تجاوزت الأروقة السياسية السودانية (صدمة) الاتفاق بين حزب الزعيم الاسلامي حسن الترابي والحركة الرئيسية التي تقاتل في جنوب السودان بزعامة جون قرنق لتفرز ردود فعل تراوحت بين الغضب والسخرية والاستياء والتأييد, وفي حين دعا مسئول الحكومة الى معالجة الأمر معالجة أمنية باعتباره مهدداً للاستقرار, اعتبر حزب الأمة ان الاتفاق صادر أما عن انتهازية أو قناعة بين القط والفأر. وبينما رأى معارض ناشط في الخطوة تطوراً ايجابياً في فكر الحركة الاسلامية اعتبره زعيم (متوال) خطوة لا تعدو سوى كونها (مكايدة تغلق باب الحل السياسي وتفتح الطريق للتدخلات الأجنبية), وهو أمر اتفق معه فيه زعيم جنوبي (متصالح) رأى ان الاتفاق يهدف لاحراج الحكومة بإظهارها مجردة من كروت اللعبة السياسية. ووصفت قيادات حكومية الاتفاق الذي تم توقيعه بين الحركة الشعبية لتحرير السودان التي يتزعمها جون قرنق وحزب المؤتمر الوطني الشعبي بزعامة الدكتور حسن الترابي بأنه محاولة من الأخير لخلق نوع من البلبلة وعدم الاستقرار بالبلاد وقال وزير طلب حجب اسمه ان التعامل مع اتفاق الترابي قرنق يجب أن يتم من زاوية أمنية لأنه نص على اسقاط النظام وألمح أحد طرفيه (في إشارة الى الترابي) الى ان الاتفاق به جوانب سرية وغير معلنة, لهذا معالجته لن تكون سياسية وانما من منطلق أمني لأن القضايا المتعلقة باستقرار البلاد وسلامتها ليست محل المزايدات السياسية والكسب السياسي الرخيص على حد تعبيره, وأردف الوزير قائلاً لقد كان الترابي في الحكومة وكل مساعديه الذين وقعوا هذا الاتفاق وغيرهم فلماذا لم يخطون مثل هذه الخطة وقطع قائلاً ان الحكومة ستدرس هذا الأمر وستتخذ من الخطوات ما يكفل للبلاد استقرارها ووحدتها وسلامتها. وفي ذات الاتجاه ذهب القيادي البارز في الحزب الحاكم أحمد عبدالرحمن محمد وقال في حديث لـ (البيان) ان هذا الاتفاق يهدف الى خلق حالة من عدم الاستقرار والفوضى لاسقاط النظام الحاكم وزاد عبدالرحمن قائلاً ان الاتفاق في مجمله ليس فيه جديد وسبق الحديث عنه كثيراً بل تم التوقيع عليه في العديد من الاتفاقات الثنائية التي اعتادت الحركة على توقيعها مع أحزاب أخرى, وأشار الى ان هذا الاتفاق يكشف ان الترابي فشل في الاتفاق مع معارضة الداخل والآن لم يجد أمامه غير حركة قرنق يوقع معها اتفاقاً ولكنه لن يثمر ايضا, ومضى عبدالرحمن ليقول: (كذلك بهذا الاتفاق تنكر الترابي لكل الانجازات التي تمت طيلة (عمر حكومة الانقاذ). من ناحية أخرى أبدى حزب الأمة الذي يتزعمه الصادق المهدي ترحيباً واسعاً باتفاق الترابي قرنق, وقال زعيم الحزب خلال مؤتمر صحفي عقده بمنزله صباح أمس نرحب بالاتفاق الذي لم يخرج عن معاني (نداء الوطن) الذي وقعناه مع الفريق البشير في جيبوتي ونوافق عليه. لأنه يمكن أن يصب في دعم الحل السياسي الشامل, ومضى المهدي ليقول ان ما حدث من تلاقي بين الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي اللذين وصفهما بأنهما يمثلان (القط والفأر) في السياسة السودانية ليس فيه غموض الا للذين يبنون أفكارهم على الأوهام, ووضع المهدي احتمالين للأسباب التي دفعت بالترابي وقرنق الى توقيع هذا الاتفاق قائلاً ان الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي يمثلان (القط والفأر) في الحركة