أصبح الفساد قنبلة موقوتة لا تهدد مكاناً بعينه ولا دولة بعينها بل أصبح خطراً يهدد كل فترة بلداً بالاضطرابات والهزات الاجتماعية وتزداد خطورته في تلك الدول التي لا تسمح بهامش الحرية ولا تسمح بالحديث عنه وتعتبره بعض النظم جزءاً من قيم المجتمع وثقافته فتتغاضى عنه, وتتجاهله ليتحول الى قوى افساد منظمة ترهب الدولة نفسها وتقض أمن المجتمع وتخلخله. لماذا ينتشر الفساد ولماذا لا يسمح بكشفه أمام المجتمع ولماذا يلجأ البعض إلى الرشوة والمحسوبية والتفريط بالمصالح العامة للمجتمع, وإذا ما استشرى الفساد ترى هل يبقى شيء للأجيال القادمة وهل ينجو الجيل القادم من آفته... وما دور الصحافة في حماية المجتمع من الفساد والمفسدين؟ كل هذه الأسئلة حملها (الملف السياسي) لأساتذة جامعة الامارات للحديث عنها. قال الدكتور علي قاسم, الأستاذ بقسم الاتصال بجامعة الامارات: إن الفساد بدأ مع الإنسان وان قصة قابيل وهابيل هي أول قصة فساد على الأرض, وبالتالي فهي ظاهرة انسانية منذ ولد الانسان وذلك في ظل وجود رغبات انسانية للاستيلاء على مال الآخر, وقد ساعدت الظروف في مرحلة الاستقرار البشري مع زيادة الموارد الى وجود نزوع واضح لأن يحاول من لا يمتلك ان يمتلك واختلفت الوسائل أو الطرق سواء أكان بالقلم أم الرأي أم المال. ثم أنه ليس هناك دولة ليس فيها فساد, إلا في بداية ظهور الدولة الاسلامية كان الضمير الاسلامي يقاوم فكرة الفساد ولكن بعد هدم معاوية للمسجد وظهور الخراج بدأ الحديث عن الفساد, وحتى في الجاهلية القديمة كان الشعراء يمتدحون الامراء طمعاً في أموالهم وساهم ذلك كثيراً في ظهور الفساد في تلك الفترة, كفساد الوزراء وفساد الحجاب. وأضاف الدكتور علي قاسم انه بدون شك ساهمت القيم الاستهلاكية كثيراً ومعها الفكر الرأسمالي في زرع قضية النهم الاستهلاكي ومحاولة الحصول على كل شيء, فالبضائع كثيرة ومتنوعة وهذه الاشياء الوهمية لا يلبيها الا المال, وفي المذهب البراجماتي ان الغاية تبرر الوسيلة والمافيا التي نسمع عنها الآن في ايطاليا وروسيا وأمريكا ما هي الا صور حديثة من صور الفساد المنظم, وعموماً فإن الفكر الرأسمالي يدعو إلى خلخلة مجموعة القيم والأنساق القيمية عند الانسان تحت مظلة الغاية تبرر الوسيلة وأن الضمائر تشترى بالمال, ووجود المال بكثرة, وحسب المثل المصري العامي (فإن المال السايب يعلم السرقة) في ظل عدم وجود رقيب يتصور البعض أن السرقة اصبحت سهلة, كذلك عدم وجود قوانين رادعة وواضحة تجيب على كل سؤال من أين لك هذا؟ هناك اناس يظهر عليهم الثراء السريع دون معرفة مصدر هذا الثراء. بينما نجد انه في امريكا عندما يصل انسان الى مرحلة ثراء معين يقف امامه القانون ويسأله من أين لك هذا؟ الفساد يجعل القيم تتغير ويصبح هنا كيف نواجه هذه الاشكالية, لأنها عندما تصبح ظاهرة مجتمعية تؤدي الى تهدم العلاقة المجتمعية ويحدث توقف لعملية التنمية وزيادة البيروقراطية وصاحب الحق لا يستطيع ان يصل إلى حقه الا بطرق ملتوية. وقال: في قضية الفساد لابد أن نفرق بين نمطين من الدول العربية. النمط الأول الدول الغنية والثاني الفقيرة. فالشعوب حينما تحس بالظلم والقهر يتحول هذا القهر إلى صراخ ثم مظاهرات, وأخيرا انقلابات وهذا يحدث في الدول الفقيرة جدا والفقيرة وفي الدول العربية الغنية لا يخرج عن كونه مقالا أو رأيا, ولكن ما أمر به الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع أكد انه لا أحد فوق القانون وهذه مسألة مهمة جدا, لأنها ببساطة تضمن حق المواطن وتحميه من الاستغلال. وأضاف الدكتور علي قاسم انه في ظل الضعف الخاص بالوازع الديني والوازع القيمي والانتماء للارض والوطن وفي الوقت نفسه عندما يشعر انه مؤتمن على كل شيء يلعب الخواء الروحي دوره في ظهور الفساد من عدمه, كذلك مقولة الرجل المناسب في المكان المناسب والرجل المنتمي وغير المنتمي. كل هذه عوامل تحدد ماهية وحجم الفساد, فالانتماء للأرض والاندماج الكامل معها ومع ترابها والاحساس بأهمية هذه الأرض وترابها واحتياطي الأجيال القادمة يحد من الفساد, انه اذا كل واحد سرق وتم السكوت عليه فإنه لن يتبقى شيء للأجيال القادمة, والعقيدة تتمثل بشكل أساسي في زرع قيم الامانة والانتماء وان هناك رقيبا يراقبك سوف لا تكون هناك سرقات, ولنفترض ان بعض الفاسدين لم يطالهم القانون.. كيف يكون الوضع؟ انني ادعو دعوة خاصة للجميع ان نعود الى زراعة القيم الدينية الاساسية, واحترام المال العام لأننا لن نستطيع وضع شرطي داخل ضمير كل انسان, نريد ان نعود الى المجتمع الطاهر, وليعلم الجميع ان الافساد يبدأ من تضييع الوقت في شر ب الشاي والقهوة, ولذا فإنني ارنو للجيل القادم. وعموماً فإن ديواني المحاسبة والقضاء في الامارات وهما نزيهان ويستطيعان ان يفيا بالغرض ولكن المهم التطبيق وما فعله سمو الشيخ محمد بن راشد هو رسالة بشكل واضح للمفسدين. ونحن لا نطلب سوى مظلة اعلامية لكي نتعاون مع الجميع لتنظيف المجتمع من الفاسدين ونحن لا نريد صحافة فضائحية ولا صنمية. ما أمر به سمو الشيخ محمد بن راشد شيء رائع في كشف الفساد ولكن مع ذلك ما زلنا في مرحلة التجريب. الدكتور أحمد خليل المطوع, نائب مدير الجامعة لشئون التخطيط قال: إن الفساد ظاهرة ممتدة عبر الزمان, والأدبيات العالمية تسجله في كل موقف ولدى منظمة (OECD) أو منظمة التعاون الاقتصادي دراسات عن ظاهرة الفساد وآثاره وكيفية مكافحته وبالتالي فظاهرة الفساد الاداري ليست ظاهرة حديثة ولكن مع فتح الاسواق العالمية ونظراً لقضية المنافسة الشريفة بين المؤسسات والشركات العالمية وحتى المحلية والاقليمية وغيرها بدأت الدول المتقدمة تنكر ماهية الفساد وآثاره وتكلفته على الواقع المحلي, كما بدأ يبرز مؤخراً العديد من الدراسات والنظريات حول الفساد الاداري وتوابعه, وللأسف فإن العالم الثالث تجاهل بل ولم يتعرض لهذه الظاهرة, بينما هناك فرق أمن وإجراءات مشددة لمحاربة هذه الظاهرة