فاز أرييل شارون برئاسة وزراء اسرائيل لأسباب عديدة, أولها نزعة العنف الطبيعية في الشخصية الإسرائيلية المتميزة بالعنصرية والتطرف, وثانيها عدم ايمان غالبية الشعب اليهودي في دولة صهيون بالسلام العادل مع العرب في ، الحاضر والمدى القريب, وتركيزها على فرض التهدئة والاستقرار في فلسطين المحتلة بالقوة والبطش وبأسرع طريقة ممكنة. وثالث الأسباب هو رغبة الإسرائيليين في اعطاء الأولوية لأمنهم الذاتي قبل أية تسويات سياسية مع العرب بوجه عام أو الفلسطينيين بصفة خاصة ذلك أن الصهاينة يرون بوضوح ضعف التماسك العربي, واكتفاء دول الجامعة العربية بردود فعل بسيطة منذ أن تعثرت التسويات السياسية على كل المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية بدءاً من عام 1996 وحتى الآن خلال عهدي بنيامين نتانياهو وايهود باراك. والصهاينة أيضا يتابعون أوجه ضعف السلطة الفلسطينية ذاتها, وعجزها عن تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية حتى الآن. ورابع أسباب فوز شارون هو ضعف منافسه باراك, وتردده, واحترافه للكذب على العرب وعلى مواطنيه أنفسهم, فهو كذاب مخادع من الطراز الأول, وقد كان ياسر عرفات ضحية لخداعه أكثر من مرة في مسيرة (سلام الشجعان) الشهيرة في فلسطين المحتلة. وباراك رجل عنيد, وقد رفض التنازل لشيمون بيريز كمرشح لحزب العمل ضد شارون مع أن موقفه هذا قد أضر بحزبه خلال الانتخابات, وأشعل الصراع العنيف على رئاسة حزب العمل بين بيريز, وافراهام بورج رئيس الكنيست, وشلومو بن عامي, وحاييم رامون. وخامس الأسباب ان الادارة الأمريكية الجديدة قد شجعت التغيير في اسرائيل, وقد كانت صريحة في رفض أفكار الرئيس السابق ويليام كلينتون للتسوية في فلسطين وفي اعلان حاجتها لاعادة تقويم هذا المسار المهم في الصراع العربي الإسرائيلي, وهو الأمر الذي رحب به أرييل شارون الذي أكد أنه لا يعترف بمقترحات قمة كامب دافيد الفاشلة في يوليو الماضي, أو بمفاوضات طابا التي اشتهرت بطابعها المسرحي المميز. ووصلت درجة النفاق السياسي لدى ايهود باراك الى حد أنه أعلن بنفسه أن مقترحات كامب ديفيد, وواشنطن, وطابا لم تعد محل بحث, ولا تشكل بداية للمفاوضات الجديدة. وليس كافيا أن نتهم التراجع الأمريكي أو موقف باراك بغياب القيم الأخلاقية وازدواجية المعايير في السلوك السياسي والدبلوماسية الدولية, بل لابد أن نتنبه الى أن هناك شواهد واضحة على تراجع روح المبادأة الأمريكية في قضايا الصراع العربي الإسرائيلي, وعلى ربط جورج بوش بين هذه القضايا, ومسألة العراق والحظر الاقتصادي والتفتيش والمراقبة لتسليحه, ثم تعزيز التعاون العربي الأمريكي في مجال البترول والطاقة. وشارون, كما نعلم, رجل مندفع, ومتهور, ولكنه ليس غبيا الى الدرجة التي لا يدرك فيها أسباب فوزه على باراك, أو يتجاهل أن قاعدته البرلمانية المؤكدة لا تتجاوز (58) نائبا في الكنيست, هم أعضاء ائتلاف القدس من الأحزاب اليمينية والدينية, بينما يصل اجمالي عدد النواب الى مئة وعشرين نائبا, أي أن شارون لا يملك أغلبية نيابية, ولو بصوت واحد, يمكن أن تسانده في الأزمات البرلمانية