السياسية السودانية واللقاء تم بأحد تفسيرين اما انتهازية من الطرفين أو ان الطرفين اقتنعنا بفشل تجربتهما في التطرف واستئصال الآخر ووجدا انه لابد من خلق أرضية مشتركة وهذا ما نؤيده نحن في حزب الأمة, ودعا المهدي المؤتمر الشعبي للاعتراف بمسئوليته عن الشمولية الإسلامية والاعتراف بفشل كل برامجه, وقال أتمنى أن يكون المؤتمر الشعبي قد وعي الدرس وعن الحركة الشعبية قال المهدي ان هناك تيارا فيها بات مقتنعاً بأن الجنوب سيفنى في حال استمرار الحرب. وفي ذات الوقت اعتبر كل من د. آدم موسى مادبو رئيس المكتب السياسي للحزب ود. أحمد عقيل أحمد عضو المكتب الاتفاق داعماً لحركة القوى السياسية في السودان لاقرار مشروع الحل السياسي الشامل, وقال مادبو لـ (البيان) ان معظم البنود الواردة فيه سبق وان تضمنها ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية للمعارضة السودانية, وقال ان الاتفاق يعد داعماً للحل السياسي الشامل وانه قد أثبت ان التطرف ومحاولات الاستئثار بالرأي لن تجدي, وبدوره قال عقيل لـ (البيان) ان الاتفاق يؤكد ان الحوار يمكن أن يصل الى نتائج مهما كانت شدة الخلاف بين المتحاورين وشدد عقيل على ان حزبه يرحب بأي تقارب بين القوى السياسية يقضي بشكل أو بآخر إلى إكمال خطوات الحل الشامل. من جانبه وصف غازي سليمان المحامي الناشط ورئيس حزب (جاد) في تصريح لـ (البيان) الاتفاق بأنه تحول ايجابي في فكر الحركة الاسلامية وقال ان اعتماد الترابي لنصوص الاتفاق تؤكد تبنيه للبرنامج الوطني الديمقراطي الذي ظلت تدعوا له القوى المعارضة منذ قيام الحكومة الحالية وتأكيد على انضمام حزب الترابي للجبهة الوطنية التي أخذت تتشكل بالداخل, وقال بأن قبول الحركة الشعبية لتحرير السودان لمبدأ العمل السياسي السلمي بالداخل سيقوي اتجاهات الوحدة لأبناء الجنوب. وأكد ان الاتفاق أثبت لأول مرة بأن الثقافة الإسلامية يجب أن تقبل بفكرة التعايش مع غيرها, وقال ان حركة قرنق بهذا الاتفاق أثبتت من جانبها سعة صدرها للحوار ووعيها بأهمية توحيد مجمل القوى السياسية على البرنامج الديمقراطي. وطالب الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يتزعمه محمد عثمان الميرغني رئيس تجمع المعارضة على لسان تاج السر محمد صالح بضرورة اخضاع الاتفاق أولاً لدراسة لكنه قال لـ (الرأي العام) مبدئياً لا أرى في الاتفاق جديداً فحركة قرنق والحكومة يتفاوضان مننذ عام 1989 عندما كان الذي يتفاوض الدكتور علي الحاج نائب الترابي الحالي في كل موضوع الحوار مع قرنق. واعتبر الدكتور حسين سليمان أبو صالح رئيس حزب مؤتمر وادي النيل الاتفاق برمته بأنه لايخرج من كونه مكايدة وقال لـ (البيان) بأن المؤتمر الشعبي وقواعده وأفكاره من الصعب عليها التعايش مع برنامج حركة التمرد بقيادة قرنق, وقال ان الغريب في الأمر هو أن تلتقي أفكار الدكتور الترابي وحركة التمرد بعد ان قتلت الحرب عشرات الآلاف, وقال ان الوثيقة التي تم اعلانها تحمل تناقضا واضحاً لأنها تتحدث عن الحوار السياسي والتحالف لاسقاط النظام في ذات الوقت الذي تم فيه التجاهل الكامل للنشاط العسكري, وقال ان الاتفاق ليس له ما يبرره ويحوي الكثير من التناقض وكل ما جرى الاتفاق عليه هو التنسيق لاسقاط النظام الحالي, وقال ان حركة التمرد ستظل دائماً