من المفروغ منه ان بيل كلينتون اثبت ان هناك (طريقة ثالثة) في السياسة الا وهي (طريقة كلينتون). فهذا الرئيس الذي حير اولئك الذين لم يتمكنوا من زجر المشاكس الذي احيل الى المساءلة, وخيب امال اولئك الذين كانوا ينتظرون عطاء اكبر منه, جلب الى البلاد الدهاء السياسي وجملة مواقف من سوء التقدير الفظيعة, وفصولا من القيادة الماهرة. لقد حقق كلينتون وروض, دون أن يدمر, اقوى نمو اقتصادي عرفته البلاد. وكل ذلك في رحلة الثماني سنوات في الحكم والتي تميزت بالفشل على صعيد تأمين العناية الطبية ونجاح حملة اصلاح الضمان الاجتماعي ومجموعة كبيرة من الانجازات المتواضعة, وتكلم عن مواضيع كبرى مثل الوئام العنصري واقترح فرض ارتداء المريول على تلاميذ المدارس. وفي غضون ذلك كشف كلينتون عن دورة اخفاق وانبعاث جديد بدت انها تعمل مستقلة عن القوى المحيطة به, وعن (فتى الصعود) الذي يعود دائما من المستويات المتدنية التي وجد نفسه فيها. وفي واحدة من مثل هذه الورطات, حسب احد المستشارين الذي كان حاضرا خلال الجدل, قالت هيلاري رودهام لزوجها: (اتعرف, ينبغي ان تكف عن الاضطرار الى وجود احد ينقذك من ورطتك). ورد كلينتون: (احلف لك, هذه اخر مرة). كان ذلك في العام 1994 فقط. ومن الصعب ان نتذكر في اخر ايام الرئيس الواثق من نفسه ثابت الخطوات هذا الشخص شارد الذهن الذي, في عامه السادس والاربعين, اصبح اول رئيس امريكي مولود بعد الحرب العالمية الثانية, وكان قد آن الأوان ليبرهن جيل ما بعد (اعظم الاجيال), اي جيل الرؤساء الذين سبقوه, ماذا يستطيعون ان يعملوا. وجاء كلينتون الى الرئاسة بسلسلة من الاولويات: (تأمين العناية الصحية للجميع, وتخفيض العجز, وزيادة فرص العمل, ومكافحة الجريمة, وتوفير التعليم الجامعي والتجارة الحرة. ولعل هذا الزخم اضاع معنى كلمة (اولوية) وقد سعى الى اثبات ان هناك طريقة ثالثة بين سياسات اليسار واليمين, وقاد نماذج من قيادات مختلف قطاعات الاعمال الى مناقشات دامت 19 ساعة امام كاميرات التلفزيون قبل ان يتسلم مقاليد الحكم. وبعد محاولات متقطعة و بدايات جديدة ومطبات, شكل مجلس وزرائه الاول الذي شكل فيه البيض اقلية. وقد احس الجميع بالطاقة الدافقة التي كانت تدفعه, وميله الى كسر التقاليد وقال: (يبدو انك لا تستطيع ان تفعل شيئا واحدا في هذه المدينة. ولكنني غير مستعد لاعترف بذلك). واول مسألة (علق) كلينتون فيها كانت قضية منع الممثلين من دخول المؤسسة العسكرية. وما ان انقضى اسبوعه الاول في الحكم حتى اعلن عن خطوات لرفع ذلك الحظر خلال ستة اشهر, منفذا في غضون ذلك انصاف خطوات, تحولت في النهاية (الحل الوسط) المتمثل في فلسفة (لا تسأل, لا تجب) التي لم ترض احدا. واسند كلينتون مسئولية الاشراف على العناية الطبية الى زوجته, وسرعان ما اطلت مسألة اخرى مثيرة للجدل, اذ قدم للكونجرس خطته الخاصة بالموازنة العامة والتي تسعى الى الحد من العجز بمقدار 500 مليار دولار تقريبا, نصفه عن طريق الضرائب. وقد اقر الكونجرس الخطة في النهاية بصوت مرجح واحد في مجلس الشيوخ هو صوت نائبه في الرئاسة, وبعد