بيان الاربعاء ــ إضاءة مستقبلية ــ شارون والصدام الحتمي _ بقلم: د. عزمي بشارة

يتلخص مغزى انتصار شارون في السطر الاخير باستمرار التحول التدريجي نحو اليمين في المجتمع الاسرائيلي, ويعتقد بعض علماء الاجتماع الاسرائيليين ان العملية ذات اصول ديمقراطية وهي اذن عملية حتمية تستند الى ازدياد نسبة المصوتين المتدينين والشرقيين من بين المواطنين. وبما اننا لا نؤمن بعقابات جوهرانية في السياسة تكرس يمينية المتدين او الشرقي, وبما اننا نرى ان المهاجرين الروس (وهم غربيون في القاموس الاسرائيلي) لا يقلون يمينية في نزعاتهم السياسية عن القطاعين المذكورين, فإننا لا نقبل هذا الشرح المتحول المستمر نحو اليمين الا كوصف لحالة مؤقتة. على اية حال لم يطرأ تذبذب على المزاج السياسي الاسرائيلي من اليسار الى اليمين واذا طرأ فهو لا يكفي لتفسير وصول شارون الى رأس السلطة في الدولة العبرية, وكنا في حينه قد رفضنا فكرة ان انتصار باراك في انتخابات مايو 99 هو انتصار لليسار, ولذلك نحن لا نقبل مقولة تذبذب مزاج المجتمع الاسرائيلي من اليسار الى اليمين. لقد انتصر باراك في حينه على نتانياهو وليس على اليمين في انتخابات تحمل طابعا تنافسيا شخصيا ايضا, وقد تأزمت مرحلة نتانياهو بفعل: 1 ـ جمود العملية السياسية وما آلت اليه من جمود اقتصادي وانخفاض في معدلات النمو مقارنة بالمرحلة التي سبقتها. 2 ـ التناقض بين الانخراط في العملية السياسية بقيادة الولايات المتحدة وبين الارتباط بالمستوطنين وغلاة اليمينيين والمتدينين في الائتلافات الحكومية. 3 ـ الصدام بين طريقة نتانياهو في الحكم والنظام الحزبي الاسرائيلي وصدامه مع نخب حزبه القديمة, ومحاولة فرض نخب يمينية جديدة من المقربين اليه بدلا من قيادة الحزب التقليدية. لقد افتتح باراك فكرة حكمه بصدام من هذا النوع مع حزب العمل, الذي رشحه لرئاسة الحكومة وحاول ان يحجم قيادات الحزب التقليدية, ولذلك ايضا تآمرت عليه قيادة هذا الحزب طيلة فترة حكمه القصيرة, ولم تتجند بشكل جدي الى جانبه في الانتخابات المبكرة. هذا اللقاء بين شخصيتين باراك ونتانياهو فرضته طريقة الانتخابات الاسرائيلية, فقد فرضت هذه الطريقة نجوما لم يربوا داخل جهاز الحزب, وقلصت من نفوذ الحزب برلمانيا مع تحول التمثيل البرلماني الى سياسات هوية يعبر فيها الروس والمغاربة والعمانيون والمتدينون عن هويتهم, ولكن الاحزاب الاسرائيلية رغم فقدان العديد من وظائفها منذ اليشوف بقيت ذات جذور عميقة وقدرة على المقاومة, ومازالت وظيفتها الاندماجية الانصهارية تلح عليها بسبب خطر التفتت الثقافي او الطائفي, واذا كانت لدى الصهيونية غريزة بقاء متطورة فلا بد ان تحارب للعودة الى طريقة الانتخابات القديمة التي لا تفصل بين التصويت لرئاسة الحكومة وبين التصويت للبرلمان. لقد فقد باراك حلفاء عديدين ضد نتانياهو ورفاق طريق مؤقتين في السنة والنصف سنة من حكمه اذ فقد تيارا علمانيا واسعا تحالف معه ظنا منه ان سيحدث انقلابا بعلاقة الائتلافات التي كرسها اليمين مع الاحزاب الدينية, كما فقد جزءا