أثار انتخاب شارون جملة من ردات الفعل المتفاوتة على الصعيدين الإقليمي والدولي, حتى ذهب البعض من هؤلاء بإطلاق رصاصة الرحمة الأخيرة وإعلان نعي عملية السلام الجارية في المنطقة, على الرغم من الأشواط الكبيرة، التي قطعتها على كل المسارات التفاوضية, بينما اعتبر البعض الآخر تعبيراً عن استيائه, أن شارون جاء في الزمن الغير مناسب, وهؤلاء جلهم من المقربين لدولة اسرائيل, بل وتربطهم علاقات استراتيجية متينة تكاد لا تنفصم عراها. حتى بدأت تعتقد الكثير من الأوساط السياسية العربية على اختلاف مشاربها وانتماءاتها بتغير قواعد اللعبة السياسية, وبالتبشير بالكثير من السيناريوهات التي ترتكز على الأحلام المظلمة والمفخخة, والتي أشبه ما تكون رسوماتها بالكابوس الضاغط, والممهورة بالنهايات الغير سعيدة, التي تنذر باحتمالات تفجر المنطقة وبعودة دورة العنف إلى سابق عهدها, بل قد يفوق التصور في الكثير من نقاط التوتر والاحتكاك المباشر. لكن بعيداً عن المخاوف المستندة لتاريخ شارون المشؤوم, بسبب المذابح التي مارسها ضد العرب عموماً يجب الاعتراف بكل موضوعية, أن اسرائيل تعيش هذه الأيام في مخاض حاد وعسير, بسبب حزمة من الأزمات السياسية, وفي المقدمة منها أزمة القيادة ناهيك عن الأزمات الاجتماعية, وقد يكون انتخاب شارون هذه المرة هو التعبير الحقيقي عن جملة الأزمات المستعصية, التي باتت عصية على الحل في بعض جوانبها, وإذا ما حاولت بعض القوى الفاعلة داخلياً بالشروع في حلها, سيتطلب منها الأمر وضع الحالة الداخلية برمتها على المشرحة, التي ستؤدي بالضرورة في هذا التوقيت بالذات إلى بروز صراعات حقيقية تمس الأسس البنيوية للمجتمع الإسرائيلي إذا جاز التعبير برمته, والتي رافقت الكيان الإسرائيلي منذ النشأة, لكنها كانت ترحل بسبب المساحة المتاحة للمناورة على المستوى الداخلي والإمكانات الخارجية المرممة لهذا الوضع بشكله العام, والتي بكل تأكيد لن تحمد عقباها حتى بالنسبة لهذه القوى بالذات, التي أصبحت تعيش هي الأخرى, ذات الأزمات المركبة والمعقدة وان اختلفت التسميات. بموازاة ذلك كله لا يعني أن هذا الكلام سيعبد الطريق أمام شارون بالورود, لأن جملة من الصعوبات ستقف أمامه حائلاً بل وسداً منيعاً, تؤدي إلى الحد من طموحاته العدوانية إن لم نقل من منعه من تنفيذها, على المستويين الداخلي أولاً, والخارجي ثانياً, وكلا العاملين لا يقل أحدهما عن الآخر أهمية على الإطلاق. وهنا ما يهمني هو الوضع الداخلي المتأجج الذي يحمل الكثير من التأويلات بين ظهرانيه, فحزب العمل الذي يشكل نصف العمود الفقري على المستوى الداخلي في اسرائيل راهناً, يعيش أزمة سياسية حادة فيما بين صفوفه, والتي عبر عنها بكل وضوح باستقالة رئيسه ورئيس الوزراء ايهود باراك, وأن الأزمة التي لحقت به هي تقليد باراك للاتجاهات اليمينية داخل اسرائيل, بل والسير على هدي سياساتها الجهنمية, وهذا بدوره أدى إلى اجتزاء هوية هذا الحزب الذي يعتبر باني دولة اسرائيل بجدارة ومحققاً لانتصاراتها. وأنه في غمرة حفاظه على هويته من جهة ومكتسباته وحفاظه على مكانته التاريخية بين جمهور الناخبين من جهة أخرى, لا يمكنه أن يتطابق مع اليمين القومي, وإذا ما حاول مجاراة مشروع شارون السياسي, سيكون هذا الأمر بكل تأكيد فتيل التفجر الداخلي, أي أن مسايرة شارون ليست من مصلحة حزب العمل, ولن تخلق منه البديل الحقيقي والمتوازن على المستوى