بقدر ما شهدته الحقبة التي عرفت باسم فترة الحرب الباردة من صراعات وتناحرات هنا وهناك في ارجاء المعمورة, عرفت هذه الفترة ايضا نوعا من التوازنات التي استفادت منها دول العالم الثالث وخاصة خلال فترة ماعرف بتوازن الرعب النووي, حيث كان بمقدور هذه الدول ان تلعب على تلك التوازنات مستغلة رغبة كل من القوتين العظميين في توسيع مناطق نفوذها على حساب الاخرى وامتد تأثير هذه التوازنات بالطبع الى ادوات الصراع القانونية واهمها المنظمات الدولية وعلى رأسها بالطبع هيئة الامم المتحدة. وكان سلاح حق النقض (الفيتو) الذي تملكه كل من القوتين العظميين سلاحا ذو حدين, فهو من ناحية يحول دون انفراد قوة واحدة بالقرار على الساحة الدولية غير انه من ناحية اخرى اضعف من فعالية المنظمة الدولية في اتخاذ القرارات الملزمة في كثير من الاحيان عندما يمس القرار المطلوب مصلحة اي من القطبين الكبيرين او مصالح دولة من الدول التي تدور في فلكها. ولكن مع انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وما تلاه من سقوط الكتلة الاشتراكية وظهور النظام العالمي الجديد احادي القطب بدأت تساؤلات تثور حول هيمنة القوة العظمى الاوحد على المنظمات الدولية الامر الذي صارت معه قرارات هذه المنظمات تصدر اساسا من واشنطن بل وربما تلجأ هذه الاخيرة الى الانفراد باتخاذ القرار وحتى تنفيذه, دون انتظار لاضفاء صبغة دولية عليه باتت شكلية الى حد بعيد. وتبلورت هذه التساؤلات حول ماهية الدور الذي تستطيع ان تلعبه المنظمات الدولية وعلى رأسها الامم المتحدة في العصر الحالي والمستقبل المنظور على الاقل, وهل تفضي مجريات الامور على ارض الواقع الى انهيار فكرة التنظيم الدولي من اساسها؟ وهل اصبح التصرف الواقعي العاقل المتوقع هو ان تستعد شعوب العالم لتشييع جنازة الامم المتحدة فعليا بدلا من بقائها الصوري على نحو لم يعد ينفع او يضر؟ ام ان هناك رؤى جديدة بسبيلها للتبلور, او تبلورت بالفعل, بشأن سبل تفعيل هذه المنظمة, وايجاد دور لائق بها يواكب المعطيات الجديدة وهل من سبيل الى اعادة النظر مثلا في آلية عمل الامم المتحدة والمنظمات التابعة لها بحيث تحقق بالفعل الهدف الاساسي من انشائها وهو حفظ السلام والامن الدوليين؟ وهل نجم عن التطورات الاخيرة اهداف جديدة يتعين ان تضطلع بها المنظمة مثل ضمان تحقيق العدالة في حل المنازعات على نحو يضع في اعتباره مصالح جميع الاطراف وليس الطرف الاقوى او الطرف الاكثر قربا من القوة العظمى المهيمنة؟ هل يتطلب ذلك تعديل ميثاق الامم المتحدة؟ وهل باستطاعة دول العالم في وضعها الراهن اجراء هذا التعديل, ام ان الامر يتطلب صرف النظر عن هذه المنظمة برمتها والبحث عن صيغة جديدة لادارة شئون العالم تكفل حدا ادنى من العدالة, وماهو المطلوب من دول الجنوب مثلا او مجموعة دول عدم الانحياز المغفور لها, وهل تستطيع هذه الدول ان تشكل بالفعل جماعة ضغط لاحداث التغيير المطلوب؟ .. طرحنا هذه التساؤلات وغيرها على عدد من خبراء الشئون السياسية والتنظيمات الدولية بهدف القاء الضوء على ملامح التنظيم الدولي في المستقبل القريب. لعل قضية تطوير وتحديث دور المنظمات الدولية بما يحقق الحفاظ الفعلي على السلم والامن الدوليين ومراعاة مصالح دول العالم المختلفة على نحو عادل ومتكافىء اصبحت مطلبا ملحا بالتحديد لدول العالم الثالث وبوجه اخص لنا في العالم العربي خاصة بعدما بان واضحا ان قرارات مجلس الامن لاتنشط وتكتسب قوة وفعالية إلا عندما تكون ضحيتها دولة عربية, ولا تهمد هذة القرارات او تتخاذل الا حين يتعلق القرار بالكيان الصهيوني او باعادة الحقوق العربية. ولالقاء الضوء على هذة القضية التقى مراسلو (البيان) في كل من مصر وسوريا والسودان بعدد من المتخصصين لبحث مظاهر الخلل في عمل المنظمة الدولية وجهود الاصلاح وسبله وتوقعات المستقبل وما يتطلبة ذلك من دور عربي بالتحديد. تشخيص الأعراض وفيما يتعلق بتشخيص اعراض الخلل في عمل المنظمة الدولية يقول الدكتور مصطفى علوي استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة. منذ ان تأسست عصبة الامم وبعدها منظمة الامم المتحدة وحتى سنوات قريبة لم تتجاوز العقد من الزمان لم تعرف الساحة الدولية حالة تتولى فيها منظمة عسكرية كحلف الناتو مهمات اقرار السلام واعلان الحرب , فالمنظمة الدولية هي المكان الذي اعتادت الدول اللجوء اليها كوسيط يجسد ارادة المجموعة الدولية في العديد من معضلات العالم فمن اروقة هذة المنظمة اقرت استقلالات دول عالم ثالثة واعترفت بحقوق تقرير مصير امم مستعمرة وقبلت عضوية منظمات تحرير .