شهدت السنوات الاخيرة انتشارا واسعا لظاهرة الفساد على مستوى العالم, مما جعل الكثير من الدول تستنفر كل قواها القضائية والأمنية لمكافحة هذا الوباء الجديد الذي بدأ ينخر الجسد السياسي والاقتصادي ويعيق خطط التنمية والتطوير في مختلف البلدان النامية والمتطورة على حد سواء. في المجتمعات الغربية اطاحت اتهامات الفساد بالمفوضية الاوروبية بكامل هيئتها الادارية, في حين تعرض مسئولون فرنسيون بارزون للمساءلة في قضية الدم الملوث كان من بينهم رئيس الوزراء ورئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) السابق ووزير المالية الحالي لوران فابيوس. وفي الولايات المتحدة شغلت فضيحة (مونيكا جيت) الرأي العام والاعلام العالمي, حيث تعرض الرئيس السابق بيل كلينتون للمساءلة وكادت الفضيحة تطيح به من منصبه. عدو الداخل وقد كانت قضايا الفساد سبباً في خسارة الاشتراكيين اليونانيين في انتخابات يونيو 1989 بعد ان امضوا ثماني سنوات في السلطة, وعرفت اسبانيا وإيطاليا فضائح يصعب حصرها لاسيما بالنسبة لايطاليا التي عادة ما يرتبط اسمها بالمافيا. وفي شمال القارة الاوروبية كان لانعكاسات قضية الفساد التي عرفتها بلجيكا صدى واسع, حيث ارغم النائب الاول لرئيس الوزراء جي كومي على الاستقالة بعد اتهامه بتلقي رشوة من احدى الشركات الصناعية كما اضطر مسئولان بارزان آخران للاستقالة, و بينما ادين ويلي كلايس وزير الدفاع البلجيكي والامين العام لحلف الناتو بالرشوة واستغلال السلطة كذلك. وفي بريطانيا اعترف المسئول المالي لحزب المحافظين ببعض ما جاء في اتهامات من حزب العمال بأن حزبه تلقى مبالغ مالية طائلة من الملياردير اليوناني جون لانسيس ومن لي كاشينج احد كبار اثرياء هونج كونج, وافادت لجنة التحقيق في الحسابات العامة التابعة للبرلمان بأن ممارسات هدر المال العام والتزوير والفساد تسود مختلف الوزارات والخدمات العامة والخاصة. بل ان استطلاعاً للرأي اجراه معهد جالوب مطلع العام الحالي, اظهر ان غالبية البريطانيين يعتقدون ان بمقدور الاثرياء تسهيل مصالحهم ايا كان الحزب الحاكم. فقد اعرب 70% ممن استطلعت اراؤهم عن اعتقادهم بأن من الممكن لاي شخص شراء نفوذ وتسهيل مصالحه حينما يكون حزب العمال في السلطة (كما هو الحال الآن), وابدى 69% الرأي نفسه بالنسبة لحزب المحافظين, وهذان هما الحزبان الرئيسيان في بريطانيا. اما في الصين فقد اصدرت محكمة في شنغهاي خلال اغسطس الماضي حكما بالاعدام على نائب رئيس مجلس الشعب الصيني تشنج كيجي بعد ادانته بتهمته الفساد وتقاضي مبالغ تصل الى خمسة ملايين دولار رشوة وعمولات. وقد سبق ذلك تنفيذ حكم الاعدام على نائب حاكم مقاطعة (جانكسي) في ابريل الماضي بالتهمة ذاتها, وذلك في اطار ثورة جديدة بدأتها الصين في السنوات الاخيرة تحت عنوان (مكافحة الفساد) باعتبار ان الفساد هو العدو في الداخل وبالتالي فهو اخطر الاعداء. وبطبيعة الحال لم يكن العالم الثالث افضل حالا, بل العكس هو الصحيح. فقد اكد تقرير صادر عن الامم المتحدة ان (الفساد اصبح نظام حياة يومياً في دول العالم الثالث) وان (اكثر اشكال الفساد شيوعا هي الرشاوى والاختلاسات والتهرب من الضرائب والاستحقاقات الجمركية) ولعل هذا ما دفع لجنة السياسة العامة لمنظمة الجمارك العالمية لجعل (الفساد الاداري في الادارات الجمركية) ابرز بنود جدول الاعمال في اجتماعها بالعاصمة الاذربيجانية باكو خلال شهر