اصبحت الهجرة المشكلة رقم واحد في اسبانيا التي تعد من ضمن الدول الاوروبية الفقيرة والتي كانت نفسها قاعدة لانطلاق الاف المهاجرين الى دول اوروبية اخرى مثل المانيا وبريطانيا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. وتشهد اسبانيا حاليا جوا من تظاهرات الاحتجاج والاضرابات عن الطعام من جانب المهاجرين الراغبين في اضفاء الشرعية على اوضاعهم حيث صارت الاوضاع في مدنها قابلة للانفجار وكأنها برميل بارود حيث اعترف وزير الداخلية جايمي مايور ان الهجرة اصبحت المشكلة رقم واحد في البلاد بعد مشكلة ارهاب منظمة (ايتا) الانفصالية. وبالرغم من هذا فان المهاجرين يعتبرون من الناحية النظرية نعمة لاسبانيا لانها بحاجة ماسة لهم للحفاظ على شعبها من الهرم ولزيادة عدد سكانها عن طريق تناسل المهاجرين. ولا يشكل المهاجرون حتى الان سوى أقل من نسبة ثلاثة بالمئة من إجمالي سكان أسبانيا البالغ عددهم أربعين مليون نسمة, إلا أن تدفقهم يزداد بصورة متواصلة. وفي العام الماضي ألقت الشرطة القبض على ما يزيد على 15,000 مهاجر غير شرعي في إقليم الاندلس وحده. كما أن التجارة الاجرامية (لتهريب الافراد) آخذة في الازدهار في المغرب المجاورة, حيث تتحول العصابات بصورة متزايدة من تجارة الحشيش إلى تجارة نقل الاشخاص إلى أسبانيا تحت جنح الظلام. ويخسر العشرات من المهاجرين غير الشرعيين كل عام حياتهم غرقا نتيجة جنوح القوارب المتداعية التي تقلهم أثناء عبورها مضيق جبل طارق العاصف. كما يأتي المهاجرون غير الشرعيين أيضا عن طريق البر والجو من شرق أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ومن الناحية النظرية فإنه يمكن اعتبار هؤلاء المهاجرين بمثابة نعمة لاسبانيا. فمع وصول معدل المواليد إلى 1.07 طفلا فقط, في المتوسط, لكل امرأة تكون أسبانيا في حاجة ماسة للمهاجرين للحفاظ على شعبها من الهرم, ولولا هؤلاء المهاجرين لكان عدد المواليد قد تناقص بالفعل إلى معدل يقل عن عدد الوفيات. ولا تحتاج أسبانيا فقط لمزيد من المواليد لكي يكونوا مصدرا للمعاشات التي ستدفع لكبار السن في المستقبل, ولكن توجد قطاعات معينة من الاقتصاد بحاجة ملحة للمزيد من العمال. ووفقا لتنبؤات المنظمات الدولية, فإن قطاعات مثل الزراعة والتشييد ستحتاج بحلول عام 2020 إلى 300,000 عامل من المهاجرين الجدد سنويا. ومع ذلك فان وصول أناس من ثقافات وحضارات مختلفة إلى أسبانيا إنما يشكل في واقع الامر الكثير من المشاكل. فذكريات القرون القديمة لحرب إعادة الفتوحات الاسبانية ضد الفاتحين المسلمين مازالت راسخة في أذهان الاسبان الذين يطلقون على العرب اسم ( فاتحي الاندلس ) وما يدل على ذلك أن الجالية المغربية الكبيرة العدد في أسبانيا والمكونة من حوالي 200,000 شخص, وهي أكبر جالية من المهاجرين, مازالت الاكثر تعرضا للهجمات العنصرية في أسبانيا. من جانبها ردت الحكومة على ذلك مؤشرات تبعث على مزيد من التشوش والارتباك, فقد أبدت في البداية دعمها لقانون يقضي بحرية الهجرة, إلا أنها تسعى الان لتمرير قانون اشد قسوة. وبموجب هذا القانون سيتم طرد 30,000 على الاقل من المهاجرين غير الشرعيين الذين يصل عددهم إلى حوالي 150000 شخص. وقد أدى القانون الجديد إلى انتشار المظاهرات في جميع أنحاء البلاد حيث قام المهاجرون غير الشرعيين بتنظيم إضرابات عن الطعام وعمليات اعتصام احتجاجا على تعهد حكومي بإعادة النظر في طلبات إقامتهم في أسبانيا. كما نظم حوالي 50,000 شخص مظاهرة احتجاج على القانون الجديد في برشلونة مؤخرا. رويترز