ممن انتخبوه لانه سيحارب السلام وفقد اصوات العرب وفقد حتى اولئك الذين انتخبوه لانه سيجلب الامن. وقد ربح شارون لان اعداءه بعد ثمانية عشر عاما على حرب لبنان اقل عددا من اعداء باراك ونتانياهو ولذلك نجد ان الفارق بينه وبين باراك اكبر من ذلك الذي بينته الاستطلاعات بين نتانياهو وباراك, ولان المجتمع الاسرائيلي مازال يراوح في ردة الفعل اليمينية الامنية الحربجية على الانتفاضة الفلسطينية ولان المجتمع الاسرائيلي اكتشف كذب الوهم اليساري الصهيوني المنتشر حول استعداد الفلسطينيين للتنازل عن كل شيء مقابل دولة, وربما كان اهم انجاز لمرحلة باراك هو مواجهة المجتمع الاسرائيلي بشروط السلام العادل, بعد ان فشل باراك في فرض شروط سلامه هو بالقوة على الفلسطينيين, وبعد تفجر الانتفاضة. وبقيت الكنيست على حالها. ويستطيع شارون اقامة ائتلاف من 62 وربما 64 نائبا اي انه توجد في الكنيست الحالية اغلبية يمينية وان اليسار لم ينتصر عام 99. ولكن شارون يفضل حكومة (وحدة وطنية) تماما كما فضل الصمت عن برنامجه السياسي اثناء الدعاية الانتخابية, اذ احاط نفسه بعشرين خبيرا ومستشارا يتلخص عملهم بالمحافظة على صمته, لماذا؟ هل لان شارون تغير؟ لا ليس لان شارون تغير, بل هنالك سببان آخران لاخفاء شارون افكاره السياسية اثناء الدعاية الانتخابية: 1 ـ لأن العالم تغير ولأن شارون لا يستطيع مواجهة العالم وحتى شعبه بأفكار تقود الى الحرب. 2 ــ لان هنالك فرقا بين تحريض السياسي في المعارضة والمسئوليات التي تفرضها السلطة. شارون يدرك انه اذا لم يقبل الشعب الفلسطيني بشروط السلام التي طرحها باراك, واذا كان هو لا يقبل بشروط الشعب الفلسطيني للسلام, فإنه لا مجال للحديث عن حل دائم للقضية الفلسطينية, ولذلك كتبت قبل الانتخابات ان شارون سيقترح ائتلافا مع حزب العمل اساسه مرحلة انتقالية طويلة الامد مع السلطة الفلسطينية. ولكنه لا يضمن الا تقود هذه الاقتراحات الى صدام اكثر حدة مع الشعب الفلسطيني, قد يحاول شارون اضافة مفهوم الدولة الى المرحلة الانتقالية حتى قبل الاتفاق على مواضيع مثل القدس واللاجئين, الدولة كمرحلة انتقالية وليس كحل دائم ــ يبدو هذا مغريا, ولكنه سيكون مقدمة لتصعيد الصدام مع السلطة الفلسطينية ومع شخوصها, اذ لا يوجد اي التزام شاروني سياسي او اخلاقي او شخصي تجاه البنى التي افرزتها اوسلو اذا لم تنسجم مع تكريس الوضع القائم الذي يضمن بقاءه في السلطة. لقد بدأت تظهر للعيان بوادر رفض العالم العربي للخوف من شارون, تصعيد في الانتفاضة, تصعيد في التصريحات السورية التي ترفض التلكؤ او التريث في التعليق على مغزى انتخاب شارون. وبذلك بدأ مأزق شارون السياسي, والمهم الصمود ضد ردود فعله الاولية على هذا التصعيد, والاهم قبل ذلك احباط محاولات شارون الظهور بمظهر المعتدل الذي غير جلده من نوع تعيين وزير عربي ـ وبدل حب الاستطلاع حول هوية المرشح يجب ان تنشر القوى الوطنية موقفا واضحا ضد عروبة اي وزير عربي في حكومة ارييل شارون.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات