نجاح واكيم ... نائب بيروت السابق, والمعارض الناصري الشهير للحكومات اللبنانية وبالاخص حكومة رفيق الحريري يجاهر بكراهيته للعنصرية والطائفية في لبنان وسائر العالم ويراها الخطر الماثل المحدق بعالمنا العربي، والمهدد الرئيسي لأمننا القومي, ترددت مؤخرا انباء عن ملاحقته في لبنان وصدور قرار باعتقاله, اكد هو الخبر وعزاه الى هجومه على الفساد بينما نفته المصادر الرسمية اللبنانية في وزارتي العدل والداخلية وعزت تأكيده الى رغبته في عودة صاخبة الى الساحة السياسية بعدما احجم عن دخول الانتخابات البرلمانية السابقة فيما عزاه واكيم الى تدخل المال في هذه الانتخابات. واكيم اسس حركة الشعب التي يقول انه ليس رئيسها لانها لم تنتخب رئيسا لها بعد, واسمى احد ابنائه عمرا والآخر جمال اعلانا لرفضه للطائفية وتعبيرا عن انتمائه القومي (ينتمي واكيم لاسرة مسيحية محافظة). وفي نادي دبي للصحافة التقى المعارض السياسي اللبناني المشاغب محاضرته امس الاول تحت عنوان (لبنان والعرب على نار السلام المستحيل). وفي هذه الندوة قال النائب اللبناني السابق ان منطقة الخليج العربي التي تبدو هادئة (يؤرقها ــ خلف مظاهر البحبوحة ــ هاجس الامن). والهاجس نفسه اهم ما يؤرق بقية دول الوطن العربي بافتقارها الى استراتيجية ومفهوم واضحين للامن. واوضح واكيم ان خلاص الامة العربية منوط بحركة شعبية تتبنى مشروعا قوميا تنظم حوله الشعوب العربية مثلما كان الامر في عهد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر. ويضيف : لا اعني بذلك ان ننتظر حدوث تغيير للسلطة في مصر ولا اطالب بذلك, لان قوة حركة الشارع العربي ايام عبد الناصر لم تكن بسبب وجود عبد الناصر الشخصي, وانما ترجع الى وجود المشروع القومي أو الحلم العربي الواحد, وابدى تفاؤله بوجود تجمعات شبابية في معظم الدول العربية تتحرك باتجاه احداث تحول في المناخ السياسي في المنطقة مستشهدا بقوة التحركات الشعبية المساندة للانتفاضة الفلسطينية الحالية مقارنة بضعف حركة الشارع العربي نسبيا مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية السابقة عام 1987. وردا على سؤال لـ (البيان) حول موقفه من الوجود السوري في الاراضي اللبنانية قال واكيم: (انا أعارض السياسة السورية في لبنان بوضعها الحالي لان دخول سوريا الى لبنان من اولى الامر كان بمباركة امريكية لكن الذين يعارضون الوجود السوري من موقع عنصري لبناني او عنصري طائفي لا يريدون السيادة, ولكن يريدون الفتنة الداخلية, وينطقون باسم معلمتهم الولايات المتحدة الامريكية واضاف: انا ضد السياسة السورية في لبنان ولكن عندما يكون الخيار بين سوريا والولايات المتحدة انا مع سوريا .. ومع اي طرف كان في طول هذا العالم وعرضه ضد الولايات المتحدة الامريكية عدوتنا. رهان المفلسين واكد زعيم (حركة الشعب) ان رهانات البعض على نتائج الانتخابات الامريكية او الاسرائيلية هي شيم المفلسين (ان اكثر من يلعب القمار هم المفلسون فلن نغير الولايات المتحدة قبل ان نتغير نحن, ولن تغير الولايات المتحدة سياستها الا عندما ترى الاحتقان في الشارع العربي بلغ مداه). وكان واكيم قد بدأ الندوة باستعراض محاولات الولايات المتحدة لفرض تصورها للسلام في منطقة الشرق الاوسط بما يحقق النظام الاقليمي في الشرق الاوسط الذي يصاغ تحت المظلة الامريكية وبالتبعية لها. وقال: ان عودة سريعة الى شريط الاتصالات بين الولايات المتحدة الامريكية ومصر وبقية دول المنطقة في الفترة من 1953 الى 1957 تضع امامنا بوضوح صورة هذا السلام ومضمونه وموقعه في ورشة النظام الاقليمي للشرق الاوسط الامريكي. مشروع قديم واكد ان مصر كانت اول من