ولكن وقوع حرب الخليج الثانية كان بداية عهد جديد فلاول مرة في تاريخها تقر المنظمة الدولية ما يتعارض كليا مع جوهر قيامها كمنظمة اقرار سلام وليست منظمة اعلان حرب حينها حدث التحول الاول في مهمات المنظمة عندما اقرت الحرب واوكلتها لقوات التحالف وسجلت هذة الحادثة كسابقة خطيرة مهدت لمرحلة تدخل عسكري مباشر لاقرار ما اصطلح على تسميته الشرعية الدولية وتقر الشرعية الدولية الجديدة اعلان الحرب بشكل انتقائي بحت فهناك بقاع من العالم تعلن المنظمة الحرب ضدها لتطبيق قراراتها وهناك مناطق لاتحرك بها ساكنا وان خرقت قوانينها ولم تلتزم بقراراتها. وفي غفلة من الزمن اتجه النظام الدولي الى تقنين مبدأ حسم الصراعات التي لاتحل بالطرق الدبلوماسية او بالضغوط الاقتصادية بواسطة اصدار قرار تجمع عليه القوى الكبرى وتؤيده منظمة الامم المتحدة باستخدام حق التدخل الذي دخل ميدان العلاقات الدولية بواسطة الاقتراحات الفرنسية وبناء عليه اصدر مجلس الامن بتاريخ 29 من نوفمبر 1990 القرار رقم 678 الذي يسمح للدول الكبري اعتبارا من 15 يناير 1991 باستخدام الوسائل العسكرية للوصول الى ماعجزت عن تحقيقه وسائل الدبلوماسية يضيف الدكتور علوي ان المنظمة الدولية مرت بطورين من التدخلات العسكرية: الاول سبق حرب الخليج حيث تدخلت قوات القبعات الزرق للامم المتحدة بدعم من الولايات المتحدة في لبنان وكمبوديا ويوغسلافيا والصومال في المرحلة الاولى ثم الطور الثاني الذي اخذت الدول الكبرى وبخاصة الولايات المتحدة زمام التدخل العسكري في العالم بتكليف ودعم من الامم المتحدة وهو ماحدث في حرب الخليج الثانية والصومال في المرحلة الثانية. وجاء ذلك بطبيعة الامر في سياق تطور في سلوك الولايات المتحدة حين اوقفت تعاونها مع الامم المتحدة بوقف ارسال جنودها للعمل في اطار قوات الفصل القبعات الزرق بين الاطراف المتحاربة فقد اعتبرت هذة المهمات خطيرة وفضلت الدخول بحروب مفتوحة . ويستطرد الدكتور مصطفى علوي حدث التحول الثاني حين قررت الولايات المتحدة اخذ مكانها ليس بفصل القوات وانما بالقيام بالحروب في جرينادا وبنما وحرب الخليج الثانية وبدأت تتدخل عسكريا ايضا تحت الذرائع الانسانية كما في الصومال ولحماية المدنيين كما في البوسنة ولاعلان الحرب وتدمير القدرة العسكرية كما في العراق وقصف الناتو لصربيا. وحسب تقدير استاذ العلوم السياسية فإنة اليوم وبدلا من التحذير من مغبة شيوع مثل هذا السلوك الخارق للقانون الدولي يتسابق المنظرون الغربيون لتأييد مبدأ التدخل العسكري من قبل حلف الناتو بقولهم ان مبدأ السيادة لاينبغي ان يشكل عائقا امام صواريخ توم هوك التي ستمنع من اليوم الدكتاتوريات في العالم كما ستمنع الابادة البشرية داخل حدود الدول المستقلة والاعضاء في الامم المتحدة . لكن هولاء لم ينتبهوا بان هذا السلوك يجري على حساب ميثاق الامم المتحدة وسيادات الدول المستقلة بشكل قد يؤدي الى تجاوز الاعراف الدولية فتحل قدرة القوة الغاشمة محل قوة القانون. انهيار وضعف ويرى الدكتور حسين سليمان ابو صالح وزير خارجية السودان الاسبق ان المنظمة الدولية بوضعها الحالي اصبحت غير قادرة على حفظ السلام بل واخذ الانهيار والضعف يطال حتى المبادىء التي كانت تقوم وتأسست عليها وبدأ يدور حديث جديد في اروقتها حول السماح بانتقاص سيادة الدول رغم انه من المبادىء المهمة التي قام عليها ميثاق الامم المتحدة وفي عهد النظام العالمي الجديد اصبح مسموحا بالتدخل في شئون الدول عبر ذرائع مخلوقة مثل الحفاظ على حقوق الاقليات والحفاظ على حقوق الانسان وغيرها من الدعاوى المفبركة التي تتيح للقوة المهيمنة ان تفعل ما تريد, ومثال آخر حتى قرارات الجمعية العمومية تصدر في احيان كثيرة بالاجماع ثم تأتي دولة واحدة مثل الولايات المتحدة في ابطالها باستخدام نفوذها في مجلس الامن وحق النقض الفيتو ويصبح كل قرار لا يعجبها مجرد حبر على ورق. ويشير الدكتور عزيز شكري استاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة دمشق الى ان الامم المتحدة حاولت في عهد امينها العام السابق الدكتور بطرس بطرس غالي ان تمارس دورا مستقلا وبعيدا عن التأثيرات الامريكية وهو ما تمثل حسب قوله في التقرير الذي اصدرته المنظمة عن مجزرة قانا عام 1996 والذي ادان اسرائيل وحملها مسئولية قتل اكثر من مئة شهيد وقد صدر التقرير رغم الضغوط الهائلة