في غمار نشر امريكا لمدرسة التعبيرية التجريدية في الفن كسلاح من اسلحة الحرب الباردة, لجأت الى استغلال الدين, كما تقول المؤلفة, وذلك بطرق تثير الدهشة حيث نفذت عملية اطلاق عشرة آلاف بالون، تحمل نسخا من الانجيل لتعبر الستار الحديدي. وسميت هذه العملية باسم (مشروع بالون الانجيل) لعام 1954, وكان احد القوانين التي وافق عليها الكونجرس في 14 يونيو 1954 قد سمح بتعديل نص قسم الاخلاص بحيث يشمل تعبيرا محددا هو: (شعب واحد في رعاية الله), وقد وصف ايزنهاور هذه العبارة بأنها (تعيد التأكيد على سمو الايمان الديني في تراث امريكا وفي المستقبل, وهكذا سوف نقوي دائما تلك الاسلحة الروحية التي ستكون الى الابد اقوى مصدر في السلام وفي الحرب). وحتى الدولارات بدأت تظهر عليها عبارة دينية بعد ان امر الكونجرس في عام 1956 بأن تكون عبارة (إنا بالله نثق) الشعار الرسمي. وتروى مؤلفة كتابنا ما ذكره مؤرخ امريكي تأكيدا لاستغلال المشاعر الدينية لدى الشعوب حيث يقول ذلك المؤرخ: (لماذا نضع خطة خمسية لانفسنا بينما يبدو ان الرب قد وضع لنا خطة جاهزة لالف سنة؟) وفي ظل هذا المنطق بدأ التأثير السياسي يتسلل الى التقاليد المسيحية وبدأ تلقين التلاميذ في المدارس بتعاليم مفادها انه: (في التاريخ كرمت كل عقيدة اولئك الاعضاء الذين قضوا على العدو, ان هزيمة العدو هي الشيء الصحيح الذي يجب ان نفعله) واشارت تلك التعاليم الى انه توجد بعض الحدود بالنسبة للغايات والوسائل, ولكن ذلك غير مهم بالنسبة للغرباء الذين لاينتمون الى الوطن نفسه, وفي هذه الحالة فلا حدود لما يمكن ان نفعله بهم, وانتهت تلك التعاليم الى تأكيد ان الروس (برابرة), وعملت الاوامر العقائدية على تحريك محاربي الحرب الباردة وكان الان دالاس ــ رجل المخابرات الامريكية ــ محبا للاقتباس من الانجيل بما يفيده في استغلاله للجواسيس. من هنا أطل مكارثي عندما انتقلت وكالة المخابرات المركزية الى المجمع الجديد الفسيح في غابات فرجينيا عام 1961 امر دالاس بحفر العبارة الاثيرة لديه, وهي: (اما انت فستعرف الحقيقة, والحقيقة سوف تجعلك حرا). وكان هنري لوس ــ ابن المبشرين الامريكيين ــ معجبا بكتابة العبارة التالية: الوعد العظيم هو: ابحث وسوف تجد! وكان يقول ان هذا هو الوعد هو الاساس الذي اسست عليه امريكا. وقد تحولت زوجته كلير بوث لوس الى اعتناق الكاثوليكية الرومانية بعد وفاة ابنتها في حادث سيارة وعندما عينت مسز لوس سفيرة للولايات المتحدة في ايطاليا, اثارت جدالا مع بابا الفاتيكان حول المذاهب المسيحية, مما اثار غضب البابا الذي قال لها مذكرا: (ولكنني انا ايضا كاثوليكي ايتها السيدة!). وكان هنري لوس يعتبر الحرب الباردة حربا مقدسة, وقرر ان تكون مؤسسة (تايم) ملتزمة بهدف دائم هو هزيمة الشيوعية في العالم وكان العالم اللاهوتي الاثير لديه هو رينهولد تايبور الراعي الفخري لمنظمة مؤتمر الحرية الثقافية التي مولتها المخابرات الامريكية, وكان هذا العالم من دعاة الحرب الباردة ويؤمن بأن اقامة توازن قوي محسوب امر له الاولوية بالاضافة الى اسناد المسئولية الشاملة عن السياسة الخارجية الى سلطة