الملف السياسي ـ نجيب النعيمي وزير العدل القطري السابق وعضو لجنة دولية لمقاومة الفساد لــ (الملف): أدعو دول الخليج للتوقيع على اتفاقيات دولية تُجرّم الفاسدين

بالاضافة الى كونه وزير العدل القطري السابق, وهو يدير الآن احد اكبر مكاتب الاستشارات القانونية, ينشط الدكتور نجيب النعيمي ضمن عدد من الهياكل الحقوقية الدولية, ومنها جمعية القانونيين الدوليين التي تتفرع منها اللجنة الدولية لمقاومة الرشوة والفساد الاداري. وبهذه الصفة التقاه (الملف السياسي) لاستشراف وجهة نظره في ظاهرة الفساد الاداري, والطرق المثلى لمكافحتها في العالم العربي... ويلخص الدكتور نجيب النعيمي ذلك في ضرورة التوقيع على الاتفاقيات الدولية التي تجرم الراشي والمرتشي... وضرورة تطوير القوانين الداخلية التي تضيّق الفجوات التشريعية التي يتسلل منها الفاسدون... مع تشديد الرقابة على الذمة المالية لموظفي الدولة, ومن طرف هياكل مخصصة للغرض. وفي ذات اللقاء, تحدث النعيمي عن الفساد, ونشأته في المحيط العربي والخليجي, ودوره في اعاقة النمو... وفيما يلي نص الحوار: * أنتم تنشطون في اطار لجنة دولية لمقاومة الفساد, ماذا فعلتم في هذا الاطار؟ ــ هذه اللجنة تجهز كل سنة موضوعاً يتعلق بالفساد الاداري في منطقة ما من العالم, وتنبثق منها توصيات يتم ضمها الى التوصيات العامة لجمعية القانونيين الدوليين, تدعو الى مقاومة الفساد, وفي آخر اجتماع لها دعونا الاتحاد الاوروبي للانضمام الى اتفاقية دولية تمنع الرشوة بين الدول لسنة ,1997 وهي تضم الآن 22 توقيعا لبلدان اقتنعت بها, وانضمت اليها, وبهذه المناسبة ادعو دول الخليج تحديدا والدول العربية عامة للتوقيع على هذه الاتفاقية لمنع تفشي الرشوة الدولية, أنها تجرم الراشي والمرتشي سواء من الشركات أو من المسئولين الرسميين. * ما هي البلدان التي تدارستم حالاتها ضمن هذه اللجنة؟ ــ لا أريد التحديد هنا, حتى لا اقع في التشهير, لكننا نظرنا في كثير من الحالات التي تهم العالم الثالث بوجه خاص, ونحن نعتقد ان انضمام الاتحاد الاوروبي الى هذه الاتفاقية انجاز مهم سوف يتوسع مع الوقت, كما انه يقطع الطريق امام الشركات الاوروبية لرشوة المسئولين في اوروبا أو خارجها, لأن العقاب لن يقع مستقبلا على المرتشي وحده, وانما على الراشي ايضا, بحكم هذه الاتفاقية المهمة. * إذا عدنا الى تاريخية الفساد الاداري, هل هو جديد أم ان له امتداداً تاريخياً؟ ــ اعتقد ان الفساد ظاهرة طبيعية منذ وجد النمط الاستهلاكي الذي اصبح يفرض البحث عن الربح وعن الثروة, واعتقد انها كانت محصورة في بعض مناطق العالم التي استطاعت مع اتساع نشاطها نقل الظاهرة الى الجميع بطريقة تشبه العدوى. وقد حصل معنا في دول الخليج ان انتقلت الينا عدوى الرشوة عبر الخبراء الاجانب الذين تمت الاستعانة بهم لتحقيق التطور الاقتصادي, وقد كنت نبهت منذ فترة طويلة الى ان عدوى ثقافة الفساد سوف تصيب منطقة الخليج من خلال هؤلاء.. فقبل زمن, لم يكن المواطن الخليجي يقبل بالمساهمة في الرشوة, لأنه امر مذل بالنسبة له, ترفضه اخلاق المجتمع, غير ان الظاهرة لم تعد محصورة في الخبراء الاجانب لأن المواطنين بدأوا يتحولون الى جزء من هذه الظاهرة بفعل العدوى كما اسلفت. * حسنا.. الفساد المالي, يتخذ اشكالا عديدة, منها قبول الرشاوى أو توجيه عائدات الدولة نحو حسابات شخصية, الى غير ذلك فما هو الشكل الاكثر شيوعاً؟ ــ السطو على المال العام يأتي في ظل غياب القوانين الرادعة, وأعتقد ان اكثرها شيوعاً عندنا هي وضع اليد على العقارات او المنقولات التابعة للملك العام, لكن نظراً لعدم وجود قوانين تحمي هذه الاملاك يفلت هؤلاء من العقاب, بل هم يتمادون في فعلهم, مستغلين الامر. ايضا عملية توجيه عائدات الدولة نحو الارصدة الشخصية, وهذا عادة لا يقوم به الموظفون البسطاء, بقدر ما يحدث لدى من هم في مستويات قيادية. وماذا عن الرشاوى, أو ما يعبر عنه بالعمولة؟ ــ هناك فرق بين الاثنين, فالرشوة هي اعطاء الموظف العام ما لا يستحق مقابل خدمة, والعمولة, هي مقابل تسهيل الحصول على صفقة تكون الدولة احد اطرافها, وهي ظاهرة منتشرة جدا في دول الخليج. * هل تعتقد ان ظاهرة الفساد, ومنها الرشوة, حالة فردية, أم نتيجة للنمط الاستهلاكي ولتراجع القيم؟ ــ اعتقد انه مع تنامي النمط الاستهلاكي في المجتمعات اصبحت القيم الاخلاقية معكوسة, فالذي يسرق المال العام اصبح يعرف بالذكي او (الشاطر) كما سادت سلطة المال الى درجة ان من يملك اكثر مالا بصرف النظر عن طريقة الحصول عليه, اصبح مهابا ومحترما, وقويا في نظر الآخرين الذين تشربوا بثقافة الفساد, حتى وإن لم يمارسوها. * كيف تعيق البيئة الادارية الفاسدة, النمو الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات؟ ــ سأضرب لك مثلا على ذلك, ففي ذات مرة كنت احضر مؤتمر للطاقة في جامعة (اكسفورد) وكان معنا احد رؤساء بنوك التنمية الذي اعترض على توصية بمزيد بذل الجهد للاستثمار الزراعي في بلد افريقي معروف بخصوبة ارضه, هذا المسئول البنكي قال إن مصرفه غير مستعد للاستثمار هناك, لأنه مرّ بتجربة سيئة مع وزيرين في البلد المعني, فالوزير الأول عندما كان على رأس عمله حصل على المال اللازم للاستثمار, لكنه عندما ذهب, وجاء مكانه وزير ثان, اضطر البنك لإعادة الكَرّة مرة ثانية, لأن خليفته لم يجد شيئاً من المبلغ الأول, وأيضاً حدث الأمر ذاته مع الوزير الثاني, وعند هذا الحد اصبح المصرف ممتنعاً عن الاستثمار في ذلك البلد. وكما ترى فإن مثل هذه المعطيات تنتقل بين جهة استثمارية واخرى, الى ان يجد بلد ما نفسه معزولاً ومنبوذاً من جهات الاستثمار, فيحصل له العوز الاقتصادي, وأنا أعتقد ان الفساد والرشوة عنصران رئيسيان في تخلف المجتمعات. * أنت تضرب امثلة في الفساد في دول العالم الثالث, لكن كيف تشرح وجوده في دول ديمقراطية ومتقدمة, ونحن نسمع تباعاً عن مسلسلات من الفضائح المالية واستغلال النفوذ هناك؟ ــ اغلب الفساد الذي يتم اكتشافه في الدول الديمقراطية يتعلق بنشاطات الاحزاب, ففي اليابان أو ألمانيا أو الولايات المتحدة الامريكية تسعى الاحزاب الى الفوز بأي طريقة, فيسقط بعضها في فخ الحصول على الأموال بغير وجه مشروع, وفي المقابل نرى انه من النادر في هذه الدول حدوث عمليات فساد بالطريقة التي نراها في الدول المتخلفة, وذلك نتيجة وجود آليات رقابة دقيقة وفعّالة تقضي على محاولة الفساد في المهد. وسوف اعطيك مثلا حيا, ففي فترة من الفترات كثر الحديث عن احد الوزراء البارزين في بريطانيا, والذي قيل ان دولا عربية دفعت له اموالا لكي يدافع عن مصالحها في مجلس العموم, لكن نظام البرلمان البريطاني, يسمح بدفع مبلغ الى العضو لكي يتبنى قضية وذلك في اطار ما يسمى بــ (اللوبينج) أو بلغة اخرى شركات العلاقات العامة, لكن ايضاً فإن القانون ذاته يمنع تجاوز مبلغ معين, واثبتت التحقيقات ان الوزير البريطاني قد تسلم مبالغ تفوق التي يحددها القانون, فأدين بالفساد, وهنا تظهر قيمة القوانين المراقبة. * حسناً لكننا نرى في عديد من البلدان العربية اجهزة رقابة مالية ودواوين محاسبة, تحرص على التحقق من اوجه صرف المال العام, ما مدى فاعلية هذه الهياكل في رأيك؟ ــ اعتقد ان الوعي الثقافي والديني وفي كل مستوياته يحقق اكبر مدافع عن المال العام, ولذلك فإن تناول وسائل الاعلام لهذه القضايا بشكل مستمر والتشهير بمرتكبيها يشكل درساً وعبرة للجميع, كما ينمي لديهم الوعي الحضاري بالفرق بين حرية التصرف في المال الخاص, والقيود المرعية على المال العام, وأنا أثمن ما صاحب حادثة دبي من اشهار اعلامي, حتى يعلم الجميع ان الموظف مهما ارتقى ومهما تحصن بالمنصب, فهو غير بعيد عن يد القانون, لأن حدوث مثل هذه الاعمال, وحتى إلقاء القبض على مرتكبيها ومعاقبتهم بدون علم الجمهور, لا يحقق الرادع المطلوب. * هل اصبح الفساد ركناً من اركان الجريمة المنظمة عالمياً؟ ــ طبعا, فالجريمة المنظمة مبنية على اساسيين, اساس الاتصالات التي تتم بين اشخاص فاسدين ومتواطئين في أكثر من مكان و أساس تنفيذ الخطة على ارض دولة من الدول, وعندما تلتقي هذه الاتصالات الدولية, لإيجاد عميل يسهل صفقة ما في الدولة المعنية, بدون وجه شرعي, فإن ذلك يندرج في خانة الجريمة المنظمة. * تحدثتم عن (اللوبينج) أو شركات العلاقات العامة, التي تنظم العمولة, هل معنى هذا, بداية تمأسس الفساد والرشوة, تحت غطاء قانوني؟ ــ أولا, دعنا نعرّف الفساد من المنظور القانوني... هو كل عمل يتم بشكل مناف للقانون, لكن عندما تتم أية عملية في اطار قانوني فهي تخرج عن اطار الفساد, ففي يوم من الايام كانت عمولة الشركات تعتبر فسادا, أما الآن فقد تم تقنين هذه المسألة ضمن القوانين التجارية وأصبحت مقبولة ومعلنة من كل الاطراف, بل أصبح الوسيط مهنة يستحق عليها صاحبها أجراً متى كان يعمل بشكل قانوني. إذن فلا يمكن الحديث عن مأسسة الفساد, لأن المأسسة تتم بقانون. * شاهدنا في الفترة الأخيرة عدة دول عربية تقوم بحملات ضد الفساد الاداري والفاسدين, وقد تم اشهار ذلك للعموم.. كما كنت تطالب قبل قليل.. هل تحسنت أوضاعها؟ وما المقصود في رأيك بهذه الخطوات؟ ــ من وجهة نظري, اعتقد ان كثيراً من هذه الحملات كانت مبنية على أساس سياسي, وليس على أساس مقاومة الفساد بعمق وبصدق.. ولذلك فإنها عادة ما تكون حملة محددة في الزمان وفي المكان, سرعان ما يعقبها ظهور فساد آخر, لدى فاسدين جدد.. فلاعتبارات سياسية تحاول بعض الاحزاب الحاكمة أو السلطات الرسمية القيام بعمليات استعراض لكسب الشعبية في ظرف من الظروف, لكن من الطبيعي ألا تعطي هذه الحملات أكلها, عندما يتم اخذها على الحل السياسي, لأن المستفيد منها في هذه الحالة مع الجهات التي أطلقوها وليس المجتمع كاملا كما ينبغي ان يكون. * إذن ما هي طريقة مقاومة الفساد بجدية في تقديرك؟ ــ هنا طريقتان لمقاومة الفساد بجدية, أن تنضم الدول المعنية الى الاتفاقيات الدولية المقاومة للفساد, لأن شركات تلك الدول سوف تتقيد ببنود تلك الاتفاقيات وترتدع, ثم اتباع توصيات صندوق النقد الدولي مثلا والتي تطلب عدم الجمع بين الصفات الرسمية للعاملين في الدولة وبين الصفات التجارية بأي شكل من الاشكال, فالوزراء لا يجب ان يكونوا أعضاء في أي مجلس ادارة لأي شركة, وان توضع رقابة على الوزراء وكبار المسئولين منذ يوم دخولهم الى ممارسة النشاط الحكومي الرسمي, وبالتالي ضرورة تقدم كل وزير أو مسئول رفيع المستوى ببيان اخلاء ذمة مالية عند قبوله ممارسة الوظيفة الرسمية الى جهاز قضائي أو ديوان المحاسبة أو أي هيكل خاص بمراقبة سلوك هؤلاء الموظفين أثناء أدائهم لمهام عملهم. وتتم عملية الجرد بعد الانتهاء من مهمته الرسمية. واعتقد انه اذا تم اتباع هاتين الطريقتين, خارجيا وداخليا, مع تطوير القوانين الداخلية التي تشدد على الناحية الرقابية, وتكون مرتبطة بتطور الاتفاقات العالمية في هذا الاطار, فإننا سنضيق الخناق أكثر مما يمكن على ظاهرة الفساد في عالمنا العربي. أجرى الحوار بالدوحة: أحمد السراج

طباعة Email
تعليقات

تعليقات