في الدول المتقدمة, وأمامنا الانهيار الآسيوي الذي حدث منذ فترة كان سببه الرئيسي الفساد الإداري بكل صوره رغم ان الاقتصاديات الآسيوية كانت قوية جداً وعندما وقعت الهزة النقدية كان من الممكن تجاوزها لولا وجود هذا الكم من الفساد وانعكس ذلك بصورة أو بأخرى على دول المنطقة العربية ولا سيما منطقة الخليج التي كانت مرشحة لازمة من هذا النوع, وهناك الكثير مما كتب في العالم العربي حول هذه الظاهرة وكيفية تفاديها والتعامل معها. وقال الدكتور المطوع إن الفساد له أسباب كثيرة وجوانب متعددة منها جوانب نفسية واخرى اجتماعية وكذلك جوانب اقتصادية, وهو غالبا ما يتفشى في حال تدني مستوى المعيشة وبالتالي يلجأ المرتشي أو الموظف في موقع المسئولية الى الرشوة وغيرها من الاعمال غير القانونية, لذلك نجده بكثرة في الدول الفقيرة, بينما في الدول المتقدمة تلعب حرية الصحافة نوعا من الرقابة بل تكون الضابط الرئيسي للفساد وفي دول العالم المتقدم من يقبل درهما كمن يقبل مليون درهم, فالمبدأ لا يتجزأ اذ ان الخدمة هنا مقابل المقابل المادي. ويستطرد المطوع: كثير من الاحيان يخطىء الانسان ويقع في المحظور ولكن من يتخذها وسيلة للكسب والثراء لا يستطيع ان يتخلى عنها والمسألة هنا مسألة قيم وأخلاقيات, وفي كثير من الاحيان تساهم ثقافة المجتمع في ردع الفساد, وثقافة المجتمع ايضا تشجع على الفساد الاداري, فهناك بعض الممارسات المقبولة اجتماعياً ولكن لو نظرنا لها في الاطار القيمي والاخلاقي نجدها نوعا من الرشوة والفساد الاداري كالواسطة مثلاً لأنها في كثير من الاحيان تحدث تفرقة بين الاشخاص فمن لا يستحق يحصل على ما يستحقه غيره, إما لكفاءته أو لأحقيته ولكن الواسطة تضيّع عليه فرصة تحقيقه وهذا في الدول الغربية يعتبر نوعا من الفساد بينما عندنا ممارسات وليس فسادا, والفساد ليس بالضرورة او بصفة عامة ان يكون ماديا, وقد حدث مؤخرا ان اتهم وزير بريطاني بالفساد لمجرد انه تدخل لتسريع طلب عمل لشخص يعرفه. ويضيف الدكتور المطوع ان المادة لا تزال هي اهم شيء في حياة الانسان وقيام الثورات في العالم كله كانت ورائه دائماً اسباب اقتصادية, والفساد الاداري ينشأ نتيجة لأسباب مادية وكثير من الدراسات تركز دائماً على جانب العرض وليس الطلب والهجوم في امريكا الآن على جانب العرض لأنه اذا لم تعرض الرشوة لما طلبها احد أو حتى إن يطلبها. وأضاف المطوع: ان الفساد له جوانب انسانية بالتأكيد وكذلك جوانب مادية واقتصادية ويحدد ذلك ميول البشر, فالفساد موجود منذ بدء الخليقة سواء أكان بشكل منظم أو غير منظم, والفاسد يبحث دائماً عن المال باعتبار ان المادة اساسية في حياة الانسان, وبالتالي يفضل البعض ان يتكسب بسرعة ويجني ثروات عن طريق غير قانونية, كما ان الجانب الاقتصادي يعني ان الفاسد يبحث عن تعويض النقص المادي الذي يشعر به عن طرق غير شرعية فيكون هذا النقص هو الذي استطاع تحصيله نتيجة فساده. كذلك التكلفة مهمة