نخبوية. وترى المؤلفة ان تكريس مفهوم قوامه ان المستقبل سيتقرر من خلال الصراع بين معسكرين هما من يؤمنون بالله ومن لايؤمنون به قد قلل من اهمية تعقيدات العلاقات الدولية, وحولها الى مجرد صراع بين قوى النور وقوى الظلام, وكان معنى هذا ان خطاب السياسة الخارجية الامريكية انحصر في عمليات تمييز قاومت اعمال العقل والمنطق. وتخرج المؤلفة من ذلك الى ان هذا المناخ هو الذي افرز السناتور جو مكارثي ومن المعالم الغريبة لجلسات مكارثي للتحقيق حول الانشطة المعادية لامريكا انها ابدت اهتماما بالاسماء التي قدمت لها اقل من اهتمامها باختبار مدى صدق اعترافات الشهود, وكان ليزلى فيدلر وصديقه ايرفنج كريستول قد اكتشفا لعبة الايديولوجيا في اوائل الخمسينيات, ووصف فيدلر عملية التحقيق بأنها طقوس رمزية وذكر ان (الاعتراف في حد ذاته لم يكن شيئا يذكر, ولكن بغير الاعتراف لم يكن في استطاعتنا ان نتقدم من ليبرالية البراءة الى ليبرالية المسئولية), ومن المنظمات التي ارتبطت كثيرا بالاعتراف العام الرمزي اللجنة الامريكية للحرية الثقافية. وقد كوفىء اليا كازان بمنحه عضوية اللجنة الامريكية بعد ان قدم مجموعة اسماء الى جلسات الاستماع التي عقدها ماكارثي في ابريل 1952, وكانت اللجنة الامريكية للحرية الثقافية متحمسة آنذاك لخوض معارك للدفاع عنه, وقد دافع سول ستاين عن ستديو كازان المسمى (ستديو الممثل) حماية له من هجمات جماعة متطرفة معادية للشيوعية وزعم ستاين ان كازان (أنجز الدور الصحيح للمعادين للشيوعية في المسرح) وحاول ستاين تبرير رأيه بقوله: (يجب ان نعطى الفرصة لاولئك الذين ساندوا الشيوعيين في الماضي, لكي يوجهوا قواهم الى مشروعات وجهود اصيلة معادية للشيوعية اذا كان ذلك متوافقا مع قناعاتهم الحالية). الحرية المقاتلة اخذ بعض كتاب الاعمدة الصحفية يروج عبارة (الحرية المقاتلة) وقد ادت هذه العبارة الى تنظيم حملة سرية شارك فيها البنتاجون, وسلاح البحرية ومجلس الامن القومي, ومجلس تنسيق العمليات, من اجل اقحام موضوع (الحرية) في الافلام الامريكية وفي 16 ديسمبر 1955 عقد اجتماع سري ضم رؤساء الاركان المشتركة لمناقشة كيفية استغلال عبارة: (الحرية المقاتلة) في انتاج هوليوود. وجاء في تقرير سري للغاية ان تلك العبارة صيغت (لشرح الظروف الحقيقية في ظل الشيوعية بعبارات بسيطة, ولشرح المبادئ التي تستند اليها الحياة في العالم الحر, وكذلك لتنبيه الناس الاحرار الى فهم ضخامة الخطر الناشىء عن مواجهة العالم الحر ولتوليد الدافع الى محاربة هذا التهديد). كانت الفكرة تتمثل في ضرورة ايجاد شعار او عبارة سياسية ملفتة للنظر بحيث تولد لدى معظم الناس الشعور بأنها ظهرت بشكل عفوى بينما هذه العبارة قد ادخلت عمدا إلى ثقافة هؤلاء الناس وهذا ما اشار الىه المؤرخ الثقافي كريستوفر سمبسون, وقد وافقت اعلى السلطات على استخدام شعار (الحرية المقاتلة) كأساس نظري للحملات, وفي السنة التالية وجد البنتاجون الامريكي الصيغة المحددة لتوصيل تلك الرسالة وفي يونيو ويوليو 1956 عقد ممثلون لهيئة الاركان المشتركة عدة اجتماعات في كاليفورنيا مع مجموعة من شخصيات هوليوود