يكاد الفساد أن يكون جامعاً مشتركاً لجل ــ إن لم يكن كل ــ أنظمة الحكم والإدارة في العالم الثالث, سواء أكان فساداً سياسياً أو مالياً أو أخلاقياً أو سواها من أسماء وصفات الفساد. وقد صار لسان حال المواطنين في دول العالم الثالث يردد بأنه لا يمكن عمل أي شيء إزاء الفساد في بلدانهم. فيما يبرر آخرون بأن الفساد ظاهرة تاريخية, كما أنها شاملة, فهي غير محصورة بالدول العالمثالثية, انما تَعُم الدول الكبرى أيضاً كالولايات المتحدة والصين واليابان, وقد اشتملت فيها المؤسسات الرسمية والشركات الخاصة على السواء. وإزاء هذه الظاهرة برزت في عدة دول متقدمة ــ أبرزها الصين ــ منظمات لمكافحة الفساد بكل أصنافه ومنابعه وتجلياته تتصدى لهذه الظاهرة بنشر الوعي الحقوقي والسياسي والثقافي في أوساط الناس تجاه موضوع الفساد, وتكشف للرأي العام أمثلة حية من أنماط الفساد وشخوص الفاسدين مدعمة بالمعلومة والوثيقة والبيان الاحصائي والصورة, وتتقدم الى القضاء بملفات كاملة تشكل قضايا قاطعة بصدد حالات فساد واضحة المعالم. وفي يوم 22 فبراير 1990 تصدرت صحيفة (لابرنسا) ــ كبرى الصحف الصادرة في جواتيمالا ــ مقالة جاء فيها: (عندما ينتصر في المجتمع من هو مجرد من الحياء.. وعندما يعجب الناس بالمسييء.. وعندما تنتهي المبادىء ولا تعم إلا الانتهازية.. وعندما يتسلّم المتغطرسون الحكم ويتحمّل الناس ذلك.. وعندما يصبح كل شيء فاسداً وتسكت الغالبية على ذلك لأن نصيبها ما زال ينتظرها.. عندما تتجمع كل صيغ (عندما) هذه.. فلربما يكون قد آن الأوان كي نخفي أنفسنا ونعلّق المعركة.. وحان الوقت كي نتوقف عن مصارعة طواحين الهواء.. وجاء وقت اعادة النظر في نشاطاتنا وإعادة تقويم من هم حولنا والعودة لأنفسنا). غير أن رد الفعل السلبي إزاء الفساد ظل شائعاً في أوساط الناس, بل وفي بعض أوساط علماء الانثروبولوجيا الذي يقول احدهم (إن الرشاوى شكل من أشكال تقديم الهدايا ينسجم مع الأعراف المحلية!). وهكذا صار الفساد قناة مهمة ليس فقط لتمرير الصفقات التجارية غير المشروعة, بل وللمشاركة السياسية أيضاً وهي قمة تجليات ظاهرة الفساد, فحينها يصير الفساد هو الحاكم بعد أن كان مشاركاً أو هامشياً في حياة المجتمع. إن تعزيز فاعلية مؤسسات المجتمع المدني هو السبيل المناسب لمجابهة ظاهرة الفساد, شريطة أن تكون هذه المؤسسات, في الأصل, طاهرة من الفساد وخالية من الفاسدين. كما صار لزاماً إنشاء منظمات مختصة بالتوعية والنضال ضد الفساد وأهله بشتى الوسائل الممكنة وبينها نشر الأمثلة على الممارسات والأشخاص, مدعمة بكل الحقائق الواضحة والوثائق الفاضحة.