أكد اللواء ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي أن التشريعات والقوانين هما الركيزة الأساسية لمحاربة الفساد وتقييد السلوكيات المؤدية اليه. وأوضح اللواء ضاحي خلفان أن الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع رئيس الشرطة والأمن العام, دق ناقوس الخطر وأعطى المثل لكل مسئول في الكشف عن الخلل أياً كان وعدم التستر عليه. وقال في حوار خاص لـ (الملف) ان استراتيجية شرطة دبي ان تكون (شرطة قوية لا شرطة سلطوية) من أجل مجتمع سوي واقتصاد قومي. ودعا الى عدم الجمع بين الوظيفة العامة (الحكومية) والاعمال الحرة حتى لا ينشغل الموظف بأعماله الخاصة عن الاخلاص لوظيفته وتطويرها والارتقاء بمستوى الاداء فيها, مؤكدا على ضرورة ترسيخ مفهوم الامانة والقيم الاسلامية. وحول ما اذا كان الفساد من افرازات العولمة, اوضح ان القضاء على الفساد يعتبر احد اهداف العولمة, وان الفساد ليس بالضرورة جريمة منظمة, بل قد يكون فردياً أو على نطاق مجموعة ضيقة. كما تطرق الى عدة قضايا اخرى ضمن هذا الحوار. أركان أساسية * تتخذ ظاهرة الفساد أشكالاً عدة منها سرقة المال العام وقبول الرشاوى ومنع توجيه عائدات الدولة الى صناديق المال العام والسطو عليها عبر ادخالها في حسابات سرية فكيف نستطيع مكافحتها؟ ــ نستطيع مكافحتها كما تكافحها الدول المتقدمة, وذلك: أولاً, بسن التشريعات والقوانين التي تحد من عملية الفساد وتقيدها. فنحن في شرطة دبي أعلنا في الخطة الاستراتيجية بأننا نريد ان نكون شرطة قوية لا سلطوية من اجل مجتمع سوي واقتصاد قوي. * كيف يكون الاقتصاد قوياً اذا كان البلد متفشية فيه ظاهرة الفساد الاداري, فلا يمكن لمستثمر عاقل ان ينقل استثماره الى بلد يتفشى فيه الفساد الاداري؟ ــ فالأسلوب الصارم في معاقبة القائمين على الفساد وبكشف كل قضايا الفساد علناً أمام المجتمع بإعلانها في الجرائد, نستطيع ان نحد من الفساد المتفشي كما فعل الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع رئيس الشرطة والأمن العام. فقد ضرب مثلاً لكل مسئول. فليس من المنطق اننا نخشى ان نكشف عن خلل ما بغض النظر عن شخصية المتورط في أي عملية من عمليات الفساد, لكي يكونوا عبرة لمن يعتبر. فالطامة الكبرى ليست بالإعلان عن مرتكبي الفساد بل في التستر على مثل هذه العمليات مما يجعلها تسري في البنية الاقتصادية كما تسري النار في الهشيم. ثانياً, منع الموظف من مزاولة الاعمال الخاصة بجانب الوظيفة الحكومية, فالموظف المشغول بأعماله الحرة لن يستطيع التوفيق بين وظيفته الحكومية وأعماله الخاصة, فاهتمامه سوف ينصب على اعماله الخاصة وسوف يهمل وظيفته الحكومية. فمن يريد الوظيفة الحكومية يخلص لها ويعطيها كل ما يستطيع من ابداعاته ليرتقي بوظيفته ويطورها وبذلك يرتقي بمستوى دائرته, ومن يريد التجارة والاعمال الحرة يفرغ نفسه وعطاءه لأعماله الحرة افضل له من التذبذب بين الوظيفة الحكومية وأعماله الخاصة, فيختار احد الامرين. اما ان يكون موظفا حكوميا او ان يكون تاجراً. ثالثاً, ترسيخ مفهوم الامانة والقيم لدى الجيل الصاعد والشاب, فبمرور الوقت ابتعد الناس عن القيم والعادات مما ساعد على انتشار الفساد. فيجب على شخص في المجتمع ان يؤصل معنى الامانة في نفسه ويغرسها في ابنائه لحماية المجتمع من الفساد. انحلال القيم * هل الفساد حالة فردية أم نتيجة النمط الاستهلاكي وتراجع القيم؟ ــ الفساد الاداري نتيجة لانحلال القيم وخوار الهمم, فالرجال لابد أن تكون لهم همم عالية لا تتدنى الى مستوى الفساد. لكن لا شك ان عدم وجود نصوص صريحة تشير الى الفساد الاداري هي احد الاسباب التي تجعل بعض الناس يشعر بالطمأنينة, فمن أمن العقوبة اساء الادب؟ * كيف يمكن للفساد ان يخلق بيئة فاسدة من المنتفعين والمرتشين تعيق النمو الاقتصادي للدول والمجتمعات؟ ــ الفساد الاداري لم يحل بدار الا جعلها خراباً ما يجعلنا في دول العالم الثالث نلمس الضرر والدمار الذي يؤديه الفساد الاداري في البنية الاقتصادية والبنية الاجتماعية. * هل أصبح الفساد ركناً من اركان الجريمة المنظمة, وهل يمكن اعتباره احد افرازات العولمة؟ ــ ليس بالضرورة ان يكون الفساد جريمة منظمة قد تكون فردية او ضمن جماعة تنظم لعمليات الفساد, والأشد خطورة تلك التي تكون جماعية, فتأثيرها على الفرد والمجتمع اكبر من تأثير الفساد الفردي. ولا يمكن ان نعتبر الفساد من افرازات العولمة بل على العكس, العولمة في اعتقادي ان احد اهدافها القضاء على الفساد. * هل أسهمت ثورة المعلومات والاتصالات الحديثة في تفعيل دور الاجهزة الرقابية والأمنية في مكافحة الفساد؟ ــ ساعدت ثورة المعلومات الى حد ما, ولكن لنا من التجربة ما يمكننا بدلائل معينة ان نسترشد الى وجود فساد في مكان معين. ونحن كرجال أمن نستطيع استشفاف ما اذا كان يوجد فساد في مكان معين. * ما مدى مسئولية المجتمع وهيئاته التربوية والتعليمية عن بروز وانتشار ظاهرة الفساد؟ ــ لا تقع المسئولية على وزارة التربية والتعليم بل على الاسرة ايضا, فلا ننسى ان طبيعة الانسان خطاء, فالشخص في مواقف معينة يضعف ويقع في الخطأ, ومن أول مرة يسقط ويسترسل في عملية الفساد الا من رحم الله ممن يستطيع تفادي مثل هذه السقطات ويأخذ العبرة من تجربته. فهنا يظهر دور الاسرة في تأصيل الامانة والقيم الاسلامية في نفوس الشباب وتقف جنباً الى جنب مع التربية والتعليم للنهوض بمستوى الفرد وارتقائه. ناقوس الخطر * مكافحة الفساد باتت مهمة ماثلة امام الحكومات للحد من اهدار المال العام, ماذا حققت الدولة في ذلك حتى الآن؟ ــ دق سمو الشيخ محمد بن راشد ناقوس الخطر بقوة ونبه الغافلين وزاد صحوة الصاحين. وأعتقد انه بهذه الخطوة الحكيمة رغم مرارتها بتورط شباب الامارات المتميزين, إلا ان رب ضارة نافعة.. وهذا الاجراء رغم صرامته سوف يجعل الكثيرين يبتعدون عن هذا الدرب, والذي تسول له نفسه بخوض مثل هذه المحظورات يرتدع عن القيام بذلك, ويجعل كل من توضع بين يديه امانة ان يحسب لها الف حساب ويتوخى الحذر من ان يقع في هذه المتاهة ــ متاهة الفساد ــ وفي النهاية هذا لمصلحة من؟ انه لمصلحة الجميع.. الفرد والدولة والمجتمع. * إذا كان غياب الديمقراطية احد اسباب الفساد في العالم الثالث فكيف نفسر انتشار مسلسلات الفضائح المالية والسياسية في الدول ذات النظم الديمقراطية (الغرب)؟ ــ عند تصنيف الدول الاقل فسادا احتلت الدول الاوروبية اول 9 دول ضمن قائمة الاقل فسادا. وافضل دولة تأتي نسبة الفساد فيها من 10% الى 15%. اما دول العالم الثالث فهي في الخط الاحمر فيها فساد مستشر ومن بينها الدول العربية ودول الخليج. الكثير يدعي بوجود الديمقراطية ولكن لا يمنع من تفشي الفساد فيها, فعلى سبيل المثال واستناداً الى التقارير العالمية فإن الهند دولة ديمقراطية اعترفت بديمقراطيتها دول الغرب, ولكنها من الدول التي يتفشى فيها الفساد بشكل كبير. ليست الاشكالية في الديمقراطية ولكن الاشكالية ان العالم الثالث لا يستطيع التنبه الى نقطة مهمة وهي ان المجتمع لن ينمو الا بمحاربة الفساد, بمعنى ان الدول الفقيرة من دول العالم الثالث هي دول لا تعاني من نقص في الموارد الطبيعية بل تعاني من فساد السلطة والقائمين على الدولة. أجرت الحوار: هويدا بن طوق