جدا, هذا يعني انه اذا اقدم شخص على فعل غير شرعي وكانت تكلفة هذا الفعل غير قاسية أو غير عالية فإنه من الطبيعي ان ينتشر الفساد, أو بالتحديد إذا لم تكن هناك عقوبة عالية القيمة وباهظة التكلفة بالنسبة للمفسد فإنه يقدم على فساده وهو يعلم انه بعد فترة قصيرة من العقاب سيخرج ليستمتع بما حصل عليه, أما اذا وجد وزير نفسه وهو يخسر منصبه لمجرد تدخله في توظيف شخص فإن التكلفة هنا عالية جدا وبالتالي سيفكر مليون مرة قبل التدخل. وهنا نتساءل عن حجم المعاناة بعد فساد الموظف, هل كبيرة أم صغيرة؟ فإذا كانت التكلفة البديلة بالنسبة للمرتشي تعادل صفراً فإنه يُقدم على الارتشاء وعلى الفساد. وركز الدكتور المطوع على مسألة الديمقراطية والحرية وربطها بظهور الفساد أو اختفائه. وقال إن غياب الديمقراطية يؤدي الى ظهور الفساد وانتشاره وإذا اتاحت الديمقراطية للمواطن ان يتحدث عما يراه فإن المفسدين سيفكرون ألف مرة قبل اقدامهم عليه, ففي الفلبين مثلاً سيفكر الرئيس الذي جاء عقب الرئيس الذي ضُبط بالفساد ألف مرة قبل أن يقلده بعد عزله وفضحه على مستوى العالم. كذلك فإن الصحافة تلعب دوراً مهماً باعتبارها سلطة رابعة لا بُدّ أن تقوم في مواجهة الفساد ويمثل الفساد بالنسبة لها مادة دسمة في حالة وجود حريات تسمح بنشر كل ما يتعلق بقضايا الفساد. وإذا لم تكن هناك آلية لإبراز الفساد يمكن للمفسد ان يقدم على فساده ودائماً الفساد الاداري ينتشر في الدول التي تبتعد عن الديمقراطية وتغيبها وكثير من اثبتوا أن هناك علاقة عكسية بين الفساد والديمقراطية, ونحن لدينا الكثير من اجهزة الرقابة لكن اعتقد ان وجود ديوان المحاسبة مهم جداً لضبط عمليات الفساد, و كثير من الدول تطبق ما يسمى بفكرة التدوير وهي تغيير أماكن الموظفين بشكل دوري حتى لا يتكسب الموظف بطول بقائه في موقعه مهارات الإفلات من ثغرات القانون. وقال الدكتور المطوع إن الفساد يؤدي إلى بيئة غير متساوية في السوق, لأن مجموعة أفراد يستطيعون من خلاله القيام بما لا يستطيع الآخرون القيام به مما يؤدي الى تردي الأمر. الدكتور عتيق جكة, أستاذ السياسة بجامعة الامارات, قال: تفتخر سنغافورة بأنها تتمتع بإدارة متميزة كونها أقل البيئات فساداً بعد نيوزيلندا والدنمارك حيث جاءت في المرتبة الثالثة من بين الدول الخمس عشرة الأقل فسادا في العالم لتتفوق على العديد من الدول الغربية كالولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وألمانيا والسويد. يأتي هذا الانجاز نظراً للسياسات الصارمة التي تتبعها الحكومة السنغافورية تجاه مظاهر الفساد ومن أهمها تطبيق قواعد متشددة بشأن الفساد, حيث تشترط الحكومة على جميع الموظفين في القطاع العام أن يملأوا بصورة منتظمة استمارة خاصة بإثبات انهم لم يحصلوا على أية أرباح مجهولة المصدر خلال فترة عملهم في الحكومة. كما تتم متابعة الدخل السنوي للموظف للتأكد من عدم حدوث زيادة غير طبيعية في دخله تفوق مرتبه الرسمي. ويتعرض الموظفون الذين تثبت ادانتهم بالقيام بأية عملية تتعارض مع قوانين الوظيفة للمساءلة القانونية, والعقوبات مشددة قد تصل الى الفصل من الوظيفة أو انهاء التعاقد. حيث قامت لجنة شئون الموظفين في سنغافورة عام 1994 مثلا بمعالجة 163 حالة تأديبية ضد موظفين حكوميين اتهموا بالاختلاس أو سوء استخدام السلطة أو الاهمال نتج عنها 49 حالة فصل من الخدمة و17 حالة توقيع عقوبات ادارية و15 حالة توبيخ رسمي. لذا فإن رئيس وزراء سنغافورة عندما سئل من قبل الصحافة عن السر في تفوق هذه الدولة على معظم دول العالم إدارياً قال: (We have clean Adminstration) أي (لدينا إدارة نظيفة خالية من الفساد). أما في دولة الامارات فإن مفهوم الفساد الإداري ما زال قاصراً وله تعريف واحد تقريباً وهو نهب الأموال العامة, هذا الفهم السطحي لموضوع الفساد جعل كثيراً من الموظفين الحكوميين يقومون بممارسات, قانونياً وإدارياً تصنف فساداً, لكنها مجتمعياً تصنف (شطارة) أو كما يقول اخواننا المصريين (فهلوة). ألا يعتبر هذا فساداً وعملاً لا أخلاقياً. كما ان من مظاهرها ممارسة بعض القيادات الادارية عندنا للأعمال الخاصة ولو بصورة مستترة حين تكون هذه الأعمال محرمة عليهم نظاماً وقانوناً وقد تكون لبعض القيادات الادارية مصالح مباشرة مع بعض الشركات المتعامل معها. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه ما هي آلية التبليغ المتوفرة في الدولة للتبليغ عن التجاوزات أو الخروقات التي تحدث في الوظيفة العامة؟ بمعنى ماذا يفعل الموظف الشريف إذا وجد تجاوزاً ما في مؤسسته؟ هل يذهب الى الصحافة, هل يتصل بالمسئولين في مؤسسته؟ الواقع ليس أمام هذا الموظف إلا ان يتبع سياسة لا أسمع لا أرى لا أتكلم! وقالت الدكتورة فاطمة الصايغ, أستاذ التاريخ, جامعة الامارات: 1ــ تعتبر ظاهرة الفساد احدى الظواهر القديمة في التاريخ ولم تقتصر على فترة دون أخرى. فقد ظهرت منذ بدء الخليقة مع قصة قابيل وهابيل, وقد نهى القرآن الكريم عن الفساد وهدد المفسدين في الأرض بأشد العقاب واعتبر الاسلام الفساد بأنواعه من الذنوب الكبيرة التي تستحق أشد وأقسى العقوبات. واعتبر الرشوة والمرتشين كالسارقين واللصوص فجميعهم يمدون يدهم الى المال الحرام ويأخذون ما ليس من حقهم. كما ان الفساد ليس مقصوراً على فئة دون اخرى ولا على مستوى علمي واجتماعي دون آخر فهو ظاهرة مرتبطة ارتباطاً كبيراً بغياب الوازع الديني والنفسي والوعي بأهمية الحفاظ على المكتسبات العامة. 2ــ تتخذ ظاهرة الفساد أشكالاً متعددة منها استغلال المناصب العامة للكسب السريع وقبول الرشاوى نظير خدمات يقدمها الشخص الى فئة من المستفيدين نظير خدمات يؤديها لهم تخالف النظم واللوائح العامة أو نظير الاعفاء من الضرائب فيتسبب ذلك في تحويل تلك الأموال الى جيوب فئة من الناس وحرمان خزينة الدولة من هذا المال الذي يتجه الى بعض الاشخاص الأمر الذي يوفر لهم الاثراء السريع والغير مشروع. وظاهرة الفساد بشكلها هذا ليست قاصرة على فئة صغار الموظفين بل تمتد, كما نسمع عنها, الى اعلى الطبقات خصوصاً في الدول غير النامية حيث لا يوجد خط واضح يفرق بين المال العام والمال الخاص, الأمر الذي يسمح لذوي النفوس الضعيفة استغلال مراكزهم للثراء السريع. 