حين تغيب الديمقراطية والشفافية وأجهزة المحاسبة والرقابة المالية والإدارية, يصبح من السهل تسريب الأموال العامة والسطو عليها بقوة القبضة والبطش وتكميم الأفواه, ولا يفاجأ أحد بأن البعض من موظفي القطاع الحكومي قد تحوّل, بين ليلة وضحاها, إلى ثري يملك الملايين ويلعب بها. وهذا هو حال العالم الثالث الذي يعاني الجوع والعطش والمرض, ذلك إن أغلب دوله تنتفي من قواميسها مفردات مثل الشفافية والمحاسبة والرقابة, باعتبارها مفردات ضرورية لمجتمع يريد تنمية حقيقية تتساوى فيها الفرص... كل الفرص مثل العمل والتجارة والعقود و... والدراسة الأكاديمية أيضاً! فليس هناك تنمية اقتصادية دون شفافية ونعني بالشفافية تلك التي تساوي أفراد المجتمع كأسنان المشط في الحقوق والواجبات, فليس هناك فضل لشخص على آخر إلا بكفاءته وقدرته على العطاء للوطن. ولا يمكن الحديث عن مجتمع الشفافية إلا في دولة المؤسسات والقانون لحماية عملية التنمية الشاملة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. ولكن, إذا كان غياب الديمقراطية أحد أسباب الفساد في العالم الثالث فكيف نُفسر انتشار مسلسلات الفضائح المالية والسياسية في الدول ذات النظم الديمقراطية العريقة؟ إن هذا السؤال مهم. فالفضائح المالية أخذت تزكم الأنوف في بعض الدول الغربية, إلا أن تلك الفضائح تعتبر في سياق الانحرافات الشخصية أو الفئوية (النشاز) أو الاستثناء من القاعدة, فالقاعدة والأساس هما في الشفافية. وحين تبرز فضيحة مالية هناك, سرعان ما يدفع بطلها ثمناً باهظاً اضافة الى ما يدفعها أنصاره سواء كانوا في حزب حاكم أو في مؤسسة مالية مرموقة. والأمثلة كثيرة في هذا الصعيد. ففضيحة تسقط حكومة بكاملها, وأخرى تأخذ طريقها الى ساحات القضاء دون النظر الى مرتكبها. بمعنى أن الفساد المالي في الدول الديمقراطية لا يعشش, ولا يتحول الى نهج مثل ما يجري في العالم الثالث. مرة سألت بعض المتخصصين في الشئون المالية والاقتصادية عن نسبة الاستنزاف والتسرب في موازنات دول العالم الثالث فحصلت على نسب تتراوح ما بين 20 ــ 50% تذهب خارج اطار الميزانية, إما رشاو أو تسيب أو سطو بطريقة ذكية! ولا شك ان هذه نسب اسطورية, لو قُلصت الى النصف لكان للمشاريع التنموية وتخفيض نسب البطالة وحل مشكلة الاسكان والتطبيب والتعليم دور في تحجيم حالة التوتر القائمة بين النظم السياسية من جهة وشعوبها من جهة أخرى!!