افرز خطاب القسم للرئيس السوري الدكتور بشار الاسد حركة جدل جدية وعميقة في القطاعات الحيوية الاقتصادية والثقافية والسياسية للنخب السورية, وقد تكونت وسط هذه الحركة, التي اخذت شكل نواد وتجمعات ثقافية وسياسية وبيانات تطالب بإحياء المجتمع المدني السوري, معالم استقطاب نسبي بين ما يمكننا تسميته بنظرية (التغيير العاجل) ونظرية (التغيير التدريجي) ورغم التداخل الكبير ما بين النظريتين, فإن الجدل ما بينهما اكتسب شكل جدل ما بين (المستعجلين) لاحداث اصلاح سياسي جذري وعميق وبين (التدريجيين) الذين يتبنون الاصلاح السياسي كمبدأ لكن بشكل تدريجي وليس باسلوب الصدمة, ويمكن القول انه ظهر في كثير من محطات الجدل ما بين هاتين النظريتين, وكأن هناك اتفاقا غير مبرم ما بينهما يقوم على الشد والرخي بما يعنيه ذلك من تأثر وتأثير متبادلين, غير ان هذا الاتفاق غير المبرم لم ينف ابدا ان الجهاز قد تخوف من عدم قدرته على استيعاب مفعولات ومضاعفات حركة الجدل وتناميها واحتمال تطورها الى اشكال مؤسسية يصعب ضبطها, بل ان بعض اركانه وكان مستعدا للقيام بجملة اعتقال جماعية للنشطاء, الا ان موقف الرئيس الشاب كان حازما ونهائيا في لجم ذلك وجعله من (الاخطاء) الكبيرة, فقد قال الرئيس صراحة انه كان اول من طرح هذه المبادىء في خطاب القسم, الا انه يريد ترجمتها العملية بشكل طبيعي ومتوازن وليس بأسلوب الصدمة, في حين قدمت بعض اتجاهات حركة المثقفين نفسها بوصفها قوة ضغط على (الحرس القديم) الذي نسب اليه عرقلة الاصلاحات التي قدم خطاب القسم مبادئها, وفي ذلك كان تفادي الصدام ما بين العهد والمثقفين يعود الى الرئيس نفسه, وهو ما دفع بعض الرؤوس (الحامية) الى اعتبار ان حركة المثقفين قد خرجت من جيوب السلطة, وقد شجع هذا التقييم عدم معارضة دائرة الرئيس أبدا لبيان الـ (99) وتعاملها معه ايجابيا, مع ان بعض كوادر هذه الدائرة فضلوا لو رفع البيان الى الرئيس نفسه وليس الى وكالات الانباء, وهو ما شكل ثابتا على ما يبدو للرئيس في عدم الاهتمام الفعلي بأي بيان او مطالبات تنشر في الخارج, في حين ابدى استجابات مباشرة وجدية لما يرفع اليه مباشرة, من هنا كان اكبر خطأ في اسلوب جماعة وثيقة المجتمع المدني هو تسريبها الى الوكالات في حين كان يجب ان توجه الى الرئيس بشكل لائق ومحترم بوصفه رئيس كل السوريين وضامن حرياتهم, غير ان الوضع القائم يشير الى ان هناك اطرافا في السلطة او في المعارضة ترغب بحدوث الصدام ما بين النظريتين, مما يعني موضوعيا وضع عصي في عجلات التغيير, ويمكن اليوم تميز خطين رئيسيين في اوساط (المستعجلين) وهما الخط الاول المحكوم بتعقيدات تجربته الخاصة وعلاقته المرة السابقة مع السلطة, وهو محكم بهذا الشكل او ذاك بعقد ثأرية انتقامية تتمنى في الاعماق خراب العهد, ويسود هذا الخط بشكل عام في الاوساط التي انتقلت بسرعة كبيرة من عقلية الأولوية الحمراء الى العقلية الليبرالية الجديدة, في حين ان الخط الثاني, يرغب فعلا وبشكل صادق بالاصلاح وليست له مواقف محددة او عقد عصية على الحل او التفاهم, الا انه يرى ان استراتيجية العمل تتم عبر احياء المجتمع المدني بتفعيل مؤسساته, ويمكن وصف الخط الاول بـ (السلبيين) والخط الثاني بـ (الايجابيين). ويضم (الايجابيون) اليوم قطاعات حيوية ممن كانوا يعتبرون (سلبيين) وفي مقدمتهم اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي المعارض بقيادة حسن اسماعيل (عبدالعظيم) الذي هو في الآن ذاته الامين العام للتجمع الوطني الديمقراطي (المعارض) في سوريا, اذ قيمت هذه اللجنة خطاب القسم ايجابيا, واقرت ان التغيير لن يتم بين يوم وليلة لكنه قادم, وقد يتأثر بعوامل اقليمية ضاغطة, وهي تؤيد كل الاجراءات مهما كانت جزئية مادامت في الاتجاه الصحيح والنهائي للاصلاح, اما الحزب الشيوعي ـ السوري جناح رياض الترك الذي يمثل القوة الاساسية الثانية في التجمع, والذي يتميز تاريخيا براديكاليته, فقد حدث فيه خلاف كبير حول الموقف من المرحلة الجديدة وطريقة التعبير عن هذا الموقف, الى درجة ان بعض اركان الحزب وكوادره كما أركان التجمع قد اعتبروا ان مقالات الترك (الحامية) لا تعكس موقف الحزب بل تعبر عن رأيه الشخصي, وفي ذلك كله فإن علاقة الشد والرخي ما بين (المستعجلين) و (التدريجيين) ستكون محاطة بتعقيدات وربما بمفاجآت, يصعب معها التكهن بمستقبل هذه العلاقة نفسها والتيقن من ثمراتها, وهو ما يندرج في تعقيدات المرحلة الانتقالية التي جعل الرئيس الشاب اختياراتها المستقبلية مفتوحة وممكنة تحت سقف الاستقرار والتدرج. بقلم :محمد جمال باروت