3ــ والفساد ليس حالة فردية بل تمتد لكي تكون حالة عامة احيانا (كما ذكر القرآن الكريم في قوم لوط والفساد الاجتماعي) ولكن أكثر حالات الفساد المعرضة للظهور للعيان هي حالات الفساد الفردية. وقد ترجع اسباب الفساد نتيجة لطغيان المادة والنمط الاستهلاكي في المجتمعات وهي ظاهرة ليست قاصرة على المجتمعات الفقيرة أو تلك التي تعاني من ضائقة اقتصادية بل تمتد إلى كافة المجتمعات النامية ودول العالم الثالث ولكن الفرق ان الدول المتقدمة قد وضعت آلية قوية لكشف أولئك الذين يستغلون مراكزهم العامة في الاثراء السريع. وتطلب الدول المتقدمة من كل موظف كبير أو مسئول ان يقدم قبل استلامه الوظيفة كشفا بماله الخاص وذلك حتى لا يستغل هذا الموظف وظيفته لصالحه الخاص. 4ــ يخلق الفساد بيئة من المنتفعين والأثرياء على حساب المجتمع وهؤلاء فئة قد تستغل الوظيفة أو الوضع العام كالحرب مثلاً للثراء (أثرياء الحرب) وهذه الفئة تعيق نمو المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وتخلق وضعاً طبقياً واجتماعياً غريباً. فهي فئة قد وصلت إلى مستوى مادي معين في وقت قياسي على حساب المال العام. وهي فئة قد حرمت خزانة الدولة من موارد مهمة تخص الجميع وحولتها الى ثروة خاصة. لذلك فهي فئة تحرم المجتمع من موارد مهمة لغرض تحقيق مصلحة خاصة. 5ــ يختلف الفساد عن الجريمة المنظمة لكونه آفة اجتماعية تنخر جسم المجتمع من الداخل بينما الجريمة المنظمة قد تكون شبة دولية. وكلتا الجريمتين خطرتين ولكن الجريمة الثانية حديثة بينما الفساد قديم قدم التاريخ. 6ــ مكافحة الفساد باتت قضية تؤرق المجتمع والدولة معاً فالحد منها والقضاء عليها انما هو قضاء على آفة اجتماعية خطيرة تهدد أمن وكيان المجتمع. وباتت قضية مكافحة الفساد وخلو المجتمعات منها انما هي ظاهرة حضارية تدل على مدى رقي المجتمع ومدى الوعي لدى أفراده في الحفاظ على المال العام. وقد سنت معظم الدول القوانين والتشريعات للحفاظ على المال العام وكشف المتلاعبين في قضايا الفساد والرشوة. 7ـ الفساد هو ظاهرة من الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وهي دليل على انحدار مستوى الوعي لدى الأفراد وعدم قدرة النظام السياسي على الحفاظ على المال العام والمصلحة العامة. 8 ــ الأزمات الاقتصادية ليست مسئولة عن حالات الفساد. فالفساد ليس مقصوراً على الدول الفقيرة بل على الدول الغنية ايضاً. ولكن غياب الوازع الديني, وضعف الرقابة الحكومية هما وراء انتشار ظاهرة الفساد. 