والمباشرة التي مارستها الولايات المتحدة على الامم المتحدة وسكرتيرها العام الدكتور بطرس غالي, وكانت المحصلة عدم التجديد للدكتور غالي, كنوع من العقاب الذي تعرض له من جانب الولايات المتحدة التي سارعت الى استبداله بكوفي عنان الامين العام الحالي والذي يعد مطواعا بيد واشنطن الى ابعد الحدود. قسمة ضيزى وبلهجة لا تخلو من سخرية مرة يقول المفكر السوري محمد جربوعة ان الامم المتحدة لو كانت امرأة لكانت الآن قد بلغت سن اليأس فعمرها قد بلغ 55 سنة, لكن من قال ان الامم المتحدة (ورغم انها ليست امرأة لا تعيش سن اليأس؟!! لم يقل ذلك احد الا اولئك الذين يتعاملون عن ميزانها الثاني الذي تخفيه في احد اقبيتها لتمارس به عند الحاجة تلك القسمة (الضيزى) التي كثيرا ما صرخ تحت وطأتها الضعفاء المظلومون. ولم تظهر المنظمة في الرابع والعشرين من اكتوبر 1945 وبعد مخاض طويل الا لتحقق الحلم العالمي في كرة ارضية يسودها النظام والتعايش الامن. غير ان الذي حدث بعد ذلك هو ان هذه الهيئة اصبحت مجرد جهاز لاصدار قرارات تبريرية للكبار لسحق الصغار وهو ما اشار اليه الامين العام السابق للامم المتحدة بطرس بطرس غالي في حوار اجرته معه, (المشاهد السياسي) في عددها 169 لشهر يونيو ,1999 حيث قال: هناك قرارات لا تتماشى مع مصالح الدول الكبرى, او بعضها فقط, فتنفذ وتتخذ التدابير اللازمة لها وبالمقابل هناك قرارات لا تتماشى مع مصالح الدول الكبرى أو مع بعض الدول المحسوبة على الدول الكبرى, وحينئذ لا تنفذ. اما عن الاساليب التي تسلكها هذة الدول العظمى في دعم مواقفها في اطار الشرعية الدولية فيقول: ضغوط متبادلة تختلف باختلاف الظروف, مرة الضغط اقتصاديا, ومرة سياسيا, ومرة عن طريق فضائح تنشر في الجرائد, نعم الولايات المتحدة نفذت القوة بالدبلوماسية وهي بالتالي قادرة على تحقيق اهدافها وبلوغ ما تريد. ان هيمنة امريكا على الامم المتحدة لا تأخذ شكلا واحدا, بل اشكالا عدة تبدأ من شراء الذمم قبل اي تصويت الى التعطيل الفعلي, والتجميد الواقعي لاي قرار لا يرضي امريكا, والمتابع للقضية الفلسطينية ومداولاتها وطرحها عبر هذة الهيئة يدرك جيدا كيف كانت امريكا تتدخل بالمال او بالتهديد في كواليس واروقة المبنى الزجاجي للامم المتحدة والمتواجد في مانهاتن لحشد الاراء والاصوات لصالح اسرائيل ولعل هذا الشد للمنظمة الى الخلف من طرف الادارة الامريكية المتجبرة هو الذي جعل الهيئة تسير بعد كل امتحان مصيري نحو (سوء السمعة) لدرجة جعلت الكثير من الشعوب مهضومة الحقوق تنادي (بغسل اليدين) منها وايجاد هيئات اخرى بدلها, او على الاقل ايجاد اجهزة موازنة لبعض اجهزتها, ومن ذلك (محكمة الجزاء الدولية) التي يرى الكثيرون انها قامت لتكون بدلا لمحكمة العدل الدولية التي تعد في الحقيقة محكمة امريكية, تماما كتلك التي بتت في قضية الانتخابات الرئاسية المتأزمة بين جورج بوش وآل جور منذ اسابيع قبل انتهاء الفصل لصالح بوش. اما الدكتور صابر فلحوط رئيس اتحاد الصحفيين السوريين فيقول: ان مقاربة الاجابة الدقيقة على هذا السؤال تعيدنا الى امرين اثنين: الاول هو الاسباب التي دعت, واسست لقيام الامم المتحدة, والثاني لماذا تم اختيار الولايات المتحدة الامريكية مقرا للمنظمة الأممية مع انها ليست ــ جغرافيا ــ النقطة التي تتوسط دائرة هذا الكوكب. واذا ادركنا ان المنظمة الاممية جاءت كحصيلة لحربين كونيتين واستجابة لضرورات انسانية وسياسية واقتصادية, وان الفائز الاول في الحرب العالمية الثانية كان امريكا التي حاربت من وراء البحار وانتصرت انتصارا هائلا يوم ارعبت العالم ــ بقنبلتها الذرية في هيروشيما ــ عند ذلك ندرك ان رياح الهيمنة الامريكية بدأت تهب منذ استشعرت امريكا قوتها وقدرتها على ان تكون الرقم الاول في معادلة الدول. ولهذا فقد كانت السنوات التي ترتخي فيها قبضة امريكا على المنظمات الدولية هي السنوات الاولى خلال عمر المنظمة الذي فاق نصف قرن. وان تداعيات الحرب الباردة خلال شباب الاتحاد السوفييتي وعنفوانه كانت تجعل السباق على مد بساط الهيمنة والاحتواء لهذه المنظمة لصالح امريكا في معظم الاحيان. اما اليوم, وقد خلا الميدان الا من فارس وحيد فان هذة الهيمنة تزداد وتتنامى, الامر الذي جعل امريكا شرطي هذا الكوكب, وحاكمه وحكمه على مختلف الصعد. مقاومة التطويع * وهنا يثور تساؤل: هل بات من الواجب ان تستعد شعوب العالم لتشييع جنازة الامم المتحدة فعليا بدلا من بقائها الصوري؟ ــ يقول نايف حواتمة الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين: رغم كل مؤشرات الواقع الحالي للمنظمة الدولية, اعتقد بان المطلوب ليس تشييع جنازة الامم المتحدة بعد سلسلة التطورات التي وقعت خلال العقد الاخير وتحديدا مع اختلال التوازن الدولي وخسارة الاتحاد السوفييتي وبروز دور الولايات المتحدة كقوة نافذة ومهيمنة على المنظمة الدولية وبالاخص مجلس الامن وتهميش دور باقي الدول الكبرى, والمطلوب يتحدد بضرورة توليد مقاومة عملية التطويع التي احدثتها واشنطن تجاه الامم المتحدة لصالح سياساتها الكونية والاستراتيجية. إن اعادة التوازن الى دور هذه الهيئة الدولية وتنشيطها على نطاق العالم باسره, من اجل المبادىء والقيم التي نادت بها وتأسست على خلفيتها الامم المتحدة بعد الحرب الكونية الثانية. ان اعادة التوازن الى دور الهيئة الدولية وتحجيم السطوة الامريكية على منظمات الامم المتحدة وهيئاتها, خاصة مجلس الامن يفضي الى ضرورة نهوض الدول الباقية المقررة لاخذ دورها, وتطوير مواقف المجموعات الدولية الممثلة لدول العالم الثالث, وما كان يعرف باسم مجموعة عدم الانحياز. ويضيف: صحيح ان هناك سطوة لواشنطن على قرارات ومقدرات الامم المتحدة وهيئتها, لكن الصحيح ايضا بان هذا الامر ليس مباحا على طول الخط. فمصالح الشعوب بما في ذلك مصالح شعوب الدول المتطورة اقتصاديا لا تنسجم دوما مع الموقف الامريكي, وخير مثال على هذا التآكل الجاري في الحصار الامريكي المدول على العراق, لان اوروبا وتركيا واليابان وغيرها من الدول لها مصالح في رفع الحصار عن العراق. وفي السودان يؤكد على نفس الموقف الدكتور ابو صالح قائلا: احتمال التمرد على قرارات واشنطن التي تخرجها باسم الارادة الدولية فانه احتمال واقع لا محالة وخير دليل على ذلك كسر قرارات الحظر التي كانت تفرضها واشنطن او الولايات المتحدة من جانب واحد على الجماهيرية الليبية وتلك الخطوة الجريئة التي بادرت بها بعض الدول الافريقية وتحدت بها القرارات عندما أرسلت وفودها وسفراءها لليبيا دون اهتمام او اكتراث بالوعيد الذي كانت ترسله امريكا وتحذر به تلك الدول واخيرا افلحت بهذا الاسلوب في ابطال قرارات عزل الجماهيرية عن محيطها الافريقي والعربي, وايضا العراق نجد ان هناك محاولات جادة لاخراجه من عزلته بالغاء المقاطعة عبر ارسال الطائرات في وجود الحظر, وبالنسبة للسودان نجد ان منظمة كبيرة مثل منظمة الوحدة الافريقية تقف في الامم المتحدة وتعلن ان مرشحها وممثلها لعضوية مجلس الامن الدولي هو السودان رغم العلم المسبق بان هذا الاتجاه يجد معارضة كبيرة من قبل الولايات المتحدة الامريكية. واثبتت الدول الافريقية بذلك الترشيح بانها على استعداد لمواجهة امريكا بكل سطوتها وجبروتها وتأثيرها على النظم السياسية القائمة من اجل موقف سيادي هو دعم ترشيح احد اعضائها دون الاهتمام برضاء امريكا او سخطها عليه, رغم فوز دولة اخرى هي مورشيوس بالمقعد الا ان المواجهة والرفض الافريقي لها يؤكدان ان امريكا لم تعد تملك كل الحسابات وان امكانية الخروج عليها وعلى قراراتها امر وارد. تحديات مستقبلية * وإذا كانت تلك هى التحديات الراهنة أمام المنظمة الدولية فما هي القضايا والتحديات المستقبلية التي يجب الإلتفات إليها؟ تقول الدكتورة هالة مصطفى الخبيرة بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام: عدة قضايا ينبغى أن تكون على رأس أولويات الأمم المتحدة وأهمها .. قضية العولمة بابعادها الايجابية والسلبية والتى ستمثل احدى الاولويات التي ستحظى باهتمام التنظيم الدولي ويبقى السؤال المطروح عما اذا كانت منظمة الامم المتحدة سيتاح لها فرصة التعامل بشكل فعال مع هذه الظاهرة ام انها ستتنحى ويترك لها حق التحدث في المعالجة التي يمكن ان تكلف بها هيئات واجهزة دولية اخرى .