مكرسة للقضاء على الشيوعية, من بينهم المخرج جون فورد, ميريان كوبر, جون واين, ووارد بوند. وكانت الاجتماعات التي عقدت في مكتب جون فورد في شركة مترو جولدوين ماير, تستمر لمدة ست ساعات وجاء في مذكرة 5 يوليو 1956 ان الممثل جون واين قال: (ان برنامج الحرية المقاتلة سوف يتم ادخاله بحرص في افلامه التي ينتجها هو), ولكي يرى كيف يمكن ان يفعل ذلك دعا جون واين الجميع الى منزله رقم 4570 في شارع لويس افينيو في مساء اليوم التالي, وبعد العشاء عرض فيلمان ونوقشت الكيفية التي تم بها استخدام عبارات ملائمة للحرية وللانماط الثقافية في العالم الحر في هذين الفيلمين. وفي اجتماع آخر اشار ميريان كوبر الى نية انتاج سلسلة افلام على يد كورنيليوس فاندربلت ويتنى, وان تلك الافلام تفتقر الى موضوع رئيسي, وانه يرغب في ان يكون هنا الموضوع هو شعار الحرية المقاتلة وذكر انه قد يدخل هذا الشعار في بقية الافلام, ويعتبر كورنيليوس رجل صناعة ناجحا (سوني) وكان له نصيب في الثروة الهائة التي هبطت ادارتها على ابن عمه (جوك), وكان كورنيليوس على علاقة وثيقة بوكالة المخابرات المركزية الامريكية مثل ابن عمه وقد ابدى استعدادا كبيرا لمعاونتها, وسمح لها بأن تستخدم (صندوق ويتنى) كغطاء للوكالة, وكان كذلك عضوا في الفريق الذي كلف بتأسيس وكالة للحرب السيكولوجية سميت (وكالة استعلامات الامن القومي) ونظرا لانه شارك المنتج السينمائي ديفيد سلزنيك عام 1933 وانتجا معا افلام (مولد نجمة), (ربيكا), و(ذهب مع الريح), فقد قام في عام 1954 بتأسيس شركة افلام (سي.ثي وتينى), وصرح بأنه يريد (انتاج ما يمكن ان يسميه (مسلسلات امريكية) لكي يبين بلاده لشعبه وكذلك لكي يطمئن الى ان بقية العالم تعرف المزيد عنها). وكان اول انتاج له هو المسلسل الامريكي (الباحثون) الذي بلغت تكاليف انتاجه ثلاثة ملايين دولار, وقام باخراجه جون فورد. وخلال الحرب كان جون فورد رئيسا لفرع مكتب الخدمات الاستراتيجية للتصوير الميداني, وكانت مهمته تصوير العمليات الخاصة واعمال التخريب والمقاومة في اوروبا المحتلة كذلك كلف بمهام خاصة تضمنت تصوير افلام سرية للغاية لعرضها على القيادات الحكومية وفي عام 1946 انشأ شركته الخاصة للانتاج السينمائي باسم (شركة افلام ارجوسي). تجسيد الامركة بجانب فورد وميريان كوبر, كان جميع المستثمرين الاساسيين من اعضاء مكتب الخدمات الاستراتيجية وهم: ويليام دونوفان, واول دورينج, وديفيد بروس, وويليام فاندربلت, وكان فورد مؤيدا تأييدا كاملا لفكرة قيام وكالات المخابرات الحكومية, باقتراح موضوعات على اهل هوليوود, وطلب من تلك الوكالات أن يتركوا له ست نسخ من كتيب (الحرية المقاتلة ويرسلوا اليه اثنتي عشرة نسخة اخرى حتى يستطيع توزيعها على كتّاب السيناريو العاملين معه ليتعلموا رموز هذا المفهوم وبعد ذلك طلب ارسال ممثل لهيئة الاركان المشتركة الى بنساكولا في فلوريدا حيث كان يجرى تصوير فيلم (أجنحة النسور), لكي يساعد في تضمين عناصر مفهوم الحرية المقاتلة في سياق الفيلم. وجاء لتنفيذ هذه المهمة ميريان كوبر الذي كان قد حارب ضد بانشو فيللا, وكان طيارا تابعا للجيش وأسقط الالمان طائرته فوق فرنسا عام 1918, وعندما اصبح منتجا في شركة (آر.