9ــ لعب الفساد والرشاوى دوراً مهماً في تدمير القيم والأخلاقيات في المجتمع وأدى إلى ظهور قيم غريبة. فالإسلام حثّ على التعامل مع المال العام بكل الحرص. والدليل على ذلك الخلفاء الراشدون وانشاء بيت مال المسلمين حرصاً على التفريق بين المال العام والخاص. ولكن ضعف الوازع الديني واختفاء القيم الاجتماعية النبيلة وراء ظهور هذه الظاهرة. كما أدت الثقافة الاستهلاكية بعض ضعاف النفوس الى استغلال بعض الثغرات في الاستفادة غير المشروعة على حساب المصلحة العامة. وقالت الدكتورة فاطمة الشامسي, وكيلة كلية الإدارة والاقتصاد بالجامعة: إن الفساد ظاهرة من الظواهر السلبية التي تسود في جميع المجتمعات على مر العصور وتختلف أدواتها باختلاف الزمان و المكان. وتسود هذه الظاهرة في ظل غياب اجهزة الرقابة والمتابعة وتتخذ العديد من الأشكال مثل قبول الرشاوى في سبيل تسهيل وإنهاء اجراءات معينة بالسرعة المطلوبة, والسرقة من المال العام وتوجيه العوائد العامة لأغراض شخصية ومنها ايضاً استخدام المركز والسلطة الممنوحة للاستفادة الخاصة, كتوظيف قريب في وظيفة لا يستحقها وحرمان من هو أكفأ منه, واستغلال الامكانات العامة لأغراض شخصية وقد سهلت عملية الرقابة واعطاء صلاحيات اكثر من اللازم وتوفر وسهولة الاجراءات التي بموجبها يتم تحويل الاموال الى الخارج ووجود الحسابات السرية, تسهل العملية امام مثل هؤلاء وذلك بتهريب رأس المال إلى الخارج ولا يكون هناك ما يثبت ادانتهم. والفساد حالة فردية تكون اكثر ظهورا في ظل سيادة الانماط الاستهلاكية التفاخرية والنفس البشرية دائما (أمارة بالسوء), فحين تتوافر البيئة المشجعة, تبرز مثل هذه الظواهر ويعزز وجودها الكثير من العوامل التي من ابرزها الرغبة في اشباع الرغبات الاستهلاكية بأسرع وقت, وتفاوت معدلات الدخول بصورة كبيرة وانعدام وجود اجهزة الرقابة والمتابعة حيث يجد الفرد نفسه أمام امكانيات مالية كبيرة وليس هناك الاجهزة الرقابية الفعّالة التي تحاسبه وتساءله (من أين لك هذا؟). والفساد مؤشر معيق للنمو والتطور الاقتصادي إذ ان وجود طبقة المرتشين هذه تعمل على عرقلة كل الانشطة فلا يمكن لأي صاحب مشروع ان يبدأ مشروعه الاقتصادي قبل ان يدفع ومن لا يدفع يعرقل وتعقد الاجراءات امامه مما قد يجعله يعزف عن القيام بالمشروع. كما ان الرشوة والفساد الاداري قد يحرمان مشروعاً ذا كفاءة اقتصادية اعلى من منافسة آخر اقل كفاءة لأن الاول لم يدفع الرشوة المطلوبة. وهذه الظاهرة اكثر ما تسود في المناقصات الحكومية ففي ظل الفساد الاداري تذهب العطاءات لمن يدفع اكثر وليس لأقل العطاءات أو أكفأها. كما ان سيادة الفساد الاداري والرشاوى والروتين والبيروقراطية مؤشر لتأخر المجتمع ومعيق للانشطة الاقتصادية والاستثمارات الجادة, وتشير الأدبيات الاقتصادية الى ان سيادة الفساد والبيروقراطية من العوامل الطاردة للاستثمارات الجادة خصوصاً فيما يتعلق بالاستثمار الاجنبي. كما ان ظاهرة الفساد الاداري قد تحرم الاقتصاد من كفاءات ادارية واقتصادية لكون هذه الفئة لا تماشي الطبقة