كذلك ستبرز في القرن المقبل مشكلات استمرار محاربة الفقر ونقل التكنولوجيا وتأمين التطور والنمو للمجتمعات النامية والصاعدة حتى لا تطحن في هذة الفورة الثورية التي شهدها العالم وهي ثورة المعلومات والاتصالات واخيرا ستبقى قضايا محاولة التنظيم الدولي ووقف النزاعات والحروب الاهلية ومسائل حقوق الانسان ووضع المرأة وغير ذلك وهي كلها قضايا موجودة في جدول اعمال المنظمة منذ السبعينيات وستبقى نصف قرن قادم. تضيف: ربما تبقى قضية ميزانية الأمم المتحدة كأحد العقبات الأساسية التى تواجه المنظمة فى المستقبل والمبدأ المتفق علية هو التزام الدول اعضاء الامم المتحدة بدفع مساهماتها في ميزانيات الامم المتحدة دون المطالبة بتحقيق مزايا سياسية او وضع شروط على هذه المساهمات خاصة وان تقسيم الميزانية يتم من خلال لجنة دولية تأخذ في اعتبارها الكثير من المعايير المتفق عليها دوليا. التوازن والتكتلات ويقول الدكتور ابو صالح: من المؤكد انه لا يمكن ان تستمر الاحادية القطبية وقد برزت في العالم الآن مجموعة من التكتلات سيكون لها دورها الواضح في خلق توازن في المستقبل مثل الاتحاد الاوروبي الذي اخذ يزداد قوة فالاتحاد الذي كان يضم 15 دولة فقط اخذ يتوسع في شرق ووسط اوروبا لضمها اليه ويتوقع ان تكون في المستقبل القريب ما يقارب الـ 30 دولة اعضاء فيه, وهو تكتل ستكون له ميزاته الخاصة في مواقفه وطبيعة قراراته في السلام والتنمية والفهم والأولويات للسياسة الخارجية مما يجعل له اثرا كبير في خلق حركة توازن رغم التداخل الناتج عن انضمام الولايات المتحدة لحلف الناتو الا ان الاستقلالية الاوروبية ملاحظة بما يعطي الامل بامكانية تأثيرها على الموازنة, ايضا بالنسبة لدول شرق آسيا ومجموعة اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية اصبحت الآن تشق طريقها كدول اقتصادية قوية سيكون لها اثرها والشيء المخيف والذي يخشاه الغرب وامريكا هو حدوث تحالف مابين روسيا والصين والهند واذا حدث هذا فان السيطرة والهيمنة الامريكية الاحادية ستواجه تهديدا عمليا من ند قوي مسلح اقتصاديا وعسكريا وعمق استراتيجي اكبر وهو تكتل تؤكد كل القراءات عدم استبعاد حدوثه في اي وقت, وهذا لا يعني ان بقية دول العالم او ما يسمى دول العالم الثالث الموجودة بين هذه التكتلات ستكون بمنأى عن التأثير سلبا او ايجابا, لان دول العالم الثالث في افريقيا وامريكا الجنوبية وعدد من دول آسيا اخذت تشعر بان الشقة تزداد في الوقت الراهن ويراودها الامل في خلق نظام اقتصادي وتجاري عادل يتيح امامها العيش الكريم والحياة الافضل. وهي بهذه الصفة تظل رصيدا لاي قوة في المستقبل تنظر لقضاياها بعدالة وحياد ومن المعروف ان دول العالم الثالث اخذت تنتبه لهذه الحقيقة وتسندها بالدراسات والبحوث العلمية وهي ذات الدول التي تحوي المواد الخام تبيعها بابخس الاثمان وتباع لها التكنولوجيا والسلع باعلى الاثمان لتصبح مجرد اسواق هامشية. طبيعة العصر ويقول الباحث والمفكر السوري المعروف جورج جبور: ان نظام الخلل الذي تعاني منه الامم المتحدة, في الوقت الحاضر لن يدوم طويلا, لان هناك الكثير من الملل من جانب الدول الاخرى ازاء استمرار الهيمنة الامريكية على مقررات المنظمة الدولية. واضاف: ان بروز اوروبا كقوة سياسية واقتصادية جديدة على المسرح الدولي الى جانب اليابان وكذلك سعي موسكو الى تفعيل دورها على الصعيد العالمي, كلها معطيات تقود الى الاستنتاج بان الوقت لن يطول حتى يتم تغيير ميثاق الامم المتحدة, واعادة النظر في دورها والآليات التي تستخدم الآن لاصدار القرارات, اذا كانت القاعدة السياسية تقول ان المنظمات الدولية (عصبة الامم سابقا والامم المتحدة حاليا) تعكس عادة ارادة القوى المنتصرة في الحرب فان هذه القاعدة, لن تكون قادرة على التحكم بشئون المنظمة الدولية الى ما لا نهاية, لا سيما وان طبيعة العصر, باتت مختلفة تماما عن العصور الماضية. ويؤكد الدكتور فلحوط لاشك ان هذا العالم لا يمكن ان يستمر محكوما بقوة غاشمة تلغي الآخرين وجودا وحضارة, وتاريخا, اذ انه من طبيعة التطور في السياق التاريخي العام, بروز قوى تتصدى وتتحدى, وتحاول ان تفرض وجودها الذي يتكافأ او يتنافس مع القوة المهيمنة الوحيدة. ولهذا فان العملاق الصيني الذي يمثل خمس سكان هذه المعمورة, وروسيا القادرة بعظمة تاريخها وامتلاكها القوة التدميرية الثانية في العالم, لابد ان يكون لهاتين القوتين وجود فاعل في معادلة الصراع على المركز الاول في العالم, مع حرصنا ودعوتنا, ودعمنا لقيام عالم متعدد الاقطاب لمصلحة السلام العادل فوق هذه الارض. ويلاحظ الدكتور يوسف سلامة, المدرس في كلية التاريخ بجامعة دمشق ان الولايات المتحدة وجدت نفسها اخيرا مضطرة الى الموافقة على انشاء المحكمة الدولية الجنائية بعد ان ظلت تعارض المشروع طيلة السنوات الماضية خوفا من ان يتم تقديم مواطنين امريكيين الى هذه المحاكمة, لمسئوليتهم عن وقوع الكثير من جرائم الحرب في مناطق عديدة من العالم, ولا سيما في يوغسلافيا والعراق والشرق الاوسط, وكانت اسرائيل بالتعاون والتنسيق مع الجانب الامريكي, قد ابدت معارضة شديدة لمشروع