القادمة في الشهور القليلة المقبلة, وبخاصة بسبب اختلاف مؤيديه حول قضايا التعليم الديني, والنشاط العلماني لمنظمات العمل المدني في اسرائيل. لذلك نرى اصرار شارون على البدء بمحاولة تشكيل حكومة وطنية يشارك فيها حزب العمل مع تكتل ليكود, ويدخل في عضويتها بيريز وباراك معا أو بيريز وحده وزيرا للخارجية أو الدفاع. ويفضل شارون هذه الحكومة على تشكيل ائتلاف مؤقت يضم ليكود والأحزاب الدينية, ويضم ايهود أولمرت رئيس بلدية القدس, وهو صهيوني متعصب, وقد يضم عومري شارون نجل مجرم الحرب العتيد نفسه, واسحق ليفي وهو يهودي مغربي الأصل, وسيلفان شالوم النائب السابق لوزير الدفاع. لكن اختلاف العمل مع ليكود بشأن المستوطنات والقدس وتوقيت قيام دويلة فلسطينية منزوعة السلاح, وعدد الحقائب الوزارية التي يعطيها شارون لحزب العمل, واصرار بيريز وباراك على ادارة المفاوضات القادمة مع السلطة الفلسطينية أو القيام بدور رئيسي فيها على الأقل. وقد بادر شارون برفض مطلب حزب العمل الخاص بوقف انشاء أية مستوطنات جديدة في الضفة الغربية لنهر الأردن, واخلاء قطاع غزة من كافة المستعمرات الاستيطانية به. كما كان شارون حادا في رفضه لمفاوضات كامب دافيد وواشنطن وطابا بين يوليو ,2000 ويناير الماضي بدعوى أن باراك قد تفاوض بعد أن فقد أغلبيته البرلمانية وشرعيته السياسية!!! وإذا كانت تكتيكات شارون في تعامله مع العرب ستختلف نوعا ما في حالة تشكيل حكومة وحدة وطنية عنها في ظل ائتلاف يميني ديني, فإن أرييل شارون قد أعلن خطوطه الحمراء في تحد صارخ لأمة العرب, ولمنظمة المؤتمر الاسلامي في ضوء اقتناعه بضعف الموقف العربي والاسلامي تجاه قضايا فلسطين والجولان, بل وجنوب لبنان الى حد ما, منذ عام 1996 وحتى الآن, وفي ظل تقديره لضعف السلطة الفلسطينية التي يتباهى محمد دحلان بأن شرطتها تحمي أمن اسرائيل. ولدى شارون قناعة كاملة بأن الانتفاضة الحالية هي ورقة الضغط الوحيدة المؤثرة على أمن واستراتيجية اسرائيل, ومن ثم فأولى أسبقياته هي وأد الانتفاضة برضا السلطة الفلسطينية أو على الرغم منها!!! خطوط شارون الحمراء أكد أرييل شارون أن أول خطوطه الحمراء هو أن يضمن السلام (الواقعي) أو (الناقص) مع العرب احترام حقوق ومصالح اسرائيل التاريخية, ومنها الاحتفاظ بالقدس الموحدة عاصمة لاسرائيل وللشعب اليهودي في العالم كله, واستمرار الهجرة اليهودية الى فلسطين والاستيطان في ربوعها. والخط الأحمر الثاني هو رفض الانسحاب من المرتفعات السورية (الجولان) ومن غور الأردن كمصلحة أمنية إسرائيلية غير قابلة للنقاش معه. والخط الأحمر الثالث هو رفض فكرة الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين في فلسطين المحتلة, بما يخدم تصورات شارون حول القدس الموحدة, ورفض تفكيك المستوطنات الحالية, والتبعية الاقتصادية شبه الكاملة لاسرائيل التي لا تستطيع السلطة الفلسطينية التحرر منها في المستقبل المنظور, وبخاصة في ظل ارتفاع حجم البطالة في الأراضي الفلسطينية الى نحو أربعمئة ألف عامل, وبطء الدعم العربي للانتفاضة, وبقاء الدعم الاسلامي الاقتصادي للشعب الفلسطيني مجرد