سنوات دخلت الموازنة في سياق الامور كنقطة الانطلاق نحو صعود مستديم وثابت من عقود العجز الى مرحلة الفائض. وهذا من رئيس ديمقراطي ولكن في نهاية أول مئة يوم له في الرئاسة بدأت علامات التعجب تظهر في واشنطن. كان كلينتون يحاول الكثير ويحقق القليل, وذلك في رأي مدير موازنته العامة. والشيء الذي كان ينبغي ان يكون حلم الرئيس, حلم ان يكون الكونجرس بشقيه في أيدي حزبه بدا اشبه بالفخ. وبدت الطريقة الثالثة غير مختلفة عن الطريقة القديمة: ليبراليون ضد محافظين, ديمقراطيون ضد جمهوريين والمشككون الاعتياديون يقدمون نقاط الجدل القديمة نفسها. ومع انه من عشاق استطلاعات الرأي وقارئ نهم في التاريخ, لم يكن كلينتون يتوانى عن ضرب اي نصيحة تقدم له عرض الحائط, وقد قال ذات مرة: (يبدو انني افشلت نفسي كثيرا, ثم مضى في طريقة عمله وتعامله مع الامور. وفي شهر اغسطس 1993 قدم كلينتون الى الكونجرس خطته لاصلاح الضمان الصحي وجعله في متناول الجميع, وقد كانت خطة معقدة وضعت سريا, ولكن النقاد عرضوها بشكل مبسط للغاية واتهموا الحكومة بأنها تحاول الاستيلاء على العناية الصحية, وقد ظل الكونجرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون يتقاذفون الخطة طوال سنة تقريبا, قبل ان يقتلوها. وبدأت تحقيقات قضية وايتووتر الطويلة والبطيئة في العام 1994 وكذلك ظهرت مجموعة من المسائل المتعلقة باداب واخلاقيات العمل مما اثار شعورا مقلقا بأن الوعد الذي قطعه كلينتون بأنه سيدير انظف ادارة امريكية في التاريخ لن يتحقق. والانجازات التي حققها كلينتون مثل اقرار العطلة العائلية, معاهدة التجارة الحرة في امريكا الشمالية, اتفاقية السلام في الشرق الاوسط التي وقعت في البيت الابيض, واعادة زعيم هايتي الى بلده بواسطة القوات الامريكية ومراقبة الاسلحة, وزيادة المخصصات المالية للشرطة في الطرق لم تغط في ذهن الناس او تخف العكر في اداراته. ومع الدعم الذي حققوه تحت شعار (تعاهد مع امريكا) غزا الجمهوريون مجلسي الكونجرس لاول مرة منذ 40 سنة. ووفر هذا التغيير لكلينتون فرصة غريبة. كانت رسالتهم (الجمهوريين) مؤلفة من كلمتين: (حكومة أقل) (اي الحد من الاشراف الحكومي), اما رسالتنا فقد استغرقت تلاوتها ساعة كاملة. الا ان ذلك لم يدم طويلا, واعلن كلينتون في رسالته عن حالة الاتحاد في العام 1996: (ان عصر الحكومات الكبيرة قد انتهى). وبدأت حظوظه تتحسن. وفي تعليق هو اشبه باقرار بوصوله الى القعر, شدد كلينتون في ابريل 1995 انه لا يزال له (دور) وتفجير مبنى الحكومة الفيدرالية في اوكلاهوما سيتي في ذلك الشهر أبرز كحادث (ضرورة وجوده بفاعلية) اكثر مما فعلته تصريحاته. فقد رأى الامريكيون مقدرته على التعاطف والمراس. وتصاعدت شعبيته في استطلاعات الرأي الى اكثر من 50 في المئة واخذت تتصاعد من هناك. وبدهائه قهر كلينتون جمهوريي الكونجرس في مسألة الخلاف على الموازنة الذي ادى الى شلل الحكومة. فبالطريقة نفسها التي انتقدوا فيها خطته الصحية, هاجمهم كلينتون كمتطرفين, ومارس حق الفيتو اللذيذ سياسيا ضد مشروع قرار جمهوري كان