انشاء محكمة الجنايات الدولية, تخوفا وتحسبا من ان يتم تقديم مسئولين اسرائيليين الى هذه المحكمة نظرا لقيامهم بارتكاب جرائم حرب منظمة سواء في لبنان او الاراضي الفلسطينية المحتلة. ويخلص الدكتور الى نتيجة مؤداها ان نظام الامم المتحدة الحالي, لم يعد يصلح لان يكون قاعدة العمل الدولي في القرن الحادي والعشرين الذي بدأ للتو, مؤكدين انه تلوح في الافق الآن بوادر نظام عالمي جديد يرتكز الى مبدأ التعددية في معادلة الاقطاب والقوى وبالتالي فان العالم, يشهد من الآن وصاعدا تحولا في هذا الاتجاه الامر الذي سينعكس مباشرة على دور الامم المتحدة وطبيعة عملها, خلال هذه المرحلة وهناك اجماع على ضرورة ان يكون للعرب موقعهم الخاص فوق خارطة هذا التغيير, وان يحدث محرك لحصول الدول العربية على حصتها من النقلة الجديدة. تدني الآمال اما الدكتور طيب التيزيني ــ مفكر سوري ـ فيقول: ان حديثنا عن مستقبل المنظمة العالمية, منظمة الامم المتحدة, غدا وربما منذ بداية العقد الاخير من القرن العشرين ــ مشوبا بكثير من التشاؤم وتدني الآمال, فالمتتبع لمسيرة هذة المنظمة منذ الفترة الزمنية المذكورة يلاحظ الهبوط السريع والمفاجىء لخطها البياني. تلك المعطيات قد تضع يدنا على بعض ملامح مستقبل منظمة الامم المتحدة, في مقدمة هذه الملامح نرى انه في المستقبل المنظور ستبقى هيمنة الولايات المتحدة قائمة عليها. ولعلها تزداد قوة وبروزا مع عملية التدفق العولمية الامبريالية باتجاه جعل العالم (قرية كونية صغيرة) تنصاع لمصالح الولايات المتحدة في المقام الاول, وهنا نكون قد وضعنا يدنا على احدى الوظائف السياسية التي تناط بالمنظمة المذكورة في عصر العولمة, وهي تحويلها باتجاه منظمة (عولمية جديدة) وفي هذا الحال, سيراد لها ان تتحول الى طرف مناهض لمصالح الدول والشعوب على نحو كلي. ثلاثة معسكرات * فاذا اتفقنا على انه لم يحن بعد اوان اعلان وفاة الامم المتحدة, فما هي السبل المتصورة لاحلالها, وتفعيل ادائها؟ يقول الدكتور حسن نافعة استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وخبير المنظمات الدولية ان الرأي العام العالمي انقسم الى ثلاثة معسكرات مع بروز قضية اصلاح الامم المتحدة وهذه المعسكرات الثلاثة هي: اولا: يوجد هؤلاء الذين يتبنون الرأي القائل اذا لم تتعطل فلا تصلحها. وبكلمات اخرى الامم المتحدة تعمل بكفاءة كما هي ولا يجب التورط في اصلاحات ربما لا تنجح من خلال محاولات غير مضمونة النتائج. والمعسكر الثاني يمثله هؤلاء الذين يدافعون عن اصلاحات محدودة, مثل الزيادة الرمزية في عدد الاعضاء الذين يمتلكون حق الفيتو في مجلس الامن وايجاد قوة دائمة لحفظ السلام في ظل علم الامم المتحدة. والمعسكر الثالث يضم هؤلاء الذين يسعون الى اصلاحات شاملة, بما فيها اعادة تحديد مهام الامم المتحدة من خلال اعادة النظر في ميثاقها. والوضع الامثل بالنسبة لهم هو تحول الامم المتحدة الى كيان يشبه حكومة عالمية, أي سلطة كونية تتولى حراسة العالم بأكملة وتفرض شكلا من المستويات السياسية والاخلاقية عليه. ويكتسب الجدل اهمية كبرى فى نظر نافعة , لان لا أحد يعرف بالضبط الشكل النهائي لتوازن القوى في عصر العولمة, او اذا امكن تحقيق هذا التوازن في وقت محدد ويوضح السفير سيد قاسم المصرى مساعد وزير الخارجية المصرى للعلاقات الدولية متعددة الأطراف (أن عملية اصلاح الامم المتحدة ليست عملية حديثة ولكنها عملية تعود الى بداية الامم المتحدة وهناك لجان منذ الستينيات والسبعينيات والثمانينيات تقدم دراسات وابحاثا عديدة لعملية اصلاح هذا الجهاز الدولي الذي يضم من 50 الى 60 الف موظف وينفق سنويا حوالي 10 مليارات دولار وبالتالي يحتاج الى آليات داخلية تؤمن عدم تكرار البرامج والتناقض بين الوكالات المتخصصه. . . اما بالنسبة للبعد السياسي وقصور اداء الامم المتحدة في حل المنازعات الدولية وحفظ السلام على نحو يحقق مصالح اعضائها بصورة متكاملة يقول السفير: هناك ثلاثة امور اساسية ترى الدول الاعضاء خاصة من بلدان العالم الثالث اخذها في الاعتبار وهي: 1ـ اهمية توسيع عضوية مجلس الامن وذلك في ضوء زيادة اعضاء الامم المتحدة بشكل كبير اوصلت العضوية حتى الآن الى 185 دولة . 2 ــ تقليص حق استخدام الفيتو وترشيد استخداماته. 