الملف السياسي ــ محاكمات لا تنتهي, حملة الأيادي النظيفة في ايطاليا تخسر حربها أمام الأيادي القذرة

لقد كانت حملة (الأيادي النظيفة) في بداياتها قبل خمس سنوات. تأمل في أن إرساء علاقات إنسانية جديدة, وأيضاً اجتماعية وقضائية في طابع (طلياني) عنيف ومتميز يرتديه الصراع الاجتماعي والسياسي المحتدم في بلد السباكيتي والزلازل السياسية, والذي لا يزال يعيش أزمات محتدمة منذ أكثر من نصف قرن, فالقديم يتفسخ ويتحلل ومعه جنباً إلى جنب, تبدو تراكم نُذر الجديد العاصف. فهل فشلت هذه الحركة التي هزّت الواقع الايطالي وكأنها زلزال كبير؟ ربما يمكن القول نعم. فالمغامرة لم تكن سهلة خصوصاً أن جسد الفساد جد قوي ورجاله محنكون وماهرون في اللعب على الحبال. الآن يمكننا القول إن صبر الناس قد نفد وأن الجهاز القضائي لم يقم بواجبه الصحيح والمأمول, وإن الفساد متواصل بالنمو في أجهزة المجتمع بأسرها, حتى بعد مجيء اليسار الايطالي الذي يشكل عموده الفقري الشيوعيون السابقون, والذين استلموا زمام الأمور في البلاد, ووعدوا ولا يزالون وبالشراكة مع الوسط الكاثوليكي في تأمين استقرار سياسي واقتصادي وقضائي لإيطاليا وإعادة وضعها على سكة الدول الأوروبية الأخرى بعد الفوضى التي عاشتها طوال السنوات الماضية. الأمل في إيطاليا يبقى في ذلك القضاء المتحرر الذي استطاع أن يضع عشرات الأسماء الكبيرة من رؤساء أحزاب ووزراء وأصحاب شركات ورجال أعمال وكبار موظفي الدولة من الذين يعتقدون على الدوام انهم فوق القانون, في السجون والمعتقلات. إلا أن هذا القضاء النزيه لم توفّر له الحماية المطلوبة وأصبح هدفاً للمافيا ومجرميها, والسلطة لا تستطيع ان تؤمن الحماية له, وهنا لا بد من السؤال: هل يمكن تنظيف البيت الداخلي من حكومة تدعي اليسار وتدعي الانطلاق نحو الإصلاحات السياسية والاقتصادية, وهي تتقلب بمواقفها السياسية والاقتصادية بين لحظة وأخرى؟ خمس سنوات مضت على الصدمة التي تلقتها ايطاليا, وهزت البلاد على الصعيد الأخلاقي والسياسي والتي تمثلت بانتفاضة القضاء الايطالي على الأوضاع الفاسدة التي جعلت من البلاد أشبه بالشركة الكبرى التي تتوزع فيها الأحزاب والمناصب والوظائف والمكاسب المادية وفقاً لنسب أحجامها السياسية والانتخابية, وكل حزب يرضى بقسمته من الغنيمة, فيركز اهتمامه بزبائنه ومؤيديه, ولم يعد لديه أي طموح كما هو متعارف عليه لكسب التأييد على المستوى الوطني, الأمر الذي جعل هذا الوضع من ظاهرة الفساد أن تعم على جميع المستويات في الأوساط السياسية الموالية والمعارضة على السواء, فأصبحت البلاد تدور في ما يشبه الحلقة المفرغة. كل هذا نجم عن النظام الانتخابي النسبي والذي جعل السلطة السياسية تهترىء والدولة أشبه ببقرة حلوب موزعة حصصاً بين الأحزاب السياسية. فجاءت حملة (الأيادي النظيفة) التي قادتها مجموعة من قضاة ميلانو, حين ظهر على السطح المحقق الشاب انطونيو دي بيترو وهو يضبط المدعو ماريو كيزا بالجرم المشهود في ميلانو وهو يقبض مبلغاً من المال من أجل إدخال أحد المسنين دار العجزة, وكان يقوم بإدارته, وكان كيزا ينتمي الى الحزب الاشتراكي, وعيّن على رأس هذه المؤسسة بدعم من حزبه, فأدت التحقيقات التي قام بها القاضي انطونيو دي بيترو الى كشف (نظام الرشوة) المعتمد من سنوات طويلة داخل هذه المؤسسة الصغيرة, التي شكّلت الخيط الذي أمسك به هذا القاضي وتمكن عبره من الكشف عن عمليات الرشوة والفساد والصفقات المنظمة على المستويات العامة والحكومية كافة, يومها علق الراحل بتينو كراكسي رئيس وزراء ايطاليا الأسبق وزعيم الحزب الاشتراكي آنذاك, وكان في عز مجده السياسي بأنها (حادثة فردية) لا علاقة لها