سيؤدي الى تخفيف الاتفاق على التعليم بأكثر من مليار دولار. هارولد ايكس, مساعد كلينتون الذي سر بالتطورات لاحظ ان خطاباته اصبحت اقصر من ذي قبل. واصبح جدول الاعمال الجمهوري الوسطي الغامض الذي رأى الأمريكيون مجرد لمحات منه في السابق اكثر وضوحا. واتضحت طريقة التثليث التي انتهجتها, وهي تعبير شعبي كالطريقة الثالثة تلك, التي وضعته على المسافة نفسها من ديمقراطيي وجمهوريين الكونجرس على حد سواء, ولكن على اتصال مع الجانبين. قبل ثلاثة اشهر من انتخابات الرئاسة الثانية له وقع كلينتون على قانون للضمان الاجتماعي يفرض عملا على متلقي الاعانات القادرين وانهاء دفع المبالغ النقدية للفقراء. وانخفض عدد الاشخاص المدرجين في قوائم الانعاش اكثر من النصف. الا ان اثر اعادة تنظيم الهيكلية هذا لم يتعرض للاختبار بعد في ظروف النكسات الاقتصادية. وفي انتخابات ذلك الخريف, هزم كلينتون منافسه الجمهوري, بوب دول, فأصبح اول ديمقراطي يعاد انتخابه منذ هاري ترومان, بل وقد حسن اداءه أمام صناديق الاقتراع اذ نال 49.3 بالمئة من الاصوات الشعبية, بالمقارنة مع 43 في المئة من الاصوات الشعبية في انتخابه الاول في العام 1992. وعادة ما يكون الفوز في معركة اعادة الانتخاب ليس شيئا يستحق المفاخرة به كثيرا, فالتفت كلينتون الى الكتب للاستعداد ولمواجهة المطبات, قائلا: (انني اعرف صعوبات التاريخ وسوف احاول ان اتغلب عليها). ولقد اثبتت الايام انه لايزال يتمتع بالحيوية, وتعلم ايضاً ان يوازن الامور, ولم تجرفه ازمات خارجية. وهذه المرة كانت مشاكله داخلية ومن صنعه هو. فقد اضافت مخالفات جمع التبرعات لحملته الانتخابية علامة جديدة الى كومة من مخالفات آداب العمل والانتهاكات الاخلاقية, ومن بينها اقامة حفلة للمتبرعين لحملته شملت البيت الابيض, وظهور مزاعم عن اقامته علاقات نسائية وادلة محيرة في تحقيقات وايت واتر ناشئة عن مشروع تنمية اراض من ايام وجوده في حاكمية ولاية اركنساس. ورغم ذلك, قال له (الناطق باسم فضائحه) لاني دايفيس في ديسمبر 1997, انه يعتقد انه يستطيع ان يعود الى ممارسة عمله كمحام (لأن اسوأ قصص الفضائح اصبحت وراءنا). وفي كتابه يقول دايفيس: (اعتقد انني كنت مخطئاً في ذلك التقدير). وفي 21 يناير 1998 نفى كلينتون الانباء الصحفية والتلفزيونية والاذاعية والمنشورة على شبكة الانترنت, انه اقام علاقة (غير لائقة) مع الموظفة المتدربة في البيت الابيض مونيكا لوينسكي. وبعد خمسة ايام قال: (لم اقم بعلاقة جنسية مع تلك الفتاة, الآنسة لوينسكي. ولم اطلب من احد ان يكذب). واستغرق تقديم كل تلك المعلومات المتكشفة والنفي والتحقيقات والاكاذيب والاعترافات المرة والاعتذارات اكثر من سنة على مسرح السياسة والقضاء, وورد ذكرها في رسالتين عن حالة الاتحاد, وشدت انظار المواطنين وسببت الاشمئزاز عند الكثيرين سواء من حيث تفاصيل السلوك المشين وطريقة تشبث المحققين واصرارهم على النيل منه. وامتص الامريكيون بنهم بالغ كل التفاصيل, ولعل لا احد كان له مهرب من ذلك ـ من اعترافات مونيكا الحميمة المسجلة سراً على شريط الى