هي العقبة أمام أي اتفاق سياسي, وقال ان الحل الحقيقي يكمن في قبول الحكومة لمؤتمر الحوار الجامع الذي تشارك فيه كل القوى السياسية للوصول لاتفاق يرضي كل الاطراف أما المكايدة فلن تفيد في ظل هذا الظرف الذي يجب أن يضع الجميع أمام التحدي وقال ان مثل هذه الاتفاقات الشخصية ستغلق الطريق أمام الحلول وتفتح الباب واسعا أمام التدخلات, أما جبهة الانقاذ الديمقراطية الجنوبية فقد أعلنت رسمياً أن الاتفاق لايخرج من كونه تعبيراً عن عقلية الهيمنة وقال بيتر عبدالرحمن رئيس الجبهة في تصريح لـ (البيان) ان الترابي يتناقض مع نفسه حينما يتحدث عن اتفاق مع قرنق بعد انتهاء الحرب, وقال بيتر الذي يتزعم جبهة الانقاذ الديمقراطية التي تطالب بالالتزام بمبدأ تقرير المصير لجنوب السودان ان القوى الشمالية عموماً تتجاهل الرأي العام الجنوبي بالداخل وتسعى للتحاور مع من يحملون السلاح, وقال ان الاتفاق الذي أعلنه الترابي أمس الأول لا يبحث عن السلام الحقيقي وانما يسعى لاحراج الحكومة واقناع القوى الأخرى بأن البشير لا يملك كل كروت اللعبة السياسية , وقال ان الترابي كان جاداً في ايجاد حل لمشكلة الجنوب كان الأولى أن يتم ذلك وهو على قمة السلطة وقال من المضحك أن ينشق الترابي عن البشير بحجة رفض سياسته العسكرية ويقبل في ذات الوقت الاتفاق مع قرنق الذي يتعامل مع القضية كقضية حرب. وقال ان الاتفاق يحمل تجاهلاً كاملاً للقوى السياسية في الجنوب وتساءل عن النقاط التي يمكن أن يرتكز عليها أي استفتاء قادم في وجود عدم الاعتبار للقوى الجنوبية والتجاهل للقاعدة التحتية, وختم حديثه بأن الأفضل للترابي أن يجري اتصالاته مع القوى التي تطالب بالحل السلمي بدل الحوار مع حركة تحمل السلاح وهو خارج السلطة ان لم تكن (الحكاية كلها مسرحية). أما الحاج وراق الأمين العام لحركة القوة الجديدة (حق) فقد قال هناك احتمالان, الأول ان يكون طرفا الاتفاق صادقين وجادين فيما تم توقيعه وبذلك فان الاتفاق يشكل خطوة ايجابية حيث ان الحركة الاسلامية وبعد أكثر من عشر سنوات اعترفت بفشل المشاريع الاحادية والانقلابات العسكرية وأقرت بعدم التمييز بين المواطنين على أساس الملة الدينية أو العرق أو النوع وقبلت مبدأ المحاسبة على جرائم الفساد وانتهاكات حقوق الانسان بما يؤسس لصفحة جديدة في تاريخها, فإذا كان الاتفاق صادقاً فانه يدشن لمرحلة تتخطى نهج الاقصاء والاقصاء المضاد وتخطي وضعية الاستقطاب والاحتقان السياسي في البلاد خصوصاً وأن طرفي الاتفاق فاعلين أساسين في الحركة السودانية ويعبران عن جناحي التشدد في المعادلة السياسية, فالحركة الشعبية هي المسيطرة في الجنوب بينما المؤتمر الشعبي فاعل مهم ومؤثر في الشمال. أما الاحتمال الثاني فربما يتصور طرفي الاتفاق الوثيقة كحيلة تكتيكية وبذلك فان الاتفاق يشابه الاتفاق ما بين هتلر وستالين في العام ,1939 كاتفاق هدنة بين طرفين متناقضين سرعان ما ينفجر بينهما الصراع بصورة أشد وأقسى, احتمال الحيلة التكتيكية وارد باعتبار ان الحركة الشعبية لتحرير السودان تستهدف من الاتفاق تجريد السلطة المركزية من المشروعية الدينية ومن العناصر ذات الارادة للقتال والروح المعنوية العالية وهذا كخطوة ربما تستهدف الانقضاض اللاحق على السلطة. الخرطوم ــ عثمان فضل الله ــ التجاني السيد: