رؤوس كبيرة تتساقط ومحاكمات على امتداد الكرة الأرضية, وهدر في الأموال العامة بالمليارات وعشرات المليارات, وتقارير دولية وشكاوى من هيئات ومنظمات رسمية وشعبية.. وما زال الفساد يستشري ويتشعب, دون تمييز بين دولة متقدمة وأخرى نامية أو بين بلدان غنية وبلدان فقيرة. فهل نستسلم لليأس ونترك عصابات الظلام تمد سيطرتها.. حتى النهاية؟ بعض الدول, خاصة في عالمنا الثالث, يبدو أنها اختارت بالفعل أو أجبرت على الرضوخ والاستسلام لهيمنة الفساد, إما لعجزها المؤسسي وقصورها السياسي والإداري عن المواجهة, أو لتورط أصحاب السلطة والنفوذ فيها, وهذا هو الأرجح. لكن دولاً أخرى اختارت الطريق الأصعب, ولكنه السليم والصحيح في الوقت ذاته, واعتبرت الفساد العدو الأخطر من كل الأعداء الآخرين, لأنه يقوم على امتصاص عرق الشعوب ونهب ثرواتها, ويلتهم بذور التنمية ويقضي على خط الدفاع الأول للأمة وهو ازدهارها الاقتصادي وحقها في الحصول على نتاج عملها وثروات بلدها. ومن هذا المنطلق بدأت دول عديدة, منها بعض الدول العربية, ما يمكن اعتباره (معركة وطنية) حقيقية ضد الفساد والمفسدين في كافة المجالات السياسية والاقتصادية التي عانت بشكل خاص طوال سنوات عديدة. المعركة بلا شك ستكون صعبة وقد تستغرق وقتاً طويلاً لاقتلاع كل الجذور التي امتدت عميقاً في أكثر من مؤسسة وجهاز, وبنت لها موانع وخطوطاً دفاعية عديدة عبر شبكات شائكة ومعقدة من المصالح والعلاقات الاجتماعية والنفعية. غير أن اعتماد الشفافية منهجاً, وتفعيل النظم والقوانين الرادعة والحزم في تنفيذها.. كل ذلك كفيل بأن يعيد الأمل في تصحيح المسار وصولاً إلى الهدف المنشود. بذلك وحده نستطيع القضاء على النبتات الشيطانية والبثور الطارئة على مجتمعاتنا لتستعيد عافيتها ونقاءها. .. ومسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.