أمنية عزيزة يصعب تحقيقها في المدى القريب!!! تكتيك هدف المفاوضات يرى شارون أن الموقف السياسي والعسكري, والاستراتيجي في فلسطين, وفي المنطقة الوسطى من الشرق الأوسط لا يسمح حاليا بإبرام تسويات سياسية نهائية, وأن الشعب الإسرائيلي لا يريد العجلة والسرعة في إبرام التسويات, ولا قيمة عملية تذكر لبعض ضجيج أنصار (السلام الآن) في داخل اسرائيل. ومن ثم فإن الهدف الواقعي للتفاوض العاجل في فلسطين هو إبرام (اتفاق عدم اعتداء) بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي, على أن يتضمن القضاء على البنية التحتية للارهاب, ووقف العنف المتبادل, وإنهاء الحصار الاقتصادي للمناطق الفلسطينية, وتدعيم التعاون المشترك في مجالات الاقتصاد والبيئة والمياه. ويمكن أن يواكب هذا الاتفاق تنفيذ بعض التزامات المرحلة الانتقالية طبقا لاتفاقيتي أوسلو, واتفاقات واي ريفر وشرم الشيخ, ومنها المرحلة الثالثة لاعادة انتشار القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية لنهر الأردن, والممر الآمن الشمالي للفلسطينيين, وانشاء ميناء غزة, والافراج عن المعتقلين الفلسطينيين. وباختصار, فإن ما يريده شارون هو استكمال تنفيذ الاجراءات الانتقالية التي كان مفروضا انجازها قبل 4 مايو 1999 مقابل انهاء حالة الحرب والالتزام بعدم الاعتداء والتعاون الاقتصادي الوثيق بين الفلسطينيين واسرائيل. تكتيك نقطة البدء من حيث التوقيت يرفض شارون بدء المفاوضات قبل وقف العنف, فهو يريد تجريد عرفات من أهم وأخطر أدوات الضغط التي يملكها, وهي انتفاضة الأقصى التي اشعلت شرارتها زيارة شارون الاستفزازية للمسجد الأقصى يوم 28 سبتمبر الماضي. إن شارون يريد من عرفات أن يكتفي بالحوار وحده, وأن يلتزم باحترام مصالح اسرائيل الأمنية والتاريخية, ويحاول مجرم الحرب شارون الضغط على عرفات لعودة التنسيق الأمني الكامل بين القوات الإسرائيلية والشرطة الإسرائيلية تحت اشراف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قبل نهاية شهر فبراير الجاري!!! أما من حيث نقطة البداية السياسية للتسوية, فإن شارون لا يزال يرفض بشدة طلب الفلسطينيين استئناف المفاوضات من نقطة توقفها في طابا يوم 28 يناير الماضي, ويريد العودة الى اتفاق شرم الشيخ عام 1999 كأساس للتفاوض مع أن ذلك الاتفاق انتقالي صرف, ويكتفي بمجرد الاشارة الى توقيتات لم تتحقق في العام الماضي لابرام إطار ثم جوهر التسوية النهائية في فلسطين. ومع أن شارون يعيدنا الى الوراء كثيرا, فإن هذا الارهابي العتيد لا يريد حتى اليوم العودة الى أوضاع 28 سبتمبر 2000 في فلسطين المحتلة, ويرفض جلاء القوات الإسرائيلية عن بعض المناطق (أ) التي أعادت احتلالها بعد أن سلمتها للسلطة الفلسطينية. وهكذا يشكك أرييل شارون في مرجعية المفاوضات في نفس الوقت الذي يطالب فيه بوقف انتفاضة الأقصى, ويتعهد باستمرار مخطط تهويد مدينة القدس وتوسيع نطاقها بضم عدد من المستعمرات الاستيطانية المحيطة بها الى المدينة بشطريها الغربي والشرقي, واستئناف بناء مستوطنتي جبل غنيم ورأس العامود في القدس الشرقية. وينفي شارون تماما إمكان