3 ــ ترشيد اداء المجلس وتحقيق قدر اكبر من الشفافية في عملياته بحيث لايكون بمثابة ناد خاص ذي عمليات سرية ويشير المصرى الى ان فكرة السباق لعضوية مجلس الامن تعود بشكل مباشر الى رغبة كل من اليابان والمانيا للانضمام لنادي اصحاب العضوية الدائمة حيث يريان انهما تحملان نسبة كبيرة في ميزانية المنظمة تصل الى 17% في حالة اليابان على سبيل المثال مشيرا الى تقديره ان اليابان والمانيا سيصعب عليهما ان تحصلا على هذه العضوية الدائمة بالمجلس دون التوصل الى اتفاق على صفقة متكاملة عريضة تسمح بتحقيق مصالح اطراف دولية عديدة ويتحقق في نهاية المطاف فكرة التوسع وهي في رأيه كما يقول معادلة صعبة تحتاج لعمل مكثف حيث تتضارب رؤى الدول في هذا الشأن . مقعد عربي دائم أما الدكتور قدرى سعيد الخبير الإستراتيجى بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام فيشير إلى أن النقطة الجوهرية فى عملية إصلاح المنظمة الدولية وتطويرها من وجهة النظر العربية فقد تركزت على التركيبة المؤسسية لمجلس الأمن الدولى وما يتعلق بإقتصار حق الفيتو على خمس دول فقط فى العالم بإلاضافة إلى فوضى إستخدام هذه الفيتو ضد ما تتفق عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعتباره ضد الشرعية الدولية .. فتجربة السنوات الماضية أكدت أن الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد توسعت فى استخدام حق الفيتو بما يتعارض مع الشرعية والعدالة وحقوق الشعوب . وقد كان لهذا الإستخدام السئ أكبر الأثر فى تراكم المشاعر السلبية فى العالم العربى تجاه المنظمة الدولية .. ثم جاءت القرارات المبتورة بعد ذلك مثل فرض الحصار على العراق وليبيا أو فرض العقوبات على السودان لتؤكد أن العدالة غائبة عن الأمم المتحدة فى كثير من القضايا على الساحة الدولية ومن هنا كانت المشروعات التى تقوم على عملية التطوير ومن أبرزها المشروع العربى الذى قدمته مصر ويسعى إلى توسيع عضوية مجلس الأمن وإضافة مقعد عربى دائم إلى جانب ترشيد استخدام حق الفيتو داخل مجلس الأمن .. غير أن المشروع العربى تواجهه العديد من الصعوبات البالغة مثل إصرار الولايات المتحدة على أن تسمح بعضوية ألمانيا واليابان فقط كأعضاء دائمين فى المنظمة الدولية فى نفس الوقت الذى تخطط فية لتوسيع العضوية غير الدائمة لحرمان شعوب العالم الثالث من التمثيل الدائم داخل المنظمة الدولية وهنا جوهر المعركة الحقيقية بين العالم الثالث والبلدان العربية وبين هذه الطموحات الأمريكية لاستمرار الهيمنة على الأمم المتحدة. ويقترح الدكتور جبور ان يكون للعرب دورا فاعلا في الجهود والمحاورات الجارية الآن لتعديل ميثاق الامم المتحدة وتوسيع مجلس الأمن وذلك في ضوء تزايد اهمية النفط العربي في التحكم في معدل النمو في الاقتصاد العالمي. ويضيف: ان العرب قد سبقوا كل شعوب الارض في وضع المواثيق الخاصة بحقوق الانسان, مشيرا الى (حلف الفضول) الذي عقدته القبائل العربية في العصر الجاهلي والذي وصف بانه اول وثيقة تعنى بحقوق الانسان. إعادة التوازن اما نايف حواتمة فيقول: اعتقد بان تفعيل دور المنظمة الدولية مهمة على نسقين متوازيين: 1ــ اعادة التوازن لهيئاتها ومنظماتها وكسر حدة التفرد الامريكي في لعبة الضغوط على الدول الصغرى وحتى بعض الدول العظمى, وتوسيع العضوية الدائمة في مجلس الامن بدول من المجموعات الدولية ذات الحضور (المجموعة العربية, افريقيا, جنوب شرق آسيا, وامريكا اللاتينية اضافة الى اليابان والمانيا والهند). 2ــ تطوير الانظمة والبرامج والمهام والهيئات التابعة للامم المتحدة, مع تزايد الحاجات البشرية واتساع رقعة الصراعات والاوبئة والفقر وسوء التغذية .. الخ. وغني عن القول بأن هذه المهام لا يمكن انجازها بسهولة, في ظل اختلال التوازن الدولي, لذا على الشعوب في الدول الكبرى ذات الوزن الاقتصادي وعند دول الجنوب (المستهلكة وذات العمالة والخامات الزهيدة الثمن) ان تنحو باتجاه احداث التوازن المشار اليه وتحسس مصالحها. ويضيف حواتمة ان مجموعة دول عدم الانحياز (ودول الجنوب) تشكل اكثر من ثلثي المعمورة من حيث مساحة اراضيها ومن حيث تعداد شعوبها, عدا عما ما تشكله من سوق استهلاكية كبيرة للدول الاقتصادية الكبرى, ومن احتواء اراضيها على المخزون الرئيسي من الخامات (النفط, المعادن, .. ) وهذه العوامل كفيلة بان تعطي هذه المجموعة الدولية اهمية في ضرورة المشاركة في صنع القرار الدولي, وهذا يتوقف على سياسات هذه الدول الخارجية, ووقف ربط عجلات الحياة فيها بالنظام الرأسمالي العالمي, وفتح الحياة الديمقراطية امام شعوبها لان القوى الدولية المتسلطة تريدها دولا هامشية بأنظمة توليتارية استبدادية