الداخلي في انتخابات الكنيست المقبلة, التي على ما يبدو أصبحت على الأبواب, بعد أن امتنع الكثير من أعضاء الكنيست بما في ذلك الأعضاء العرب من التصويت على حله, بعيد إعلان باراك عن استقالته من رئاسة الحكومة, لان ذلك كان سيصب في خدمة الاتجاهات اليمينية القومية والدينية في تلك الفترة بالذات. أما الآن فقد بات السلاح الوحيد للتأثير على شارون وحكومته المزمع الإعلان عنها خلال أقل من شهر من الآن, لدى ممثلي الصوت العربي في الكنيست واليسار ويسار الوسط ممثلاً بحزب العمل, محاولة تحشيد الأصوات من أجل حل الكنيست وتقديم الانتخابات العامة. وأن اليسار وبالأخص حزب العمل, لا يمكنه الجمع بين المتناقضات على مستوى اليسار والقوى المتضررة من صعود شارون إلى سدة الحكم, في ظل حكومة يمينية تتسم بالسمات الفاشية بكل ما تحمله الكلمة من معنى, وأن الإمكانيات غير متاحة لتشكيل حكومة وحدة وطنية على الإطلاق, وعندما نقول اليسار ليس انتصاراً له بل هو يرى ذاته هكذا. وإذا ما شارك العمل في حكومة وحدة وطنية, فستكون المشاركة بفعل عوامل خارجية محضة تكون قد أملتها جملة من الظروف الدولية, وستكون بكل تأكيد مشاركة مؤقتة هدفها تلبية رغبات الأصدقاء وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية التي ترى ديمومة مصالحها في الشرق الأوسط وتطويق سلوك شارون السياسي المحفوف بالمخاطر من خلال مشاركة اليسار, لكن بالمقابل سيبقى العمل بتحالفاته بالسعي لإغراق شارون في مستنقعات الملفات السياسية الشائكة والمعقدة. وهذه المشاركة بكل تأكيد, ستمنى بالفشل الذريع, خاصة وأننا نعي الأهداف المسبقة لكل طرف من أطراف التحالف, والتي تحمل سلاح الوقيعة لتوجيهها للطرف الآخر في لعبتها, السياسية الانتخابية حينما تسمح الفرصة المناسبة. وحتى المشاركة هذه إذا ما تمت, فستخلق حالة من الجدل داخل صفوف حزب العمل, الذي يعاني كما أسلفنا القول من حالة انقسام داخلية غير معلنة, ويقود هذه الظاهرة بكل جدارة يوسي بيلين, الذي يرى بنفسه والاتجاه المتضامن معه أنه الوريث الشرعي لقيادة الحزب بعد أن تلاشت ما يسمى بالقيادات التاريخية حسب ما يشاع على المستوى الداخلي لحزب العمل بشكل خاص وعلى المستوى الإسرائيلي بشكل عام, ولعله يجد أن الفرصة الذهبية قد لاحت الآن, من أجل خوض غمار المعركة التي انتظرها منذ مقتل رابين, وهذه القضية يدركها ايهود باراك وأصدقاؤه من الجنرالات الذين جاء بهم إلى حكومته, جيداً, حتى بيريز الذي يعتبر حاخام الحزب الأكبر, والذي يقع في المنتصف يجد بيوسي بيلين وغيره من ممثلي هذا الاتجاه, بأنهما الأقرب لرؤيته السياسية بكل المقاييس, خاصة بعد التجربة المريرة التي قضاها مع باراك كوزير للشئون الإقليمية. أما الأحزاب الدينية المتطرفة, فهي بكل تأكيد لن تكون أرحم بشارون مما كانت عليه في موقفها من باراك, إذ أنها ستدخل إلى حكومة شارون من حالة الضعف والوهن والحاجة التي تنتابها, ستبدأ هذه الأحزاب على اختلافها وبالأخص حركة شاس, باللعب بأوراقها القديمة الجديدة, من أجل حصد الكثير من المغانم دون أن تدع أوراق الضغط التي تمتلكها جانباً, ودون أن تتورع في إشهارها على الدوام في وجه شارون أمام أي منعطف سياسي قد لا يتوافق ورؤيتها, حتى بعد الإعلان عن تشكيل حكومة شارون. وهي بهذه الخطوات الانتهازية المكشوفة ستسعى بكل ما أوتيت من قوة من أجل الإمساك بالعصى من المنتصف, لتوفر لنفسها