قبوله الانسحاب من (95%) من الضفة الغربية لنهر الأردن كما اقترح كلينتون, أو تباحث باراك في واشنطن وطابا. ويكسب شارون الوقت, ويريد تدريجيا أن يفرض واقعا جديدا في فلسطين المحتلة قبل أية انتخابات برلمانية قادمة في الخريف المقبل قد تبقيه في رئاسة الوزارة أو تأتي بربيبه بنيامين نتانياهو إليها. وعلى المسار السوري, يرفض شارون التعهد بالانسحاب من الجولان, ويريد مجرد التطبيع مع سوريا, واقتسام مياه الشام مع سوريا ولبنان والأردن, ويشجع استيطان اليهود في الجولان, وهو خطر ماحق بعد أن اقترب تعدادهم من مجموع من بقي من المواطنين السوريين في هذه الرقعة العزيزة المحتلة. ويتوعد سفاح شرم الشيخ ومتلا ورفح, وجزار صبرا وشاتيلا, المقاومة اللبنانية الوطنية إذا تحركت ضد احتلال مزارع شبعا, أو الاختراقات الإسرائيلية للخط الأزرق للحدود مع لبنان. ونحن لا نستبعد مطلقا أن يفكر شارون في توجيه ضربة عسكرية خاطفة ضد حزب الله في الجنوب اللبناني أو القوات السورية في سهل البقاع, ذلك أن هذا الجنرال المتقاعد لا يزال يعاني من عقدة فشله المدوي في غزو لبنان. تكتيك رعاية المفاوضات سوف يستغل أرييل شارون دعوة الراعي الأمريكي الى ضرورة تعزيز الهدوء, والاستقرار في فلسطين, المحتلة وجنوب لبنان قبل بدء المفاوضات الى أقصى مدى بهدف تأجيل انعقادها الى الربيع المقبل مما يضعف من درجة تصميم بعض المفاوضين العرب على مواقفهم الحالية, ويتفق مع الخط الأمريكي الذي يريد مزيدا من الوقت لتحليل وتقويم المشاكل الأمنية في المنطقة, والتعامل معها وفق سياسة شاملة تحمي المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى ومن بينها أمن اسرائيل. وسوف يمارس شارون أسلوب تصعيد التوتر المسلح في شمال اسرائيل, أو الاستخدام المفرط للقوة ضد المقاومة في فلسطين المحتلة لتأخير بدء المفاوضات أو لقطعها عندما يريد ذلك!! ومن ناحية أخرى سوف يستغل شارون موقف واشنطن الذي ألغت فيه مقترحات كلينتون الأخيرة ليقلل من فاعلية الدور الأمريكي في رعاية التسويات, وضمان نتائجها, في إطار حرص شارون على محاولة الغاء بعض المرجعيات الأساسية التي تحكم عملية السلام ومنها انهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية طبقا لقراري مجلس الأمن رقمي 242/,1967 338/1973. ومن جهة أخرى سوف يسعى شارون لتقليل فاعلية الدور المصري في المفاوضات إذ يعتبره عنصر ضغط عربي وإقليمي على اسرائيل, وأحيانا على السلطة الفلسطينية ذاتها في مسألتي القدس واللاجئين, ولذلك سيحاول أيضا دعوة الأردن لرعاية بعض مراحل التفاوض, الأمر الذي يؤكد من جديد ضرورة العودة العاجلة الى التنسيق الفوري بين دول الطوق العربية وفلسطين في ادارة المفاوضات والصراع السياسي مع اسرائيل, وإنهاء القطيعة السورية الفلسطينية. وسوف يلجأ شارون الى تكتيكات مناورة ومراوغة أخرى, مجدية أو فاشلة طبقا لصلابة الموقف العربي وايجابيته قبل أي عامل آخر في المرحلة الحالية للصراع الجوهري الممتد بين العرب واسرائيل, وهي مرحلة انتقالية حافلة باحتمالات التوتر المسلح والصدام أكثر مما تنبئ بفرص إبرام التسويات.