الفستان الازرق, وادلة الحمض النووي التي اوقعت كلينتون في الفخ وشريط فيديو افادته المحزنة والمضللة ومحاكمته, وتبرئته امام الكونجرس في 12 فبراير 1999. وفي غمرة هذه المعمعة الاخلاقية قدم كلينتون اقتراحاً بأول موازنة عامة متوازنة في 30 سنة. الاقتصاد المنتعش يبدو انه بدأ يصبح اسطورة. وفي مقابلة مع مجلة (ذي نيويوركر) تذكر انه في اواسط رئاسته الثانية بدأ يعي ان سياسته اخذت تؤتي ثمارها اخيراً. وقال: (الامور تسير على ما يرام). وكان ذلك في العام 1998. والامريكيون الذين استاءوا من سلوكه الشخصي صفقوا له لأدائه في المنصب كرئيس. ومع ذلك ثمة شعور باضاعة الفرص عالق فوقه ايضا فرغم الرصيد الذي كسبه كرئيس ذي شعبية كبيرة في الاوقات المؤاتية فهو لم يستطع ان يحل المشكلة الرئيسية التي سببها جيله وهي مشكلة الضغط على الموارد المالية وعلى الضمان الاجتماعي والعناية الصحية فزاد عدد الامريكيين المحرومين من التأمين الصحي بعض الشيء عن عددهم اوان مجيئة الى الرئاسة. وستبقى المحاكمة لطخة دائمة على جبين كلينتون غير انه ظل واقفا مدة كافية, حوالي السنتين, بعد مهزلة لوينسكي لكي ينظر اليه الناس من زاوية رجل هو غير الذي اساء الى مقام الرئاسة. وطبعا وفرت الغارات الجوية التي شنتها طائرات الحلف الاطلسي ضد الصرب من خلال اكبر تعبئة عسكرية امر بها كلينتون, شيئا الهى به الناس عن المحاكمة التي جرت في الكونجرس قبل اقل من شهرين. ولاتزال القوات الامريكية موجودة في البلقان بصفة المحافظة على السلام الا ان سلوبودان ميلوسيفيتش هو خارج السلطة فيما تحاول واشنطن وبلجراد اقامة (شراكة) جديدة بينهما. ومع عدم وجود اجماع على كفاءة كلينتون في السياسة الخارجية فقد اكتسب مع الوقت الكثير من الثقة بالنفس وابدى اهتماما اكبر بالامور التي عالجها, وقد تميزت شهوره الاولى في الحكم بعملية في الصومال, وهي عملية بدأت في العهد السابق, وانتهت بمقتل 18 جنديا امريكيا وجر جثة طيار امريكي في الشوارع. وقد لسعته هذه الحادثة الى درجة انه امتنع عن التدخل لمحاولة وضع حد للابادة العنصرية في رواندا, وقد ندم على ذلك لاحقا وقطع اشواطا على درب احلال السلام في ايسلندا الشمالية والبوسنة, وتحول الى صانع سلام محبط في الشرق الاوسط رغم الجهود الكبيرة التي بذلها. وازدادت شهية كلينتون للسفر الى الخارج فقام ببعض الرحلات بعضها ذات طابع نادر, مثل زيارته الى فيتنام في اواخر السنة الماضية, والتي كانت اول زيارة من نوعها لرئيس امريكي منذ 30 سنة. وسواء في الخارج او في الداخل, بدا الرئيس كلينتون في اشهره الاخيرة ملما بالحقائق وقادرا على الوصول الى جوهر الامور بكلمات بالغة ومؤثرة. وقد تجلى ذلك عندما تقدم نائب الرئيس آل جور والجمهوري جورج دبليو بوش للتنافس على مقعد كلينتون, فرأى فيهما الامريكيون رجلين لايملكان بلاغة الرئيس. الكلمات والاعمال والاخطاء كلها ستشكل مادة دسمة للمؤرخين ومادة يشغل فيها كلينتون نفسه. وبالتأكيد لن تكون كل الاحكام عليه ايجابية او كلها سلبية, ولعل المستقبل سيلفت وينظر اليه بطريقة ثالثة ما.