للوهلة الاولى لا تبدو الخرطوم عاصمة لدولة في حالة حرب. ويبدو ان الحرب الاهلية المحتدمة منذ ما يقرب من 18 عاما قد اختفت الى حد بعيد من الحياة اليومية لهذه المدينة الهادئة التي يقطنها نحو اربعة ملايين نسمة والممتدة عبر ضفتي النيل في السهل الاوسط في السودان. ولعبت قمة دول الصحراء والساحل التي جذبت للخرطوم شخصيات مهمة من بينها عشرة رؤساء دول دورا في تعميق الاحساس بان كل شيء يسير بشكل عادي. وتعتبر حكومة السودان الاجتماع علامة على انتهاء سنوات العزلة التي عانى منها السودان نتيجة تأييده جماعات متشددة تعارض بعنف بعض الحكومات داخل العالم العربي وخارجه. وتحسنت العلاقات مع الجيران العرب والافارقة منذ ان فض الرئيس عمر حسن البشير في عام 1999 تحالفه مع المنظر الاسلامي حسن الترابي الذي يتهمه البعض بتقويض استقرار المنطقة بمحاولة تصدير اصوليين متطرفين. والقمة واحدة من سلسلة اجتماعات حاشدة من بينها معرض تجاري دولي ساهمت في تشغيل فنادق الخرطوم الفاخرة الهادئة عادة وبكامل طاقتها. وكان انعقاد المؤتمر العربي والاسلامي الشعبي الذي دعا اليه الترابي في عام 1994 عندما كان السودان في غمرة سياساته الاسلامية اخر حدث بهذا الحجم تشهده العاصمة السودانية. ولكن رغم كل الهدوء الظاهر على السطح في الخرطوم لا يكاد القتال يغيب عن الاذهان. وقال البينو اوكني رئيس تحرير صحيفة (خرطوم مونيتور) اليومية الموجهة اساسا لابناء الجنوب الذين يفضل كثيرون منهم التحدث بالانجليزية بدلا من العربية (عندما يدور قتال خطير في الجنوب تكون هناك جنازات في العاصمة ويشعر الجميع تقريبا بالحرب). والجنوب مسرح الحرب الرئيسي لكن القتال اشتعل ايضا في اجزاء من وسط وشرق السودان. وفي العام الماضي شن الجيش الشعبي لتحرير السودان المتحالف مع جماعات معارضة شمالية هجوما استولى خلاله لفترة قصيرة على مدينة كسلا الشرقية. وقال اوكني (عندما يكون هناك ضغط عسكري يحتاج الجيش الى مزيد من المال ولذلك لا تتوافر رواتب الموظفين المدنيين في بعض الولايات). ويشير اوكني الى مدينة الفاشر بغرب السودان حيث قال ان الرواتب لم تدفع هناك منذ ما يقرب من عام. وتقول جماعات المعونة ان نصف سكان الخرطوم تقريبا يأتون من الجنوب الذي يشهد قتالا منذ عام 1983 أسفر القتال عن مقتل ما يقرب من مليوني شخص من جراء الحرب او ما خلفته من مجاعة وامراض. ويعيش معظم سكان الخرطوم الجنوبيين في احياء عشوائية تحيط بالعاصمة ليشكلوا طبقة وصفها اوكني بأنها محرومة سياسيا واقتصاديا. ويشكل الجنوبيون نحو ثلث سكان السودان الذين يبلغ عددهم 30 مليون نسمة. ولكن اوكني الذي جاء هو نفسه من الجنوب يقول (ليس هناك عداء في الشارع ولا على مستوى الافراد. فنحن نعيش معا في سلام). والاستدعاء العسكري من الامور التي يلمس سكان العاصمة الحرب من خلالها. يقول محمود عبد الله (26 عاما) الذي يعمل نادلا (لا نشعر بالحرب هنا الا عندما يجند الشبان في الجيش). ولا يحصل طلاب المدراس الثانوية على شهادات اتمام هذه المرحلة الا بعد قضاء ثلاثة اشهر في الخدمة العسكرية. وعليهم قضاء تسعة اشهر اخرى لكن بامكان طلاب الجامعة تأجيلها. وقال ابو بكر احمد (22 عاما) وهو طالب في كلية طب الاسنان من شمال السودان (انا لا اعترض على ذلك لكن شبانا كثيرين غادروا السودان هربا من ذلك للقاهرة او اي مكان آخر). واضاف (تحاول الحكومة انهاء هذه الحرب لكن هناك مصلحة للولايات المتحدة في استمرارها). وقال السودان انه يريد علاقات افضل مع ادارة الرئيس جورج بوش الامريكية الجديدة. وتضع واشنطن منذ عام 1993 السودان على قائمة الدول التي تدعم الارهاب ويبدو انها تؤيد المقاتلين الجنوبيين. رويترز