بالحزب, ولكن الاعترافات التي أدلى بها كيزا, مكّنت دي بيترو من إصدار أول مذكرة ضد رجال نافذين في الحزب الاشتراكي, وقد أثارت هذه المذكرات الرعب في صفوف الحزب الذي كانت قد وصلت نسبته الانتخابية البرلمانية الى أكثر من 14% من أصوات الناخبين الايطاليين, وحين كان كراكسي يناور من أجل العودة الى رئاسة الحكومة, تمكن دي بيترو بجرأة كبيرة من إصدار أول مذكرة تحقيق بحق كراكسي بتهمة مخالفة القانون الرسمي لتمويل الأحزاب مثيراً للجدل والهلع في صفوف الطاقم السياسي. تتالت صواعق مذكرات التحقيق ضد كراكسي بعدة تهم تمس عمليات التنظيم والتنسيق وجباية الحصص بين القيادات السياسية وأصحاب الشركات والمؤسسات الكبرى في البلاد, وقد كشف للملأ فضائح الرشاوى في مدينة ميلانو التي كان الاشتراكيون يتخذون منها عريناً ويقومون بجمع الخاوات بصورة منتظمة. وبدأت الحملة القضائية في ميلانو لتكشف الواقع المزري وتنشر على الملأ فضائح الرشاوى وجمع أموال خيالية لتحويلها للأحزاب, أما عن طريق التبرع أو فرض الخاوات بشكل منتظم لممثلي الأحزاب وخاصة الاشتراكي والديمقراطي المسيحي. وبعد توصية لجنة نيابية في روما برفع الحصانة البرلمانية عن كراكسي كي تصبح محاكمته بتهمة الفساد ممكنة بعد أن قدم المحققون ست مذكرات منفصلة تتعلق بالفساد والاختلاس وتلقي الرشاوى وبضائع مسروقة وانتهاك قانون تمويل الأحزاب وتم تفتيش منزله ومكاتبه, وعلى ضوء استقالته من زعامة الحزب, جاءت الصاعقة التي أنهت مستقبله ومستقبل عدد من الوزراء بموافقة البرلمان الايطالي ومجلس الشيوخ بالأغلبية برفع الحصانة عنهم لتسهيل محاكمتهم, وقد غادر كراكسي سراً الى تونس عام 1994 مدعياً انه ضحية لثأر بعض القضاة في ميلانو الذين كانوا يحققون من فضائح الرشاوى, ومن وراء هؤلاء حسب زعمه يقف الحزب الشيوعي الايطالي الذي كان يقود المؤامرة. ووضعت الطبقة السياسية من رؤساء حكومات سابقة ووزراء ورؤساء بلديات وعشرات من مديري المؤسسات الرسمية, في قفص الاتهام بعد أكثر من نصف قرن من الجمود وانعدام تداول السلطة في بلد ديمقراطي تحول الى مسرح للمواجهة ما بعد الحرب العالمية الثانية بعد تأسيس الجمهورية. وبعد مجيء ملك التلفزيونات الخاصة وزعيم حزب ايطاليا للأمام اليميني سيلفيو بيرلوسكوني اثر الانتخابات البرلمانية عام 1994 والتي شكلت مفصلاً مهماً في الواقع الايطالي الجديد, أي نزول بيرلوسكوني الى الساحة لسد فراغ في صفوف اليمين الايطالي الذي انهار على ضوء التحقيقات التي شملت العديد من الأقطاب الكبار للحزب الديمقراطي المسيحي الذي قاد البلاد على مدى نصف قرن, فجاء بيرلوسكوني من خارج الطبقة السياسية التقليدية كمنقذ ومجدد, أراد بعد صعوده لرئاسة الحكومة ان يغلق الملف الساخن للتحقيقات التي كان يقوم بها القضاة الأربعة والذين أطلق عليهم اسم (الأيادي النظيفة), ولكن قضاة ميلانو الذين باشروا بفتح ملف مخالفات شركاته, رفضوا الاجراءات الجديدة التي قامت بها حكومته, وتحول العاشر من يوليو 1994 الى يوم تأريخي في حياة ايطاليا كاد أن يؤدي الى انتفاضة شعبية كبيرة, على إثر ظهور القضاة الأربعة على شاشات التلفزيون ليعلنوا استقالاتهم, مما اضطر حكومة بيرلوسكوني الى سحب قرارها في الحال, وكان يوم 22 نوفمبر أول مواجهة حامية بين رئيس الحكومة بيرلوسكوني وحملة (الأيادي النظيفة) حين صدرت أول مذكرة تحقيق ضد رئيس الحكومة لممارسة صلاحياته بتهم تتعلق بالتهرب من دفع الضرائب ودفع الرشاوى لرجال الضبط المالي. لكن دي بيترو لم يتمكن من الصمود طويلاً نتيجة الضغوط والتهديدات التي كانت تجيئه من كل صوب فاضطر لتقديم استقالته في يناير 1995 بعد أن سقطت حكومة بيرلوسكوني