لم يتم الاتفاق بعد على تعريف جامع مانع للفساد. هذا على الرغم من كونه احدى الظواهر الإنسانية, التي يمكن رصدها في كل المجتمعات أياً كان موقعها الجغرافي أو العصر التاريخي الذي تعيشه, وكذا بغض النظر عن مستوى نموها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. كل ما أمكن في سياق محاولات التعريف هو توصيف العمليات التي تدخل في باب الفساد بشكل اجرائي. وفي هذا بات من المتفق عليه أن هذه العمليات تحوي معاني الانحراف عن المضامين الاخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية السوية. ولهذه الصعوبة في تحديد المفهوم سبب معقول ومنطقي, هو أننا بصدد سلوك طليق غير معياري, له علاقة أصيلة وحميمة بالقيم الاجتماعية الثقافية التي تتباين بين جماعة ولا نقول فقط مجتمع وآخر, فالفعل اللاأخلاقي عموما قضية نسبية, تختلف في المكان والثقافة وقد تتحول بعامل الزمن. هل يعني ذلك وجود ثقافة بعينها تمثل بيئة صالحة لبروز الفساد أو تطوره وأخرى نابذة له؟ هناك صعوبة كبيرة في العصور على اجابة قطعية لهكذا استفهام. فكما أن الفكر السياسي السوي يرفض اقتران ثقافة مجتمعية ما بظاهرة الديمقراطية وأخرى لافظة لها, تحمل أو تنطوي على تفضيلات سلطوية, فإنه من اللامعقول بنظر البعض أن نحكم على ثقافة معينة, بأنها تستمرئ السلوك الشائن أو اللاأخلاقي الذي نصفه بالفساد. إن حكما من هذا القبيل يتعارض ونسبية المفهوم أصلاً. على سبيل التوضيح من المفهوم لدى المجتمعات جيدة التنظيم المدني, التي تأخذ بالمقاييس القانونية لتحديد العلاقات البينية, أن المحاباة والمحسوبية من الظواهر غير المقبولة, وهي توسم أحيانا بالعمل الفاسد الذي يستحق مرتكبوه العقاب والإدانة, لكننا نعرف أن للمحاباة والمحسوبية من منطلق القرابة أو التساند الاجتماعي أو الاقليمي, في المجتمعات القبلية معان ومنظورات أخرى مغايرة تماما. ففي هذه المجتمعات ذات العلاقة المترابطة عائليا أو قبليا, التي تملك منظومة معايير اجتماعية صارمة, لا يملك المرء سوى أن يقدم المساعدة والعون للأهل والأصدقاء والأصهار.. وهذا يجعل تطبيق مبدأ المحافظة على الحدود بين المؤسسات, أو فصل الخاص عن العام, أمرا غير واقعي, إن مثل هذه الأطر الاجتماعية تتحرك من منطلقات ودوافع ثقافية متوارثة, قد تجبر الموظف, أو الرجل العام, على ممالأة محيطه من الأقربين, وغالبا ما ينتظر أن يحصل على رد فوري أو آجل ثمنا لموقفه هذا, وأكثر من ذلك مدعاة للدهشة أن هذا الموظف, الذي يأخذ بالمحسوبية من منظور الفساد, قد يتعرض للإدانة والتشهير الاجتماعي الثقافي إن هو لم يفعل ما تأمره به الأطر الثقافية التي يتحرك من داخلها. والمفارقة في هذا المثل, تحدث حين يحاول البعض كسر التابو الثقافي الذي يشجع بنظرهم على الفساد, وذلك باعلاء شأن التقاليد المدنية والقانونية والمساواة والتكافؤ في الفرص, فمثل هؤلاء الأشخاص (النزيهين) يتعرضون لأزمة المواءمة بين العلاقات الشخصية والقبلية والجهوية المتأصلة في ثقافتهم الاجتماعية, وبين نوازعهم الجديدة نحو دولة القانون والنظام! على أن هناك من هم أكثر ميلا للاعتقاد بوجود بيئة ثقافية تزين لظاهرة الفساد وتحتضنها وتمثل تربة خصبة لازدهارها.. إن نسبة المفهوم وخصوصيته, لا تسوغ بنظر هذا الفريق صرف الانتباه عن مقاييس عامة أو مؤشرات يمكن الاستعانة بها للتعرف على الثقافة المنتجة للفساد وغيرها المقاومة له, ولا يستوي اطلاقا أن نساوي بين هذه الثقافات فالمجتمعات التي تأخذ بالرشوة والمحسوبية وشراء الذمم وأصوات الناخبين واستغلال المناصب العامة للإثراء الشخصي وانتهاك القواعد الادارية وانتفاء المحاسبة والشفافية وغير هذه من مفردات الانحراف, ثم تعتبر أنها أنماط عادية بزعم التقاليد والأعراف.. هذه المجتمعات لابد وأنها تعيش ثقافة منتجة للفساد. ويعول أصحاب هذا المنظور على الدراسات المختصة التي أثبتت مثلا أن للفساد في المجتمعات الافريقية أسبابا محورها البيئة الثقافية والواقع السياسي والاجتماعي المهيئين له. واذا كان من الصحيح أن الميراث الاستعماري وغياب النموذج الديمقراطي في الحكم قد ساعد على ترسيخ هذه الأسباب, فإنه يظل من الصحيح أيضا, هذا الخلاف الثقافي بين البيئة الافريقية