المفسدة, ومن ثم يعرقل نشاطها وتُجبر للانسحاب أو انها تحرم من عملية الترقي والحصول على المنصب الافضل الذي يمكن ان تخدم من خلاله بصورة اكفأ. إن أي حملات جادة لمكافحة الفساد تُقابل بترحيب شعبي, ولكن يجب أن تكون جادة وتطبق على الجميع, وليس لتصفية الحسابات كما هو السائد في العديد من البلدان العربية ولأغراض حزبية أو نتيجة لاختلاف في الرأي أو نتيجة تغير في النظام. ظاهرة الفساد لا تقتصر على العالم الثالث فقط, أو كنتيجة للفقر والأزمات الاقتصادية فهي موجودة حتى في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة واليابان ودول غرب أوروبا, فهناك حالات كثيرة نسمع عنها كمحاكمة مسئول كبير في الحكومة أو مدير إداري في شركة كبيرة استغل منصبه أو حصل على رشوة ما أو غير ذلك. فهي إذن موجودة حتى في المجتمعات الغنية. الدكتور عبداللطيف الطريفي, مساعد نائب مدير الجامعة لشئون البحث العلمي أكد أن الفساد لا دولة له ولا أرض وانه خُلق مع بدء الخليقة وأساسه النفس البشرية حيث يشكّل الضعف البشري اساس اللجوء الى الفساد, لذا نقول إن الفساد موجود في كل بلاد العالم المتقدم والمتخلف ولكن بنسب مختلفة حسب درجة الرقابة في هذه الدولة أو تلك حيث تقل نسب الانحراف في الدول المتقدمة عنه في الدول النامية وذلك لدقة الرقابة في الدول المتقدمة عنه في الدول النامية وكذلك الدور الذي تلعبه الصحافة والإعلام في كشف الانحرافات بعكس دول العالم الثالث أو العالم النامي. وأضاف د. الطريفي أن الفاسد دائماً يعتقد أن ما يتكسبه بطريق غير شرعي هو أمر مكتسب وحق شرعي بالنسبة له على ان يستفيد منه من خلال موقعه الوظيفي, كما انه يعتقد ان ما يفعله من وجهة نظره ليس سرقة. ويُرجع إقدام المرتشي أو المزوّر أو المختلس على ارتكاب جريمته الى اسباب كثيرة منها ما هو مرتبط بنشأته ومنها ما هو مرتبط بظروفه الشخصية وتطلعاته وطموحه ومحاولة اللحاق بالآخرين في اتجاه الثروة بعد ان ضمن الموقع أو المركز الذي يساعده على ارتكاب جرائمه المالية. وتساءل الدكتور الطريفي: لماذا التركيز الآن على قضية بعينها, وهناك تجار آسيويون سرقوا المليارات وغيرهم حتى من أبناء الوطن, ولكن ما حدث أمر يسعدنا جميعاً وأعتقد انها صحوة من الدولة لاستعادة ما سُرق منها, وأن توجيهات سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والجرأة الإعلامية كانت وراء إظهار هذه الحقائق وهي على الأقل سوف تجعل من كان يفكر في الرشوة أو السرقة أن يعيد النظر في هذه الفكرة وأن يلغيها تماماً من عقله بعد ان رأى أن الدولة لن تتهاون مع السارقين وانها لن تفرق بين كبير وصغير طالما ان الاثنين لصوص. وأضاف الطريفي: أعتقد ان هذه رسالة واضحة من سمو الشيخ محمد بن راشد إلى المستثمرين ان يطمئنوا وألا يخشوا شيئاً وأن يلقوا باستثماراتهم وهم متأكدون أن هناك يداً قوية تحميهم من الفساد أو ضياع أموالهم. أجرى الحوارات: محمود عبدالكريم ـ نيفين عثمان