في البرلمان, وقد حولته استقالته الى بطل شعبي وبدأت الأطراف السياسية تحاول اجتذابه الى صفوفها وما زالت الى يومنا الحاضر. ويبدو أن أحزاب اليمين والوسط في عموم البلاد قد قررت على ما يبدو التخلص من قضاة (الأيدي النظيفة) وتحطيم كل ما أنجزوه, وبعد أن تمكنت هذه الأحزاب من تحويل رمز حملة (الأيادي النظيفة) دي بيترو من محقق كشف الفساد المعشش في أعلى مستويات الدولة, الى متهم اضطر في عدة أوقات أن يدافع عن نفسه ويزيل التشويه المتعمد عن سمعته, فإنه الآن تجرى مراجعة كاملة عن غياب وتغييب النتائج الملموسة للعملية التي كانت تهدف للقضاء على الفساد ومحاربته, والاتهام اليوم يتوجه الى القضاء الايطالي الذي لا يقوم بواجبه الصحيح والمطلوب منه, وقد أصبحت خلال السنتين الأخيرتين, جميع المحاكمات التي تتصل بأصحاب (الأيادي القذرة) لا تفضي الى أية نتيجة. فقد أكد رئيس الجهاز القضائي في مدينة ميلانو فرانشيسكو سافيريو بوريللي أن حملة (الأيادي النظيفة) لم تنته مثلما يحاول البعض أن يوحوا بذلك. وقال (علينا ألا نتشاءم, وانه من خلال التمسك بالعقيدة وحدها يمكننا أن نستعيد ثقة الناس فينا ونعطيهم الأمل من جديد في القضاء على الفساد). وبعد تصريحات بوريللي اندلعت هذه الأيام معركة أشعلها وزراء ومسئولون قدموا من الحزب الاشتراكي والديمقراطي المسيحي متهمون بالفساد, ليعلنوا أن حملة الأيادي النظيفة انتهت وللأبد في البلاد. أما الفساد فقد واصل انتشاره في البلاد التي تتسع فيها رقعة الاحتجاج الجماهيري خارج نطاق الأحزاب والمنظمات النقابية, والتي تتلمس يومياً اتساع ظاهرة الفساد كانتشار المرض الخطير في جسم الانسان تماماً مثلما هو الحال في الماضي, ومستقبلاً لا يحق لأحد الكلام حول الموضوع. وجميع الأبحاث والتحقيقات التي أجريت لا بد أن تتوقف, ولا بد أن تتواصل بشكل آخر. ويقول بوريللي علينا أن نبحث عن الفساد في قضايا الضرائب وفي تبييض الأموال وفي الصناديق السوداء الممتلئة بها حد الفيض. الكلمة الأخيرة هي لرئيس الجهاز القضائي بوريللي المتفائل دائماً خلاف صديقه القاضي جيراردو كولومومبو واحد من أهم رموز حملة الأيادي النظيفة والذي يتحدث هذه الأيام عن أزمة كبيرة يعاني منها الجهاز القضائي بغياب النتائج الملموسة التي كانت تهدف للقضاء على الفساد ومحاربته. ومع أن هذا القاضي المعروف بنشاطه ويقوم بواجباته دون أن يعلن انه انهزم في المعركة حتى وإن كانت الصعوبات تبدو أكبر من طاقته وطاقة رجال القضاء الآخرين, فإن السلطة الايطالية الحالية عوضاً ان تدس رأسها في الرمل كما تفعل النعامة, فإنها تحاول ترويض الناس على قبول ما لا تقبله. الآن الجميع يتحدث عن فشل حملة (الأيادي النظيفة) وعن المحاكمات التي لا تنتهي دون أن تفضي الى أي نتيجة ملموسة وفعلية يحدث هذا ضمن أجواء من الاستياء الشعبي المعلن. فهل يجهض اليسار الوسط الذي يقود البلاد هذه التجربة المثيرة ويكتفي بممارسة التشوية الديماغوجي, ويعمد الى اغتيال مكسب عملي أثمرته نضالات الجماهير في لحظة حرجة من تاريخ تطور البلاد المعقد المحكوم بعشرات الميول والنزعات المتناقضة, المرشحة للبروز والتصادم؟ الأوساط السياسية الايطالية المستقلة ترى أن فصلاً كاملاً من تاريخ القضاء في شبه الجزيرة الايطالية طويت صفحاته, وهو فصل من ذلك النوع الذي يتصل مباشرة بتاريخ البلاد. وقد صرح أرماندو كوسوتا رئيس حزب الشيوعيين الايطاليين الذي يشارك بالتحالف الحكومي الحالي (ان التاريخ المعقد لبلادنا بكل ما فيه من نقاط مضيئة ومظلمة لا يمكن أن يترك للمحاكم لكي تتولى الحكم عليه). بقلم: موسى الخميسي _ كاتب عراقي مقيم في روما

طباعة Email
تعليقات

تعليقات