تحكم بقوة البطش وبتغييب الحريات وببرلمانات مزورة. فعلى هذه الدول ان تختار بين مفهوم امريكي استلابي لتطويع الشعوب تحت رحمة رأس المال المالي والاحتكار الامريكي وبين مفهوم انفتاح عوالم المعرفة والاقتصاد وحريات الشعوب. ولا يخفى بان واشنطن ستعمل في حال وقوع اي تطوير او تعديل على ميثاق الامم المتحدة لتجهيزه على مقاس قالب سياستها الخارجية, الامر الذي يستدعي تعاضد وتنسيق بين كتل العالم الرئيسية والمجموعات الاقتصادية الكبرى (الصين, اليابان, ودول الاتحاد الاوروبي). ويتابع امين عام الجبهة الديمقراطية نحن لا ننفي ابدا بان المنظمة الدولية لعبت دورا ايجابيا شيئا ما في دعم واسناد نضال الشعب الفلسطيني عبر مجموعة القرارات التي اتخذت منذ عام النكبة الى اليوم, وعبر لجانها التي انبثقت اكثر من مرة لمتابعة اكثر من ملف يخص قضية فلسطين والصراع مع الاحتلال التوسعي الاسرائيلي. والآن نلحظ بان عنوان المأزق الراهن لتسوية مدريد ــ اوسلو المنقوصة يتمثل بالعبور على مفترق: 1ــ سلام الشرعية والمرجعية الدولية وتطبيق قرارات الامم المتحدة وحق شعبنا بالعودة والاستقلال وتقرير المصير. 2ــ او سلام اللاتوازن الامريكي والاسرائيلي المختل الى جانب المحتل وبدون استحضار قرارات ومرجعية الشرعية الدولية وتحت عباءة واشنطن بديلا عن مظلة الامم المتحدة. واعتقد بان هذا الصراع الراهن امام المفترق السابق يستدعي من الفلسطينيين والعرب العمل على توحيد الجهود والعمل المكثف في الوسط الدولي لتطبيق قرارات الامم المتحدة بصدد الصراع في الشرق الاوسط, وبدون تطبيق هذة القرارات لن يكون هناك اي سلام حقيقي وستنهار التسوية المفروضة بالقوة. وآخر طبعة لها اقتراحات كلينتون البديلة عن المرجعية والشرعية الدولية. ان الامم المتحدة والمجتمع الدولي يكون معنا حيث نكون مع انفسنا ومع مصالحنا موحدين وفاعلين كفلسطينيين وكعرب, وعندما نستطيع ان نتجاوز بقايا ارث الانهيارات والتراجعات. خطوتان للإصلاح ويوضح الدكتور يوسف سلامة ان وضع منظمة الامم المتحدة في نطاقها الذي اريد لها اساسا, لم يعد ممكنا الا عبر اتخاذ خطوتين اثنتين كبيرتين, الخطوة الاولى منها تتمثل في اعادتها الى شخصيتها الاساسية, وهي كونها مؤسسة عالمية تحقق مصالح الشعوب والدول حسب مبادىء التكافؤ والمساواة والعدل. اما الخطوة الثانية فتقوم على اجراء اصلاح سياسي للمنظمة يحقق لها امكانية التعبير عن مصالح اولئك حقا وبكيفية كلية, ومن شأن هذا ان يعني اعادة النظر, مثلا, في تركيب مجلس الامن, بحيث تتوقف لعبة حصر الفيتو بعدد من الدول (العظمى) التي اختزلت غالبا الى واحدة منها على حساب الدول (الصغرى). ان انجاز تلك المهمة يعني على المدى المباشر ــ تحويل المنظمة الى مدافع عالمية عن الشعب العربي الفلسطيني الذي يلقى المذابح على ايادي الجزارين النازيين الجدد, وعن الشعوب الاخرى في العالم كافة, وهذا يتطلب جهدا ضخما من هؤلاء جميعا ممن يقف الى صفهم من شرفاء العالم. ويؤكد الدكتور صابر فلحوط بعد وفاة اقطاب مجموعة دول عدم الانحياز التاريخيين ــ نهرو, وتيتو ــ وعبد الناصر, اصيبت المنظمة بارتجاج دماغي نرجو ان تتعافى منه قريبا ليكون لها الوزن والدور لصالح دول الجنوب, ولخدمة الفقراء والكادحين في هذا العالم الذي تكاد عولمته واقتصاده المتوحش يبتلع البشر والشجر والحجر لصالح الامبريالية والصهيونية. وحتى يتحقق ذلك لابد من ان تعبر الدول والقوى التي ازداد وزنها, وقوتها وفرضت وجودها وحضورها, الاقتصادي على الساحة العالمية, لابد ان يترجم ذلك حضورا في مجلس الامن. الامر الذي يجعل من حق الفيتو حكاية تاريخية باهتة, تجاوزها الزمن سواء من حيث قوة الدول التي تتمتع بهذا الحق او التطور الذي بلغته دول اخرى لها الحق كغيرها ان لم يكن اكثر بالاستمتاع بحضورها بحضورها القوي والفاعل على مسرح الاحداث, وان كنت اميل الى رفض الفيتو والغائه وهذا ما يجب ان يطالب به قوى الضغط العالمي من مثقفين ومناضلين على امتداد الساحة الكونية. ويتابع رئيس اتحاد الصحفيين السوريين: وعلى العرب اولا ان يقوموا بتفعيل البيت العربي القومي ــ جامعة الدول العربية ـ فاذا ما استطاعوا النهوض بهذه المهمة الجليلة عندئذ يستطيعون ان يكون لهم مكان تحت شمس هذا العالم, وان تكون لهم كلمة مجابة ومهابة على الصعيد الدولي, يومها يتمكنون من تفعيل اداء الامم المتحدة عبر تحالفهم مع دول العالم الثالث الكتلة الاكبر على الصعيد العالمي. بقلم: إكرام يوسف