ونظيرتها الأوروبية في التأثير على حجم الفساد ونوعيته هنا وهناك. في محاولة لمقاربة الفساد ثقافيا على نحو يضيق الفجوة بين من ينفقون ومن يؤيدون الاعتقاد بوجود ثقافة فساد, يمكن ملاحظة ما يلي: أن البعد القيمي والأخلاقي السائد في ثقافة مجتمع ما, له دور في انتشار الفساد, ففي المجتمعات المتخلفة, حيث الثقافة القبلية والجهوية هي السائدة, تعمل النخب المسيطرة على جعل قيمتها وأخلاقياتها هي السائدة. ومن ثم تخلق حالة من الوعي بين الجماهير محبذة لهذه القيم. وربما يصل بها الأمر أحيانا الى النظر للفساد باعتباره قيمة في حد ذاتها ولا يمكن التخلص منه. لا يوجد الفساد والسلوك الشائن أو اللاأخلاقي عموما بمعزل عن العملية الثقافية الاجتماعية. لكن هذه العملية ليست قدرا مقدورا يستحيل الفكاك منه, فالثقافة السائدة عرضة للتغيير الارادي العمدي, ومع ذلك علينا الاعتراف بأن هذا التغيير يحتاج الى وقت وجهد, وأن التحولات الثقافية بقصد نشر الايمان بالقانون والنظم النابذة لثقافة الفساد (كالمحسوبية على أسس عائلية أو شللية معينة) لا تتم بين عشية وضحاها. أن الفساد ظاهرة اجتماعية ثقافية ذكية, يستطيع التلون ومجاراة التحولات الثقافية مهما بلغت من التطور المدني وهو بوسعه أن يتغلغل في أحشاء أكثر منظومات القيم اتساقا مع النزاهة والطهرية. ولهذا السبب, لوحظ أن الناخبين الأمريكيين يعيدون انتخاب 75 في المئة من شاغلي المناصب الذين لوثتهم فضائح فساد, بينما يعيد اليابانيون انتخاب 60 في المئة من هؤلاء. فالمفسدون وأساليبهم الجهنمية, يستطيعون اعادة تزكية أنفسهم, بحيث يعيد المجتمع انتاجهم وقبولهم. توضيحا لهذه الناحية, لاحظت الدراسات أن اليابان رغم كونها مجتمعا متقدما من حيث الثقافة القانونية والادارية التي تطارد الفساد, إلا أنها تحوي في الوقت ذاته تقاليداً ثقافية اجتماعية تيسر لهذا الفساد. فاليابانيون يؤثرون المناسبات الاجتماعية التي يكثر فيها تبادل الهدايا, وقد ثبت أن هذه المناسبات تستخدم لتقديم الهدايا التي تنطوي على رشوة من رجال الأعمال الى السياسيين أو من السياسيين الى الناخبين. وهكذا فإن عادات اليابانيين تهيئ فرصا كثيرة لتغطية الرشاوى, حتى أنهم لا يحتاجون الى توصيل هذه الرشاوى سراً. أن التحولات الثقافية السريعة, بعمليات انقلابية, تحمل على تلصص الفساد وانتشاره بقوة في هذه المراحل الانتقالية حدث ذلك في روسيا ومعظم مجتمعات أوروبا الشرقية عند التحول من الثقافة الشمولية الى الثقافة الليبرالية, فعادة ما تقترن هذه المراحل بهيولية المعايير الحاكمة للمصلحة الخاصة والعامة, وبتقلصات داخلية اقتصادية وسياسية تسمح بشيء من الفوضى وعادة ما تكون هذه البيئة مناسبة لظهور الفساد. (ويقتضي المقام لفت النظر الى أن الفساد في المثل الروسي بالذات تمتع بحماية خارجية من عالم الغرب لأسباب سياسية واستراتيجية..). الفساد ظاهرة معدية, شأنه في ذلك شأن ظواهر ثقافية كثيرة, إنه من وجهة نظر تبدو صحيحة, ليس مشكلة, وطنية أو لم يعد كذلك, فله تجليات دولية عابرة للمجتمعات ففي ضوء الأبعاد الاقتصادية والمالية للعولمة, بات من المستحيل تقريبا عزل الجوانب الثقافية والسلوكية المصاحبة لها. والواقع عدوى الفساد تتأتى إما بشكل تلقائي وإما أنها تتم عن قصد. فهو بالنسبة لبعض أصحاب الاقتصادية والمالية والتجارية, بمثابة مدخل ضروري لتمهيد الأرضية في بعض المجتمعات اللازمة لتمرير صفقاتهم, وتعد عولمة الفساد من الظواهر الخطرة التي تعقد قضية التصدي له بجهود وطنية وأغلب الظن أنها ظاهرة قابلة للتمدد بمرور الوقت. وهناك ملاحظة اضافية جديرة بالتأمل. هي اقتران الفساد صعودا وهبوطا بمدى الابتعاد والاقتراب من الثقافة الدينية فالوازع الديني حضوراً وغياباً, لابد أن له صلة بأنماط التعامل التي يتبناها الناس أفرادا أو جماعات. إن القيم الدينية تفعل فعلها في تحريم الأنماط الشائنة من السلوكيات والمعاملات ونحسب أن المعاملات غير المحكومة بمرجعية قيمية, تساهم التعاليم الدينية في محتواها, تكون عرضة للانفلات الأخلاقي بصورة أكبر مقارنة بغيرها ورحم الله الشاعر محمد إقبال وهو القائل: (إذا الايمان ضاع فلا أمانا). بقلم: د. محمد خالد الأزعر - كاتب فلسطيني