفسه في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية, قائلاً إن مارك ريتش, الذي يحمل الجنسية الاسرائيلية, ساعد الموساد في نشاطاتها, في اليمن والسودان, خلال الثمانينيات لإنقاذ آلاف اليهود وإخراجهم من اليمن واثيوبيا (وقد جرى نقل اليهود الفلاشا من اثيوبيا الى السودان, حيث أقام عملاء الموساد (منتجعاً قرب البحر الأحمر لنقلهم عن طريق بروكسل الى اسرائيل)). ولم تقتصر الضغوط والمناشدات الإسرائيلية للعفو عن ريتش على باراك وشافيت, إذ حاول الكثير من كبار المسئولين (التوسط) لدى كلينتون, حيث شدد رئيس بلدية القدس الليكودي إيهود أولمرت في رسالة الى الرئيس الأمريكي على أهمية مساهمات ريتش في (الشئون الثقافية) الاسرائيلية. وأعلن شلومو بن عامي أن ريتش تبرع بالمال لقضايا (عزيزة على قلب وزير الخارجية). كما ذكر آفنر أزولاي, ممثل المؤسسة الخيرية التي أنشأها ريتش في اسرائيل قبل 15 سنة, أن رسائل الدعم من كبار المسئولين الإسرائيليين دليل على الاعتراف بالمساعدات السخية من ريتش. وأعلن أزولاي أن مجموع تبرعات ريتش في إسرائيل يبلغ خمسة وسبعين مليون دولار (نيويورك بوست, 5/2/2001). ولم يتحدث أحد عن تبرعه لكلينتون وزوجته هيلاري في حملتها الانتخابية. وهكذا أدت سماحة كلينتون خدمات جلى لزوجته, لكن المستفيدين كانوا دائماً من الصهاينة أعداء الأمة العربية. ولهذا يلفت التعمق في هذا الموضوع الخطر الى فساد رئيس منصرف, ودور الصهيونية في إفساده والاستفادة منه. أعود في النهاية إلى كلينتون لأقول إن هذا الرجل, الذي تلطخت سمعته ورئاسته بأكثر من فضيحة جنسية وأخلاقية, وهو ما يسميه تشارلز كراوتهامر (مؤشر الفساد الرئاسي), يتمثل في عدد القوانين التي تُغير لمنع رؤساء مقبلين من التصرف على نحو مفضوح مثلما فعل كلينتون حتى اللحظات الأخيرة, وإن كان نكسون قد سجل (مأثرة) واحدة على تصحيح الفساد في الإدارات اللاحقة (حيث أدت فضيحة ووترجيت الى اصدار قوانين تنظم عمليات التمويل للحملات الانتخابية), فإن كلينتون سجّل أربع أضعاف ذلك, وقد يكون هذا أعلى رقم حتى الآن على مؤشر الفساد الرئاسي المرتبط بالالتحام الصهيوني بالمصالح الخاصة للرئيس. لقد قال الكاتب اللبناني مارون عبود: إن في حياة الإنسان شيئاً أعظم من المهنة وأكبر من الثروة وأسمى من العبقرية هو... الأخلاق. بقلم: نعيم قداح _ سفير سوري سابق بالأمم المتحدة