استشرت فضائح الفساد واستخدام النفوذ في الآونة الأخيرة وبصورة خطيرة في العالم, لم يستثن منها مسئولون كبار أو حتى رؤساء دول, ولا يمر يوم إلا وتطالعنا المؤسسات بالدولة هنا وهناك باكتشاف حالة من الفساد فردية أو جماعية, وقد أسقط الفساد رؤساء دول كما حدث في الفلبين, واندونيسيا, وطال رؤساء أكبر الدول في العالم على غرار أمريكا, وامتد الى كبريات المؤسسات الدولية كما حدث في المفوضية الأوروبية قبل عامين, الأمر الذي أصبح ينبىء بخطر وخيم على الدول وكافة مؤسساتها, فحتى الدول التي تتمتع بوجود سلطات رقابية عليا على المسئولين لم تسلم من تفجر فضائح الفساد واستغلال النفوذ والرشوة والمحسوبية, فهل تحول الفساد الى ظاهرة دولية واجتماعية عامة, وهل انعدمت ببلدان العالم قوة الردع لدرء تصرفات الفساد, وهل غابت الرقابات المؤسساتية والرقابية الاخرى مما ادى لاستشراء الفساد, وما هي اسباب تزايد هذه الفضائح وتناميها خاصة في بلداننا العربية؟ وما هي طرق العلاج؟ هذه الاسئلة وغيرها توجه بها (الملف) للأستاذ الدكتور فؤاد عبدالمنعم رياض خبير القانون والقاضي الحالي بمحكمة الجزاء الدولية لجرائم الحرب في لاهاي والنائب السابق لرئيس المجمع العالمي للقانون الدولي. * ونبادره بالسؤال حول تقييمه لفضائح الفساد وهل هي ظاهرة جديدة على المجتمعات والدول؟ ــ قد اختلف في اطلاق كلمة ظاهرة على ما يظهر هنا أو هناك من فضائح للفساد, فظاهرة كلمة خطيرة تدين كافة المجتمعات والنظم والدول, لكن تظهر احداث أو فضائح للفساد, وهذا متوقع مع الطبيعة البشرية المحبة للشهوات من مال وسلطة ونفوذ, وكلما تواجدت سلطة أمكن وجود فساد في غياب الرقابة وانعدام الوعي. وفي عالمنا العربي كانت توجد عمليات فساد من أصغر موظف وحتى أكبر مسئول في كل حقبة سياسية, ولكن نظراً لأن هذه الدول لم تكن تعرف طريق الديمقراطية, أو نتيجة لغياب الوعي, وانتشار الرهبة والخوف بين الشعوب ممن في السلطة أو المسئولين, كل هذا أدى الى عدم الكشف عن الفساد للرأي العام أو إعلامياً, فقد كانت الشعوب تعرف مثلاً أن الملك القائم عليها هذا فاسد. ولكنهم يتحدثون عن هذا همساً, ولا تجرؤ وسائل الإعلام عن تناوله. أما الآن وخلال العقد الأخير بدأت العديد من البلدان العربية تتجه الى تطبيق النظم الديمقراطية, وإلى شفافية سياسية, وقد أدت هذه الشفافية الى سرعة الكشف عن مواطن الفساد أياً كانت بؤر تواجده من سلطة أو نفوذ عالٍ, والشفافية والديمقراطية هنا هي الفيصل بين دول عربية وأخرى, فهناك بعض الدول لا يمكننا أن نسمع مطلقاً عن ظهور حالات فساد بها, ولا يعني هذا أن مسئوليها وساستها ملائكة لا يرتكبون أعمال الفساد, بل يعني هذا غياب الديمقراطية والشفافية, وهذا هو الفارق بين دول أخرى تظهر بها بين حين وآخر بجلاء أعمال الفساد وتتفجر فضائحها وبين دول أخرى لا نسمع عنها شيئاً. إذن كلما زادت الديمقراطية والشفافية, كلما تم الكشف بقوة وصراحة عن الفساد. فالديمقراطية تعطي ميزة الثقة لدى المواطن, والوعي والقدرة على مواجهة المسئولين المتورطين في الفساد, والقدرة على المطالبة بمعاقبتهم. * ما دوافع الفساد, وهل هو تصرف فردي أم جماعي؟ ــ دوافع الفساد عديدة, قد يمكن أن نبدأ بها مع نشأة هذا المتصرف بفاسد, فهو محب لذاته, يفضّل مصلحته الشخصية عن مصلحة الجماعة, وهو لديه شهوة الامتلاك أكثر من غيره, وليس لديه انتماء للصالح العام أو لوطنه, وحال توليه منصباً أو مركزاً إنما يتصرف من منطلق هذه السلوكيات ليغلّب مصلحته على مصالح الآخرين, ثم مصلحة أقاربه على الآخرين, ثم مصلحة معارفه على الأغراب, ومصلحة جماعته الخاصة على مصلحة المجتمع أو الوطن, وقد يكون الفاسد فرداً, وقد يكون جماعة تشكّل حلقة أو سلسلة داخل مؤسسة ما من الانتفاعيين. وفي شبكة الفساد يكون الانتفاع تدريجياً تصاعدياً, أما التغاضي فمن قمة الهرم لأسفله الوظيفي, فالموظف الصغير يرتشي ليسير مصلحة مواطن ويرفع طلبه لمن هو أعلى منه, والأعلى يستخدم نفوذه ليخدم قريباً له ويمنحه وظيفة غيره أحق منها, والأعلى يفضل إعطاء تكليف العمل لمؤسسة أو جهة ينتفع منها لا تكون لها أهلية أو صلاحية كغيرها ممن لا يمكنه الانتفاع من خلالهم, والموظف الصغير يعرف ان رئيسه يعلم, والرئيس يعلم ان قيادته تعلم, وهكذا, وهنا يكون التغاضي, الأكبر يتغاضى عن الأصغر حتى لا يفضحه, وتتكون شبكة عنكبوتية من استغلال النفوذ والرشوة والمحسوبية. ودوافع الفساد في الأساس هي غياب الضمير, انعدام الانتماء, وانعدام الرقابة فعدم وجود رقابة انما يكون مدعاة للفساد واطمئنان الفاسد أنه بمنأى عن العقاب لجرائمه في حق الشعب والوطن, وانما بعيد عن الفضح الاجتماعي. وإذا شعر الإنسان انه لا رقيب ولا حسيب, فالمناخ سيهيأ أمامه للفساد, وهناك زعماء في بلدان أفريقية أفقروا دولهم على مر عقدين من الزمان نتيجة للفساد ونهب خيرات بلادهم بعد أن كانت هذه البلدان من البلدان الغنية في العالم, نتيجة لعدم وجود سلطة رقابية أعلى منهم, تراقب موارد البلاد وخيراتها, وتراقب تصرفات هؤلاء الرؤساء, وهذا لا يزال يحدث حتى الآن في بلدان العالم الثالث, ويساعد في عدم الكشف عنه غياب الديمقراطية. * كيف نفسر ظهور فساد في بلدان ديمقراطية وغنية, وهل أصبح الفساد من ضمن الجرائم المنظمة في العالم؟ ــ كما سبق الاشارة كلما وجدت سلطة ونفوذ, أمكن وجود فساد, والانسان هو الانسان كطبيعة بشرية سواء في بلد نامٍ أو متقدم, شرقي أو غربي, الفارق في بلدان الغرب انها تطبق نظماً ديمقراطية, فيتم الكشف السريع عن فضائح فساد المسئولين لوجود سلطات رقابية أعلى دائماً, وعلى سبيل المثال تم الكشف عن أعمال فساد ضد كلينتون رئيس أكبر دولة في العالم, ويتم الآن محاسبة وزير خارجية فرنسا السابق ورئيس المحكمة الدستورية, لأن صديقته كانت مرتشية واستغلت نفوذه في تشغيل شركتها والحصول على مكاسب, وفي اليابان يتم الكشف عن كبار المسئولين من مرتكبي أعمال الفساد, والمتهم بالفساد في اليابان يلجأ للانتحار لأنه يدرك مدى العقوبة الخطيرة التي تنتظره, ويرى أن الموت أهون. لذلك يمكن توقع ظهور الفساد في أي بقعة في العالم أو أي مكان حساس, أما كون وصول الفساد كجرائم منظمة, لا يمكن توصيفها بهذا الوصف, فغالباً من يقومون بالفساد من أفراد أو شبكة جماعة انتفاعية, لا يتفقون علانية على ارتكاب الفساد, بل يتم اتفاق ضمني بالتغاضي, وهم أيضاً لا يخططون لتوسيع دائرة نشاط الفساد, بل يتم هذا في أضيق حدود إن تمكنوا ليحموا أنفسهم من يد العدالة, ولا يسعون لتصدير جرائم فسادهم للخارج. * هل ترى أن العقوبات القانونية بالدولة ضد المفسدين تتعادل مع طبيعة الجريمة الخطيرة في حق المجتمع والوطن؟ ــ لا يمكنني بالطبع رصد كافة التشريعات القانونية لبلدان العالم إن كنت تقصد حرفية السؤال, ولكن إذا كنت تقصد المضمون, فإنني أطالب بتنفيذ أقصى العقوبات وتشديد القوانين الخاصة بجرائم المال العام لتصبح أقسى من جرائم النفس والقتل. فأي جريمة فساد من موظف أو مسئول مهما كان حجمه, إنما في تصوري كرجل قانون إنما هي جريمة قتل جماعي مع سبق الاصرار, فالجرائم التي تمس حياة المجتمع جرائم بشعة, فهي تهدف لقتل مجتمع بأكمله, لذلك يجب ان تكون عقوبتها رادعة. ولو ضربنا مثلاً صغيراً بمؤسسة حكومية تتولى بناء مدرسة, لو تم اعطاء مهمة البناء لجهة ليست أهلاً لبناء مدرسة بالمواصفات, لكانت نية المؤسسة الحكومية هي القتل الجماعي لمن سيدخل المدرسة من أطفال, وإذا أعطى بنكاً ما تسهيلات لمواطن لقروض وخلافه فهذا تآمر ونية لتجويع لشعب وقتله بنهب الثروات الوطنية, وهكذا قس على هذه الأسئلة, لذلك أرى أن معاقبة مرتكبي الفساد يجب أن تكون أعلى عقوبة في التشريعات القانونية لأية دولة في العالم كنوع من الردع. * ما العلاج في تصورك لمواجهة الفساد؟ ــ مع الأوضاع الحالية وتكشف العديد من فضائح الفساد في العالم, يجب أن يكون العلاج فوقياً أولاً للتحجيم, حتى لا تتحول لظاهرة اجتماعية وعالمية بالمعنى الحقيقي للظاهرة, وذلك بمحاربة ما يسمى بالسلطة المطلقة, وإيجاد الرقابة المؤسساتية والشعبية على كافة مؤسسات الدول وساستها, بما في ذلك رئيس الدولة نفسه ووجود سلطة رقابية تحاسبه على أفعاله, وكما سبق القول أؤكد أن الديمقراطية والشفافية السياسية هي الحل لمواجهة الفساد, حتى يمكن الكشف عن الفاسد في بداياته قبل أن ينهب غنيمته ويهرب, كما يحدث الآن بهروب مليونيرات بأموال الدول للخارج. وتشديد القوانين العقابية لأعمال الفساد علاج أولي, والعمل على توعية المجتمع بحقوقهم, وتشجيعهم على الإبلاغ والكشف عن أي فساد دون خوف, ثم نقطة مهمة هي وضع الرجل المناسب في المكان المناسب, ليكون مثلاً ونموذجاً جيداً للعطاء, وعدم تغليب مصلحته الشخصية على مصلحة المجتمع, فإذا أدرك كل شخص أن هذا المنصب أو الوظيفة إنما أمر تكليف لخدمة الوظيفة والمجتمع وليس خدمة نفسه, لاختفى الفساد, فعليه أن يشعر بالصالح العام, ويشعر أنه مراقب, ليس فقط من ضميره بل من سلطة واعية. أما في جانب تربية الأجيال لدرء أسباب الفساد فتتمثل في دور المؤسسات التربوية من تربية النشء في بيت له مثل أعلى ونموذج طيب يحتذى به, وتربيته على الوعي والضمير الحي والانتماء, وهنا أركز بأن غرس شعور الانتماء لدى الأجيال مهم جداً في مكافحة الفساد, فأينما غاب شعور الانتماء وجد الفساد, ووجد أي شيء آخر مخالف للأخلاق وضد المجتمع والوطن. أجرى الحوار في هولندا: د. سعيد السبكي