مكاناً مميزاً من أجل حفاظها على كتلة ناخبيها التي تكبر يوماً بعد يوم. بالمقابل تكون في هذا الموقف قد رفعت من سوية مطالبها في كسب مزيداً من الحقائب الوزارية الهامة والحصص المالية للتعليم الديني واقتناص التعليم العام على أقل تقدير وهذا الهدف يعتبر استراتيجياً بالنسبة لحزب ديني كحزب شاس الذي يشغل 17 مقعداً في الكنيست الإسرائيلي ( البرلمان ) والذي لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة لليكود على الإطلاق, إذا ما أراد التوصل لتشكيل الحكومة وكسب التصويت عليها من قبل الكنيست الإسرائيلي. وعلى ما يبدو أن القوتين اليمينيتين الليكود وشاس, تعيان أن الخيار العملي في نهاية المطاف, سيكون حكومة ضيقة تستند إلى ما يقارب 63 عضواً للكنيست , وأنهما إذا ما أرادتا إنجاح هذا التحالف فلا بد من تمرير الصفقة لشاس هذه المرة على حساب باقي الأحزاب اليمينية بما في ذلك حزب المهاجرين الروس والمفدال (الحزب القومي الديني) وغيره من الأحزاب الدينية الصغيرة, بذات الطريقة التي اتبعها باراك والتي أوصلته إلى النهايات المظلمة التي قد تنال منه على المستوى الشخصي, ونالت بقدر كبير من حزبه. ومما تقدم قد يبدو الأمر سهلاً على شارون نظرياً, إلا أن الواقع العملي على الأرض وبعد أن يتوصل إلى تشكيل حكومته من فتات أحزاب اليمين, وبعض الهامشيين والمستفيدين من هذا الخلل في الخارطة الحزبية, لا بد لنا من التنويه إلى أن هذه الأحزاب اجتمعت في انتخاب شارون تحت شعار انتخابي واحد ويتيم, هدفه إسقاط ايهود باراك والانتقام منه حتى على المستوى الشخصي, لكن بعد أن تلتئم حكومة اليمين, ستحمل كل تناقضاتها وصراعاتها إلى داخل هذه الحكومة وستبدأ الحروب حامية الوطيس بين أحزاب المهاجرين الروس وحزب شاس, وستصبح أمام خيارات صعبة جداً أحلاها مرّ, بحيث ستكون عاجزة عن اتخاذ القرارات, بما في ذلك القرارات المصيرية التي تتعلق بالأمن والسلام والاستيطان. وهذا الأمر عينه سيزيد من أزمة اسرائيل القيادية والسياسية, التي تعيشهما أصلاً, ولعل انخفاض نسبة المشاركة في انتخاب رئيس الحكومة جاء نتيجة حتمية لهذا الوضع المتشظي ليس إلا. إذان أياً يكون شريك شارون في الحكومة يساراً كان أو يميناً, سيعمل من أجل اختزاله على كل المستويات, ومن أجل البروز على أنقاضه والاستفادة القصوى التي يستطيعها, وأن شارون سيكون فريسة كل الأحزاب بما في ذلك الأحزاب الهامشية, وستكون الميزانية عبئاً إضافياً, لأن شاس ليست مستعدة لدخول مثل هكذا تحالف إذا ما حازت على حصة الأسد من الميزانية, التي تزيدها حجماً في صفوف اليهود الشرقيين داخل اسرائيل, تحت الكثير من المسميات والعناوين, أهما المساعدات المالية للتعليم الديني والتي تصرف على مؤسسات الحزب ذاته. وختاماً يمكننا القول أو التنبؤ إذا صح التعبير, أن حكومة شارون القادمة إن كانت تحمل اسم حكومة وحدة وطنية موسعة, أو حكومة أقلية ضيقة يمينية, ستكون مجرد جمعة مشمشية, كما يقول المثل العربي, أي أنها ستكون موسمية بكل المعايير والمقاييس, ولن ينفع شارون إلا المبادرة مع مجموع المبادرين في التصويت بالكنيست لتقديم الانتخابات العامة, كما فعل باراك عندما قدم استقالته الأولى من الحكومة, والثانية من رئاسة حزبه والكنيست, لكي يحافظ على ماء الوجه, وعلى وحدة الحزب. لكن السؤال الذي لا بد منه هل يعقل الأشياء شارون, ويحذوا حذو صنوه باراك في حزب العمل؟