الفساد ظاهرة تخترق كل المجتمعات وليست ملازمة لبلد ما بعينه وإن كان الاختلاف نسبياً من مجتمع لآخر تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية, ومعضلة الفساد ليست وليدة اليوم وانما هي قضية عمرها بعمر التطور البشري, بيد انها اليوم اضحت تتجلى بأشكال وأنماط مختلفة بحكم التطور الحياتي الذي صاحب النقلات الحضارية التي خطتها البشرية وبدت معها الأمور متشابكة ومتداخلة ضمن أنساق وتحولات على كافة الصعد. إن ظاهرة الفساد لم تعد صفة ملازمة لدول العالم الثالث فقط بل ان الدول المتقدمة أضحت مخترقة بهذا الداء حيث تشير تقارير دولية راصدة لحالات الفساد الى سلسلة من الفضائح التي تتفجر يومياً في الدول الغربية لتصيب بشظاياها كبار الشخصيات والرموز السياسية, لذا فإن مهمة التصدي لحالات الفساد هي مهمة تضطلع بها كل دول العالم وفقاً لظروف وخصوصية كل دولة حماية للصالح العام وإعلاء للقيم الانسانية والاخلاقيات التي جبل عليها الانسان منذ نشأته الاولى وأكدت عليها الديانات السماوية. لقد تنادت بعض دول العالم وبعض المنظمات والجمعيات الاهلية في العام 1993 الى تأسيس المنظمة العالمية للشفافية كهيئة متخصصة في مكافحة الفساد عبر العالم من خلال عقد المؤتمرات الدولية والفعاليات والأنشطة التي تهيىء لرصد الظاهرة في دول العالم وإصدار تقارير موثقة تكشف حالات الفساد والتجاوزات التي تحصل في العالم بهدف وضع المعالجات الكفيلة بالإصلاح والوصول الى الوضع الأمثل. وفي واقع الحال يبدو أن الفساد في بعض دول العالم الثالث أصبح القاعدة وليس الاستثناء, وتمأسس أيضاً ليتحول الى غول يلتهم كل الموارد ويحبط خطط التنمية الاقتصادية ويتسبب في اتساع مساحة الفقر وحرمان الشعوب من ثرواتها وخيراتها وأفضى الى توترات اجتماعية وأزمات سياسة أطاحت بزعماء كثير من الدول. ولا شك أن الصرخة التي أطلقها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بمحاربة كل أشكال الفساد عكست حرص سموه على معالجة بعض السلبيات التي تظهر هنا وهناك حماية للصالح الوطني ودعماً لخطط النمو المتسارعة التي تخطوها بلادنا في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان واخوانه أصحاب السمو حكام الامارات. والواقع أن هذه الصرخة المخلصة قد لقيت تجاوباً رسمياً وشعبياً كبيراً وكان لها صدى على كافة المستويات تجاوزت خلاله الإطار المحلي والإقليمي لكونها عبرت عن صدق التوجه ولامست قضية شائكة تتطلب الجرأة والإقدام والمكاشفة.. فمن يجرؤ على الكلام. الملف