ديسمبر الماضي. بل ان المنظمة الدولية ذاتها لم تسلم من هذا الداء المستفحل الى درجة جعلت البعض يتحدث عما اسماه (مافيا الامم المتحدة) فقد استقال مؤخراً احد كبار المسئولين السابقين في مفوضية الامم المتحدة لحقوق الانسان, موضحاً ان سبب استقالته هو (اشمئزازه من انتشار الفساد الاداري داخل الامم المتحدة ومنظماتها وأجهزتها المتعددة). وقد كان للشركات الامريكية العابرة للقوميات دور كبير في نشر الفساد وتشجيعه في الدول النامية, حيث اظهر تقرير لوزارة الخارجية الامريكية عام 1994 ان هذه الشركات قدمت رشاوى تقدر بنحو 11 مليار دولار في التعاقدات الدولية, وان وكالة المخابرات الامريكي (سي. اي ايه) ترى ان الشركات التي تدفع رشاوى تفوز بنحو 80% من التعاقدات الاجنبية. معركة الجميع على الصعيد العربي اصبحت مكافحة الفساد الشعار الذي يجمع, على حد سواء, بين الاجهزة الحكومية الرسمية وبين جمعيات النفع العام ومنظمات المجتمع المدني, وتحول الى اولوية في البرامج والاهتمامات الحكومية والشعبية. ففي الاردن اكد الملك عبد الله الثاني في ابريل الماضي ان الفساد (خط احمر) وتعهد بمعاقبة كل من يعبث بالمال العام ويستغل موقعه الوظيفي لمنافع شخصية. واعلنت دائرة مكافحة الفساد الحكومية انها تصدت بين عامي 1996 و 2000 لأكثر من 1034 قضية فساد في مجالات اقتصادية واجتماعية احيل من خلالها 541 شخصاً الى القضاء. وفي هذا الاطار تم تشكيل لجنة عليا لمكافحة الفساد في الاردن في اغسطس 2000 هدفها معالجة الفساد المالي والاداري بكافة مظاهره وأشكاله في القطاعين العام والخاص, والتصدي لظاهرة الخلل ووضع حد لإساءة استخدام السلطة, ومحاربة الواسطة والمحسوبية والتجاوز على القانون والترهل واستغلال السلطة... وتزامن ذلك مع نشر تقريرين لديوان المحاسبة الاردني عن وجود مخالفات مالية وتجاوزات ادارية في مؤسسة الموانىء كلفت المؤسسة ملايين الدنانير الاردنية. وكان العاهل الاردني قد اعرب عن عزمه البحث لكشف اموال السياسيين السرية في المصارف الاجنبية. وفي لبنان شدد الرئيس العماد اميل لحود في يونيو الماضي بعد ايام من تحرير الجنوب اللبناني, على ان استعادة الارض لا تكفي لكي يستعيد لبنان دوره الرائد في المنطقة, وانه ينبغي مكافحة الفساد بحزم استثنائي لجعل البلاد قادرة على الاستفادة من طاقاتها وحماية الاستثمارات وفرصها في ظل المنافسة الاقليمية والدولية. وكان البرلمان اللبناني قد اقر في اواخر عام 1999 قانون مكافحة الفساد والسماح لوزارة الداخلية بالتنصت الهاتفي على رئيس الوزراء واعضاء الحكومة والبرلمان حال خضوعهم للتحقيق في قضايا جنائية ترتبط بالامن الوطني, ويجبر القانون رئيس الدولة ورئيس الوزراء وكبار المسئولين على اعلان ارصدتهم المالية والكشف عن مصادرها في حالة اتهامهم في قضايا نهب المال العام. وجاء اقرار القانون بعد اشهر قليلة من توقيف وزير النفط اللبناني الاسبق شاهي برسوميان بتهمة هدر الاموال العامة اثناء توليه هذه الحقيبة الوزارية. وفي اليمن اعترف الرئيس علي عبد الله صالح منذ عام 1998 باستشراء الفساد في جهاز الدولة, بما في ذلك مؤسسات الجيش والامن. وطالب السلطة التنفيذية بوضع جدول زمني لمكافحة هذا الوباء. وفي العام الماضي (2000) احالت السلطات اليمنية 29 قضية فساد الى نيابة الاموال العامة, قام المتهمون فيها باختلاس واهدار نحو 224 مليون ريال يمني, (ما يعادل مليون دولار) خلال ثلاثة أشهر فقط. وعلى الشاطىء العربي الآخر للبحر الاحمر, اكد الرئيس السوداني عمر البشير بعد اعادة انتخابه الشهر الماضي, عزمه على التصدي للفساد ومكافحته بكل قوة وحزم. وكانت تقارير عديدة تحدثت عن مخالفات مالية وادارية وردت فيها اسماء مسئولين شغلوا مناصب عليا عسكرية ومدنية في السابق. وفي المغرب العربي تعددت قضايا الفساد ومحاولات التصدي لها, من ليبيا الى موريتانيا مرورا بباقي الدول المغاربية الاخرى. فقد أقال الملك محمد السادس وزير الداخلية المغربي السابق ادريس البصري فيما اعتبر محاولة لتطهير الاجهزة الامنية من ممارسات الفساد والقمع الذي استمر سنوات عديدة. اما الجزائر فقد اعتبرت محاربة الفساد فيها معركة الرئيس بوتفليقة الاساسية رغم الانفلات الامني والعمليات الارهابية المتواصلة ضد المدنيين الابرياء. وفي المحيطين الآسيوي والافريقي اطاح الفساد بالعديد من الزعماء والسياسيين وأثار الكثير من الاضطرابات والهزات الشعبية, كما حدث, على سبيل المثال, في اندونيسيا وماليزيا والفلبين وكوريا الجنوبية واليابان, كما في الكونغو (زائير سابقاً) وساحل العاج ونيجيريا... وغيرها. اما في ايران فقد اعلن هاشمي رفسنجاني الرئيس السابق ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام حاليا, ان الجهد الحكومي في المرحلة المقبلة ينبغي ان يتمحور حول حل مشاكل الفقر والفساد والمحسوبية, وهي المحاور التي حددها المرشد الاعلى علي خامنئي كعناوين للاصلاح الحقيقي والنهوض بالبلاد. ومن جانبها شهدت باكستان محاكمات لشخصيات عليا بتهم الفساد, ابرزها رئيس الوزراء السابق نواز شريف حكم عليه بالسجن المؤبد قبل ان يتم نفيه خارج البلاد. كما ادينت رئيسة الوزراء السابقة وابنة الرئيس الاسبق بنازير بوتو بتهم مماثلة رغم وجودها خارج باكستان حتى الآن. وقد انشأت الحكومة العسكرية برئاسة الجنرال برويز مشرف منذ وصولها للحكم عام 1999 عشرات المحاكم الخاصة لمحاكمة المتهمين بالفساد والتخلف عن سداد الديون العامة, لاستعادة الاموال المسروقة ومعاقبة المسئولين عن الفساد. سجل حافل في ظل هذا الفيضان الجارف من فساد الذمة وموت الضمير وانعدام الحس الانساني والوازع الاخلاقي والديني, يستحيل حصر الحالات التي تعرضت فيها شخصيات سياسية واقتصادية بارزة للمساءلة او الادانة التي تحفل بها سجلات المحاكم والهيئات القضائية والرقابية على امتداد الكرة الارضية. غير ان ذلك لا يمنع ايراد بعض الامثلة لشخصيات بعضها عبرة على ما قدمت, امثال موبوتو في الكونغو - زائير وفرديناند ماركوس في الفلبين, والبعض الآخر اجبر على الهروب من السلطة كما هو حال رئيس البيرو السابق فوجي موري والحاكم العسكري السابق لساحل العاج, والرئيس الاندونيسي الاسبق سوهارتو الذي طالت الاتهامات نجله واحدى بناته. وفي اسرائيل حيث ارتبط الفساد بالعدوان على الدوام, وحيث عرف اليهود عبر التاريخ بالجشع وحب المال, اجبر الرئيس السابق عيزرا وايزمان على الاستقالة في مايو الماضي قبل ثلاث سنوات من انتهاء ولايته, بسبب اتهامات الفساد التي وجهت له. كما قدم اسحق موردخاي وزير الحرب السابق استقالته كوزير للمواصلات لاتهامه بقضايا اعتداءات جنسية حين كان قائدا للمنطقة الشمالية في فلسطين المحتلة قبل تعيينه وزيراً للحرب عام 1996. ولم يكن الرئيس الحالي موشيه كتساف اكثر نظافة من سلفه. فبالاضافة الى اجباره منذ سنوات على الاستقالة من رئاسة بلدية (كريات ملاخي) بعد انتخابه بأشهر قليلة بتهمة تعيين الاقارب والاصدقاء في مناصب هامة دون وجه حق, فقد تكشف ان ليئور كتساف شقيق موشيه كتساف متورط في ست جرائم خطيرة. فهو متهم بالرشوة والتحرش الجنسي والاعتداء على شرطي واهانة محكمة خلال نظر قضية خلاف بينه وبين عمه. وعلى النهج الفاسد ذاته تسير زمرة ارييل شارون رئيس الوزراء المنتخب. ومن ابرز هذه الزمرة اوري شني مدير عام مكتب شارون ومدير حملته الانتخابية والمرشح لمنصب امين عام الحكومة. وقد تعرض في الماضي لمشاكل عديدة مع الدائنين حيث تورط في ديون كبيرة لم يسددها, واقترب من شارون, والذي تعرف عليه في حرب اكتوبر عام ,1973 عن طريق عمليات ملتوية من نوع قطع الميكروفون الذي كان يتحدث فيه اسحق شامير منافس شارون على رئاسة الليكود عام ,1990 كما قام بتهريب واحتجاز عدد من اعضاء الكنيست الذين تعرضوا لضغوط من احزابهم ليصوتوا لصالح حكومة جديدة لحزب العمل وهو ما كان يتعارض مع مصالح شارون. وفي فرنسا يواجه رولان دوما, وزير الخارجية ورئيس المحكمة الدستورية السابق, تهمة الحصول على رشاو من شركة الف اكيتن النفطية العملاقة من خلال خليلته السابقة كريستين دوفيير جونكور. وهذه القضية هي اول قضية كبرى تنظرها المحاكم ضمن سلسلة فضائح فساد عصفت بالنخبة الفرنسية الحاكمة على مدى السنوات الخمس الماضية. وتقول جونكور المتهمة ايضاً تح انها حصلت على ما يساوي 4.9 ملايين دولار بطريقة غير مشروعة من الشركة لاقناع دوما بالموافقة على صفقة اسلحة لتايوان عام 1991. وقد تم مؤخراً اعتقال المتهم الآخر والشاهد الرئيسي في هذه القضية الفرد سيرفن المسئول الرفيع السابق في شركة (الف) بعد فترة هروب منذ عام 1997. وقد نشرت احدى الصحف الفرنسية صورة فوتوغرافية لاجندة الهاتف الخاصة بسيرفن مدونة فيها اسماء 200 مسئول فرنسي, من ضمنهم وزير الداخلية السابق شارل باسكوا وكبير المستشارين السابق للرئيس الفرنسي جاك شيراك وقيادات في الامن والمخابرات وقيادات حزبية ورؤساء نقابات. كما يخضع سياسيون مشهورون آخرون للتحقيق بتهمة الكسب غير المشروع, من بينهم وزير المالية السابق ورئيس بلدية باريس ومحافظ البنك المركزي الفرنسي والرئيس السابق لصندوق النقد الدولي. وكانت رئيسة الوزراء والمفوضة الاوروبية السابقة اديت كريسون قد تعرضت لاتهامات بالفساد خلال وجودها في المفوضية الاوروبية قبل ان تستقيل مع كامل اعضاء هذه الهيئة. ولم تسلم تركيا, التي عرفت انقلابات عسكرية وتقلبات سياسية كثيرة, من وليمة الفساد المستشري هذه. فقد اعترف رئيس الوزراء بولنت اجاويد في يناير الماضي بوجود ما اسماه (قوى خفية) تحرك ملفات الفساد, حيث يجري التحقيق مع مسئولين كبار في وزارة الطاقة التي يتولاها وزير من حزب الوطن الام برئاسة رئيس الوزراء السابق مسعود يلماظ. وكان يلماظ نفسه قد تعرض لاتهامات بسوء استغلال السلطة, لكن البرلمان رفض متابعة القضية. وكان المستشار الالماني السابق وبطل اعادة الوحدة الالمانية قد تعرض للتحقيق بشأن تمويل لحزبه من مصادر غير معروفة. وفي نيجيريا التي شهدت قضايا فساد في اعلى سلم السلطة, صوت برلمانها العام الماضي على اقالة رئيس البرلمان تشوبا اوكديجبو اثر اتهامه بالفساد. ومازال الحبل على الجرار, ولكن اليقظة والحزم في معاقبة المفسدين كفيلة بأن تضع الامور في نصابها الصحيح. اعداد: مركز المعلومات والدراسات