تصدى لمشروعات الاحلاف الغربية ـ الامريكية في المنطقة بالرفض بداية, ثم بالمقاومة ثم بقيادتها لمشروع اقليمي بديل عنوانه الاساسي التحرر والوحدة. واوضح ان امريكا كانت تطرح تصورا في البداية للنظام الاقليمي للشرق الاوسط يرتكز على عواصم اسلامية ثلاث: القاهرة اكثر العواصم الاسلامية عراقة, وانقرة اكثر العواصم الاسلامية تطورا وكراتشي اكثر العواصم الاسلامية كثافة وسكانا. وقال ان هذا المشروع طرحه جون فوستر دالاس وزير الخارجية الامريكية في ادارة ايزنهاور على جمال عبدالناصر عند زيارته الاولى للمنطقة في مارس 1953. واضاف: الرسائل الامريكية الى مصر, لم تنقطع على مدى ثلاث او اربع سنوات بالاغرار حينا والحصار حينا والتهديد احيانا ــ كانت تحمل كلها عنوانا رئيسيا واحدا: النظام الاقليمي للشرق الاوسط في مواجهة الاتحاد السوفييتي وعنوانا آخر ملازما معه السلام بين الدول العربية واسرائيل. وتابع: كان رفض مصر للمشروع الامريكي للشرق الاوسط يؤدي بالضرورة الى رفض هذا السلام وكان الحاح الولايات المتحدة عليه لانها تراه المدخل الحقيقي لتحقيق مشروع النظام الاقليمي التابع لها. واوضح: لم يكن مشروع السلام الذي قبلته مصر في عهد الرئيس انور السادات سوى ذلك المشروع عينه الذي ظلت ترفضه طوال عهد جمال عبدالناصر .. ومن اجل توفير المناخات المتلائمة لتحقيقه, كان لابد للولايات المتحدة من ان تعمل في دائرة اوسع تمتد من ايران في الشرق الى المغرب على المحيط الاطلسي ومن تركيا في الشمال إلى السعودية واثيوبيا في الجنوب. وتساءل واكيم هل صدفة ان تندلع حرب أهلية في لبنان الذي كان يأوي المقاومة الفلسطينية ويشكل الخاصرة الرخوة لسوريا في الفترة عينها التي بدأت فيها الخطوات التمهيدية على طريق السلام بين مصر وإسرائيل! وهل صدفة ان تندلع حرب الخليج الأولى على اثر مؤتمر القمة الذي انعقد في بغداد ربيع 1979 من أجل توفير حد أدنى من التضامن العربي الذي يعوض خروج مصر وانفرادها بتوقيع صلح مع اسرائيل؟ وبعدها ينفرط عقد المتضامنين ويتوزعون على طرفي تلك الحرب؟ كما تطرق الى حرب الخليج الثانية وقال: (هي الحرب, تبدأ عربية وتنتهي دولية وتسفر عن خراب كبير). وربط نجاح واكيم بين الأحداث التي وقعت في الشرق الأوسط وبين الخليج العربي وأطماع تركيا في المياه السورية وتحالفها مع اسرائيل, وعقد مؤتمر مدريد مشيرا قائلاً: (كأنما هي صدى لاجتماعات الأحداث المدوية التي كانت تتلاحق في الفترة عينها هناك في أوروبا الشرقية من بولونيا إلى يوغسلافيا السابقة). وأضاف منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة .. زادت أعلام الأمم المتحدة أكثر من عشرين علما ونقصت علماً واحداً هو علم جمهورية ألمانيا الشرقية: مشيرا الى ان جميع الأعلام الجديدة كانت لدول كيانات اثنية أو طائفية انفكت عن دولها الأم بعد صراعات دامية وخراب, وستستمر آثاره أجيالاً. واستطرد قائلاً: (في بلادنا الكثير من الاثنيات والطوائف والكثير من المذاهب والعصبيات, فهل نعي المعنى الحقيقي للسلام القائم على الأمن الذي تريده اسرائيل؟). وعن عملية السلام الحالية, قال ان ما تحقق منذ ربع قرن على بدء عملية السلام (يبدو بالغ الهشاشة عند كل حدث يقع هنا أو هناك فالانتفاضة والعنف الاسرائيلين في مواجهتها يزعزعان أسس اتفاقيات أوسلو وكل ما نتج عنها, بل ان الانتفاضة الفلسطينية, تهدد عملية السلام برمتها حتى تلك التي بدأت قبل ربع قرن على الجبهة المصرية ــ الاسرائيلية ولقد سمعنا قبل أيام تهديدات اسرائيلية بضرب مصر, ورداً مصرياً بردع أي عدوان). وأضاف ان اسرائيل تعيش حالة تمزق عصبي في داخلها, ويتخذ التمزق من شكل عصبيات معقدة