نعم هناك فساد في كل دول العالم, المتقدم منه والنامي أو العالمثالثي, من أمريكا الى اندونيسيا ومن السويد الى موزمبيق, لكن السؤال الجوهري الذي يهرب منه كثير من مسئولي ومثقفي العالم الثالث عند الحديث عن ظاهرة الفساد في بلدانهم يتلخص في الآتي: كيف يتم التعامل مع الفساد هناك مقارنة بما يحدث في هذه البلدان النامية؟ هذا السؤال هو مربط الفرس كما يقولون, والمقصود هنا ليس المقارنة بين القوانين في أوروبا وأمريكا ونظيرتها في العالم المتخلف, فقد نكتشف ان اكثر بلدان العالم فسادا في عالمنا تملك افضل ما يمكن تصوره من قوانين مثالية لمحاربة الفساد, وبالتالي يصبح السؤال هنا اكثر تحديداً وهو: هل تطبق هذه القوانين, وإذا طُبقت هل تشمل الجميع, وإذا شملت الجميع, هل يجدي تنفيذها ومعاقبة المجرمين؟! تأملوا مثلاً ما حدث في الغرب خلال السنوات الأخيرة وقارنوه بما يحدث في العالم الذي نسميه تأدباً بالثالث! كلينتون رئيس أقوى دولة في العالم والذي كان متحكماً تقريباً في شئون الكون بأسره, جرت مرمطة كرامته في مكاتب التحقيقات عدة مرات, من فضيحة مونيكا لوينسكي ووايت ووتر نهاية بقراره الأخير الذي تضمن العفو عن بعض المتهمين بما يتضمن شبهة المحاباة. هيلموت كول موحد ألمانيا وأحد الأسباب الرئيسية في نهضتها الاقتصادية ظل طوال سنوات يتنقل بين المحاكم وغرف التحقيقات لتلقيه تبرعاً انتخابياً لحزبه رفض الكشف عن مصدره. وفي فرنسا لا يكتفون فقط بالنبش في ممارسات الرئيس شيراك أو بعض الوزراء بل يحاكمون فترة الرئيس الراحل فرانسوا ميتران في صورة ابنه تارة أو بعض ممن كانوا مقربين منه. وفي بريطانيا لا يمر شهر إلا ونسمع عن إقالة وزير بسبب فضيحة فساد, والأمر نفسه كان يحدث باستمرار في ايطاليا التي تغلغلت فيها المافيا. لكن هل معنى ذلك ان الفساد ينخر في عظام هذه الدول لأن عدد القضايا المضبوط أكبر؟ للأسف الاجابة هي لا. والسبب ان هذه البلدان تمكنت عبر تطور شامل في كافة المجالات من بلورة وتأسيس مؤسسات مجتمع قادرة ليس فقط على كشف الفساد بل محاربته ومعاقبة مسئوليه بشدة لردع الآخرين. لكن ماذا عنا نحن ساكني هذا العالم الثالث أو حتى العاشر؟ بالطبع الصورة ليست قاتمة تماماً, لكنها ليست بيضاء, بل هي أقرب للرمادية.. الآن نرى بوادر تحرك جيدة مثلما حدث لسوهارتو في اندونيسيا أو لكارلوس منعم في الارجنتين أو لجوزيف استرادا في الفلبين. وتكمن اهمية هذه الخطوات في انها اشارة لكل المفسدين الكبار انهم ليسوا بمأمن من الملاحقة والمعاقبة مهما بلغت قوتهم أو جبروتهم, فساعة الحساب آتية مهما تأخرت ومثال ذلك ما حدث لبينوشيه في تشيلي أو لتشاوشيسكو في رومانيا. المقارنة بين فسادنا وفسادهم ظالمة, لأن المجتمعين شديدا الاختلاف, لكن علينا دائما ألا نيأس, لو حدث ذلك فهو أكبر خدمة لكل الفاسدين.