تركز, خلال العام الماضي, كثير من الاهتمام على أسباب وتأثيرات الأزمة المالية العالمية. ولا شك في أن يكون هناك شعور بالإلحاحية عندما يتعلق الأمر بمباحثات عن بنيان مالي جديد, وأنظمة مصرفية أفضل, ورقابة محسنة وتحليل للمخاطر. فهذه كلها مهمة جدا, ويجب أن يستمر التعاون في البحث عن أجوبة مشتركة. لكن هناك أزمة أخرى نالت اهتماما أقل بكثير. إنها الأزمة الإنسانية. إن مئات الملايين من الناس يتعرضون لخطر العودة الى حالة الفقر في بلدان متأثرة تأثراً شديداً بالاضطراب الاقتصادي. ويتعرض التقدم الاقتصادي الذي تحقق في عشرات السنين الماضية إلى خطر الضياع. إنها أزمة تؤذي الاطفال بدفعهم الى خارج المدرسة ونحو أعمال شاقة وأحياناً خطرة. وهي أزمة تجرد ملايين الأشخاص من أعمالهم وتمزق نسيج وأمن الحياة الاجتماعية. إنها أزمة لم نسمع عنها إلا ما ندر. هذه الأزمة يجب أن تعالج. هناك الكثير مما ينبغي عمله, إلا أن جميع الاستراتيجيات يجب أن تبدأ في الالتزام ببناء اقتصاديات ومجتمعات منفتحة وشفافة, وفي النهاية, تحاسب على أعمالها. وهذا يعني قطع الالتزام بمحاربة سرطان الفساد. فمهما تدفق على بلد من استثمارات وتجارة, ومهما نما الاقتصاد بسرعة, فإن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن أن يترسخ في بيئة يخربها الفساد. إن الفساد, سواء كان على شكل تواطؤ بين شركات ضخمة وصانعي القرار في الحكومة أو رشوة على مستوى متدن لبعض المسؤولين يهدم حكم القانون, ويخنق النمو الاقتصادي ويؤذي الفقراء أذى شديداً. التأثير الحقيقي للفساد على مدى سنين, كان يعتقد أن الرشوة وأشكالا أخرى من الفساد هي أدوات فعّالة وحتى ضرورية للقيام بأعمال تجارية في البلدان النامية. وكان التفكير أنه عن طريق تقديم رشاو تستطيع الشركات أن تحقق تفوقاً في مجال المنافسة. إن الأمر ليس كذلك. فقد أفادت دراسة أجراها البنك الدولي وآخرون ان الرشوة هي أبعد من أن تكون عاملا في تيسير النشاط التجاري, بل إنها في الواقع سبب لازدياد القواعد والإجراءات التنظيمية المفرطة والاستنسابية. إن الرشوة, باختصار, تتغذى من نفسها منتجة طبقة فوق طبقة من البيروقراطية التواقة الى خنق العمل. وحقيقة الأمر هي أنه في البلدان التي يعرف عنها استشراء الفساد تنفق الشركات مزيداً من الوقت مع بيروقراطيين وموظفي حكومة يتفاوضون حول منح التراخيص, والأذونات, ودفع الضرائب. وتظهر الأدلة أيضاً أن الدول التي لديها مستويات عالية جداً من الفساد معرضة لخطر التهميش في عالم من التكامل الصناعي السريع. وهذا يتضح بشكل كبير اليوم. فكثير من التحديات التي نواجهها اليوم يمكن نسبتها الى أعمال تواطؤ ومحسوبية وعدم دقة في السجلات. إن الأسواق المفتوحة لا تستطيع أن تعمل خلف أبواب مقفلة. فتدفق الرساميل ومساعدة التنمية الرسمية يتأثران كثيراً بالأداء السياسي واستقامة المؤسسات. والمستثمرون لديهم اليوم خيارات عديدة, وهم أكثر قدرة على نقل أموالهم الى حيث أخطار الفساد أقل بروزاً. ثم إن الجهات المانحة, التي تتقلص ميزانيات المساعدة لديها, وضعت أيضاً حدوداً فاصلة. والمؤسسات العامة الحسنة الاطلاع ووكالات المساعدة الحريصة ومؤسسات التنمية تسعى كلها للحصول على مردود