متأججة ذات طبيعة اثنية وطائفية, مشيراً الى ان ذلك ينعكس اضطرابا تعبر عنه تحولات الرأي العام الاسرائيلي من الليكود وإلى العمل وبالعكس. وعرج على الواقع العربي قائلاً ان حالة الضياع العربي هي التي تحمي اسرائيل من مغبات التمزق الذي تعانيه, وأضاف ان الشعب العربي لم يجد أمامه: (الا ان يستحضر من ماضيه مخزونه الحضاري, يستعين به على جور واقعه ليصون به هويته على الأقل, في هذه البيئة نمت الحالة الاسلامية ولا أقول الحركات الاسلامية تعبيرا عن الممانعة والرفض أكثر مما هي تعبير عن مشروع؟ وأضاف: (ان هذه الحالة الاسلامية ــ بما صانته من هوية, حفظت لأمتها الكثير, هيأت المناخ الملائم لتنامي حالات المقاومة, والتي كان أبرزها حزب الله والمقاومة الاسلامية في لبنان). وأبدى واكيم تفاؤله بما حققته طلائع شابة في مصر, هذه الطلائع اذ عبرت عن ضمير الشعب وقادت مقاومته ضد التطبيع, أرست الأسس الصلبة لتحولات كبيرة تعد بأن تعيد مصر الى الموقع والدور اللذين كانا لها تحت زعامة جمال عبدالناصر. وخلص المعارض اللبناني الى ان شيئاً كبيراً يجب أن يحدث ويخرج المنطقة من هذا الاحتقان الذي يتفاقم, وحذر من انه مع استبعاد وقوع حرب شاملة أو حروب بديلة على غرار ما حدث في الخليج, فهناك تخوف من اندفاع لبنان ــ أو دفعه ــ الى أتون حرب أهلية, من جديد مشيراً الى ان تفتيت لبنان هذه المرة انما يراد منه أن يمتد الى المناطق العربية المحيطة, واستطرد قائلاً: (توطين الفلسطينيين في لبنان) أو (دفع الفلسطينيين إلى الأردن وجعله وطناً بديلاً) ربما يكون أحد عناوين الفتنة الداخلية في لبنان والأردن. وأضاف: (أعارض توطين الفلسطينيين في لبنان من منطلق الحفاظ على القضية الفلسطينية, ولكن من يرفضون التوطين من أرضية عنصرية لا تهمهم في الحقيقة سيادة لبنان وانما يسعون الى تمزيقه). وشدد واكيم على خطر الدعوات الطائفية والعنصرية قائلاً: (ان لبنان للأسف لم يكن في تاريخه بلدا سيداً, فالانقسام الطائفي جعل كل طائفة مركزا لقوة خارجية وبمرور الزمن اختلفت الولاءات, فالولاء لفرنسا تحول الى ولاء لأمريكا والولاء لتركيا تحول الى ولاء للسعودية وايران, إلا ان نفوذ القوى الخارجية ما زال موجوداً وتساءل مستنكراً هل يمكن أن نكون محتلين بالمفرق أحراراً بالجملة؟). ورداً على سؤال لـ (البيان) قال ان كتابة (الأيادي السوداء), لم يكن مخصصاً للهجوم على الحريري فقط, ولكنه هاجم جميع رموز الفساد السياسي والاداري الذي أضاع على لبنان 30 مليار دولار في عشر سنوات. وسألت (البيان) عن السبب في تراجع تأثير التيار الناصري في لبنان وتراجع دوره شخصياً على نحو لم يستطع معه دخول البرلمان الحالي فعزا ضعف التيار القومي والناصري الى حالة التمزق التي تعيشها الأحزاب والرموز المنتمية لهذا التيار, غير انه أوضح ان احجامه عن دخول الانتخابات الأخيرة كان لعدم ايمانه بجدوى المقاومة داخل (أطر فاسدة) مما جعله يفضل عدم الدخول الى الانتخابات خاصة مع ما وصفه بتدخل المال في هذه الانتخابات. والمعروف ان واكيم نائب سابق عن بيروت, وهو من أكثر المعارضين شهرة للحكومات اللبنانية وخصوصاً حكومة رفيق الحريري, وهو ينتمي لأسرة مسيحية محافظة غير انه ينتمي سياسيا الى التيار الناصري القومي ويتزعم (حركة الشعب) التي يصفها بأنها حركة ناشئة لم تصبح حزباً بعد, ولم يعين رئيساً لها بعد مشيرا الى ان الحركة بدأت الاتصالات بعدد من التجمعات السياسية القريبة منها في عدة بلدان عربية تمهيداً لعقد مؤتمر قومي عربي قريباً لم يحدد موعده أو مكان انعقاده بعد. وأسمى واكيم أحد أبنائه عمر والآخر جمال اعلانا عن رفضه للعنصرية وعن انتمائه القومي.
