قبل عشرين عاما حضرت جلسات محكمة القيم التي انعقدت لمحاكمة بعض أشهر جرائم الفساد التي وقعت في سنوات السبعينيات مع بداية سياسات الانفتاح (السبهللي) وما جرته على مصر من ويلات. وعرفنا من المحاكمة صورة فساد كانت جديدة علينا أيامها.. حيث أموال الدولة تستباح, والبنوك الخاصة تتحول إلى اقطاعيات خصوصية تصرف الملايين لبعض اللصوص بمكالمة هاتفية أو بتأشيرة على علبة سجائر أو علبة كبريت!! واكتشفنا مبكرا أن البعض قد استورد طعام الكلاب وباعه للبني آدمين, وأن آلاف الأطنان من الأغذية الفاسدة المستوردة وجدت طريقها للاسواق في ظل حماية المافيا الجديدة , وأن خللا هائلا قد أصاب علاقة السلطة برأس المال استفادت منه عصابات الفساد الجديدة لتبني مؤسساتها وتنشر نفوذها في أرجاء الدولة. كان الإنذار مبكرا, وبعده أعلنت الدولة أنها ستحارب الفساد بكل قوتها. ولكن يبدو أن الحرب لم تكن متكافئة, والظروف كلها خدمت مؤسسات الفساد, فاجهاض تجربة التنمية المستقلة في مصر كان أمرا مطلوبا من جهات كثيرة, وتكبيل مصر في المشاكل الاقتصادية والاجتماعية يخدم الكثيرين, وسياسات الانفتاح السبهللي يتيح فرصة التخريب, وظروف التحول وغياب الرقابة واغواء السلطة ببريق المال وسعي المال لنفوذ السلطة.. كل ذلك جرنا إلى حيث أصبح شعار (خد الفلوس واجري) هو السائد, رغم محاولات المقاومة التي تبديها بعض الأجهزة والمؤسسات. الآن... يبدو ما سمعته في محكمة القيم وأدهشني قبل عشرين عاما ساذجا للغاية, ونحن نقرأ عن رجال أعمال أخذوا المليارات وهربوا للخارج, وعن نواب استغلوا الحصانة البرلمانية لنهب البنوك, وعن عمولات غير مشروعة, وفساد في بيع القطاع العام. والأهم من ذلك خروج اللصوص بما سرقوا في غيبة الدولة أو في حضور بعض أجهزتها في بعض الأحيان! والأمر يحتاج لمواجهة حاسمة, والمواجهة ليست سهلة ولكنها ممكنة وضرورية.. إنها تحتاج أولا إلى فك زواج المصلحة بين السلطة والبيزنس, وتحتاج إلى تفعيل الحياة الديمقراطية لضمان الرقابة الحكيمة على أعمال الحكومة وأموال الدولة, وتحتاج إلى شفافية كاملة في التعامل, تضع كل الحقائق أمام عيون المجتمع, وتحتاج إلى نظام صارم يعاقب الكبير قبل الصغير عند الخطأ, ويعيد الاعتبار لحرمة المال العام.