لاستثماراتها ــ على شكل تخفيض الفقر وتنمية اجتماعية ــ بنفس الحماس الذي ينظر فيه مستثمرون من القطاع الخاص إلى مردود مالي. إن التصورات في الدول المانحة بأن الفساد في الأقطار متسلمة المساعدات يبدد تلك المساعدات هي من أعظم الأخطار التي تتهدد المساعدات المقبلة. ومرة أخرى, الفقراء هم الذين يعانون. نحن في البنك الدولي, كما في منظمات أخرى متعددة الأطراف, ندرك جيداً أنه رغم اليقظة المستمرة وشدة التدقيق في الحسابات وإجراءات التحقيق, فإن المشاريع التي نؤيدها ليست محصنة تجاه ضغوط الفساد. وليست هناك من طريقة لعزل المشاريع الفردية وبرامج الإقراض عن الاحتيال والتزوير إذا كان هذان مستشريان في البيئة التي تعمل فيها. وهذا يستدعي جهوداً متواصلة من جانب البنك لملاحقة ومحاكمة مرتكبي الاحتيال والتزوير حيثما وجدا, بينما يقوي في الوقت نفسه البنيان المؤسساتي الذي سيساعد في النهاية على وقف الفساد في مصدره. وهذا سيكون كفاحاً صعباً طويل الأمد. لكن كونوا على يقين بأن هذه معركة يمكن الانتصار فيها, ومعركة يجب أن نخوضها. إصلاح الحكومات الفساد ليس مجرد مشكلة قطاع عام محلي. فمقابل كل شخص يقبل رشوة يوجد شخص يقدمها؛ وهذا يعني في الغالب أن عملاء القطاع الخاص يرشون مسئولين في بلاد أخرى. إن العاملين في شركات القطاع الخاص, حيثما كانوا يعملون وبصرف النظر عن الظروف, يجب أن يتبعوا أعلى معايير الاستقامة. والمبادرة التي اتخذتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في العام الماضي لجعل رشوة المسئولين الأجانب عملا جرمياً هي خطوة كبيرة الى الأمام في هذا الاتجاه. والتقدم في هذا المجال ضروري جداً. والاسئلة هي: ماذا تستطيع الحكومات أن تفعل لتقليل الفساد وما هو دور المنظمات الدولية كالبنك الدولي؟ كثيرون يودون أن يروا البنك الدولي يستخدم موارده وكفاءاته لكي يخلص بلداً ما من الفساد بين عشية وضحاها. وآخرون يعتقدون أن البنك, لكي يكون جدياً, يجب أن يقطع كلياً جميع القروض عن البلدان لدى ظهور أول دليل على الفساد. لكننا لا نفعل ذلك, ولا نستطيع أن نكون شرطي العالم. كما أن الفساد لا يمكن أن يستأصل بين عشية وضحاها. على أن هناك خطوات مهمة نستطيع, بل يجب, أن نتخذها لاستئصال الأسباب الأساسية للفساد. ما هي؟ منذ أن أصبحت رئيساً للبنك الدولي, سافرت الى أكثر من 84 بلداً نامياً. وأستطيع أن أقول بتأكيد إن الفساد مشكلة حادة في بعض الدول الفقيرة والتي هي في طور التحول إلى اقتصاد السوق ليس لأن الناس لا يريدون حقاً الاستقامة في الحياة العامة. بل, إن الفساد يزدهر لأن الأوضاع القائمة هناك تناسبه. والحقيقة, أن نظرة الى الوراء, الى تاريخ الولايات المتحدة, أو انجلترا, أو أية دولة صناعية أخرى, تكشف عن أن جميع الدول كان عليها أن تكافح ضد الفساد المتطرف. وهذه معركة لا تنتهي. إلا أنه في كثير من البلدان النامية اليوم, تكون المؤسسات الحكومية التي توفر الأساس التنظيمي الضروري لاقتصاد معافى إما ضعيفة أو مفقودة كلياً. إن العيوب والنواقص والثغرات في الأنظمة المالية والمصرفية, وإدارة الشركات, وتحصيل الضرائب, وضبط تدقيق الحسابات, وعدد من المجالات الأخرى التي تخلق الشفافية في الشئون الاقتصادية, تبدد ثقة المستثمر وتقلل من الاستثمار المستقر طويل الأمد. يجب أن تبدأ استراتيجيات مكافحة الفساد بتقوية هذه المؤسسات. في العام الذي انقضى منذ أن أصدر البنك تقريره عن سياسة مكافحة الفساد, اتصلت أكثر من أربع وعشرين دولة نامية بالبنك طالبة مساعدته في مكافحة المشكلة. ونحن نتشاور مع كل هذه الدول ونعمل في دعم استراتيجيات في عدد منها. وبالتحديد, يسعى البنك إلى العمل مع حكومات مستقرضة بصدد بناء مؤسسات للمدى الطويل, وتغييرات في البنية الاقتصادية, مثل القضاء على الاحتكارات وتشويهات السوق الأخرى التي توفر فرصاً للاستغلال والفساد؛ وفي أمور أساسية مثل تدريب موظفي الحكومة على أساليب التحصيل والإنفاق النموذجية؛ وبالطبع, رسم السياسة الاقتصادية, مثل تخفيض الحواجز التجارية التي تتسبب بها الرسوم الجمركية وغيرها وإيجاد سوق تسليف تتسم بالمنافسة تضعف القبضة الخافقة على موارد اقتصادية مهمة. وهذه التغييرات مهمة جداً لبناء أسواق تضع الناس في المقام الأول وتقلل من تحكم القوي بالضعيف في التركيبة الاقتصادية, والقانونية والاجتماعية. وبالإضافة الى إصلاح الحكومات, علينا أن نعترف بالتأثير القوي للتدقيق والمشاركة الحكوميتين. وهذا أمر بالغ الأهمية لأنه يسلط ضوءاً لا على الفاسدين والمفسدين وحسب, بل أيضاً على أولئك الذين يكافحون لجعل الحياة العامة تتسم بالاستقامة. وقد جمع البنك, عن طريق مؤسسة التنمية الاقتصادية لديه, مخططي سياسة وصحفيين ورجال أعمال, لكي يكشفوا مصادر الفساد ويستأصلوها. وعن طريق آليات أمثال المسح التحليلي لتوفر الخدمات العامة وممارسات الاعمال, وتدريب القضاة والبرلمانيين ومدققي الحسابات والصحفيين على كيفية تحديد الفساد ومكافحته, يساعد البنك المجتمعات المحلية وحكومات البلدان في مواجهة الفساد بصورة عملية. ونحن نعلم بأن ذلك يعمل بنجاح. ففي بوتسوانا ويوغندا وتشيلي وبولندا وعدد من الدول الأخرى تم تحقيق تقدم حقيقي. والناس هناك يعيشون حياة أفضل بسبب هذا التقدم. أخذ العامل الإنساني بعين الاعتبار في هذا العام الذي نحتفل فيه بالذكرى الخمسين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, من المهم أن نتذكر أن التنمية تعني أكثر من سياسات وحوافز اقتصادية. والنمو الاقتصادي لا يتحقق إلا بمعية تقدم اجتماعي ديناميكي ونقاش مدني مفتوح. إن المؤسسات الحكومية التي تقرر مكان المواطنين في الاقتصاد, إذا كان لها أن تنجح, يجب أن يقيمها مواطنون. لقد قطعنا طريقاً طويلا في السنوات الأخيرة. فالناخبون لم يعودوا يتحملون الفساد أو النيل من الثقة العامة. وأصبح المجتمع المتحضر في كل بلد تقريباً في العالم يحاسب القادة على تصرفاتهم. ويتعاون أعضاء الأسرة الدولية, بما فيهم القطاع الخاص, في جعل القواعد والأنظمة التي تحكم الأسواق العالمية تتسم بالاستقامة. لدينا طريق طويل نقطعه. ولكن إذا تذكرنا أن الاقتصاد العالمي, في حين أنه أكثر بكثير من مجموع أجزائه, هو في الواقع مؤلف من أشخاص يعيشون حياة فردية, لديهم أحلام فريدة, ويواجهون تحديات محددة, نستطيع على نحو أفضل أن نبني أسواقاً عالمية يستفيد منها الجميع. بقلم: جيمس وولفينسون _ رئيس البنك الدولي عن وكالة الإعلام الأمريكية