كي.أو) في الثلاثينيات, كان مسئولا عن الجمع بين الممثل فريد استير والممثلة جينجر رودجرز, كذلك جاء الى موقع تصوير فيلم اجنحة النسور وارد بوند رئيس شركة (أللاينس للأفلام السينمائية) من اجل الحفاظ على المثل الامريكية) وهي منظمة كرست جهودها لطرد الشيوعيين من صناعة السينما, ولمساعدة اللجنة البرلمانية للانشطة غير الامريكية, وقال احد معارف بوند (انه مستعد ليفعل اي شيء يجعله يشعر بأهميته حتى ولو كان ذلك بسحق الناس. واعتاد فورد ـ ـالذي كانت قوائم مكارثي السوداء تحقر من شأنه ـ ان يردد القول: (فلنواجه الامر.. ان وارد بوند نذل ولكنه نذلنا المفضل!) وهكذا كان يعمل كونسورتيوم هوليوود الذي شكل من مجموعة رجال عرفوا بعضهم بعضا لعقود من السنين وبحث كل واحد منهم عن الآخر لكي يدعمه او يفوضه بعمل ما. لقد وجد مفهوم (الحرية المقاتلة) في امريكا التي كانت آنذاك شاعرة بعبء ثقيل ولايضاح موجبات (وتضحيات) السلام الامريكي احتفت هذه الافلام بافكار مثل: الواجب, والجماعة, والاستجابة للاوامر, وهيمنة الجرأة الذكورية البطولية, وهذا هو السياق الذي اصبح فيه الممثل جون واين نموذج الجندي الامريكي وتجسيد (الامركة), رغم ان هذا الممثل بذل اقصى ما في جهده سنوات طويلة ليتهرب من الخدمة العسكرية في الحرب العالمية الثانية, واصبح (الدوق) ــ كما كان يلقب ــ رجل الجبهة الذي يروض العالم, وصنع المؤتمر (مؤتمر الحرية الثقافية), ميدالية على شرفه حفرت عليها الكلمات التالية: (جون واين ــ امريكا) ولكن امريكا الخاصة به كانت بلاد اصطياد الحمر والحقد العنصري. ان الافلام السينمائية, مثل الدعاية, مهنتها الخيال, ولكن اذا صنع هذا الخيال بمهارة فان الناس سوف تتصور انه حقيقة ولكي تقوم هوليوود بهذه المهمة بدقة فقد ادركت الحاجة الى تفصيل قوالبها الخيالية لتناسب المزاج السياسي والاجتماعي السائد, وهكذا تحولت من صناعة افلام معادية للبلشفية في العشرينيات والثلاثينيات الى تمجيد روسيا كحليف في الحرب بأفلام مثل (نجمة الشمال) و(ايام المجد), و(انشودة روسيا), و(مهمة في موسكو), وهي افلام كانت تمدح روسيا وتصف الروس بأنهم مدافعون عن الديمقراطية, ثم مالبثت هوليوود ان تحولت في الخمسينيات الى انتاج سيل من الافلام المعادية للشيوعية مثل (الكابوس الاحمر), (الخطر الاحمر), (غزو الولايات المتحدة الامريكية), (كنت شيوعيا من اجل الإف.بي.آي), (إله الحرب الاحمر), (الستار الحديدي), (جون ولدى), (غزو سارقى القبور), و(السير شرقا في شارع بيكون). وتقول مؤلفة كتابنا ان هذه الافلام كتبها ومولها مكتب المباحث الفيدرالية الامريكية, وكانت احب الافلام الى قلب جي ادجار هوفر شخصيا, وترى المؤلفة ان هذه الافلام كانت غير مقنعة, وكشفت عن وهم عصابي متسلط بالنسبة للغريب والمجهول و(الآخر), ومثلما تحول (كابتن امريكا) من محاربة النازيين الى مقاتلة الشيوعيين, تغير توجه السينما الامريكية نحو المانيا تحولا متطرفا واخذت هوليوود تصور العدو المهزوم وكأنهم مقاتلون ابطال وخصوم جديرون بالاعجاب, في افلام مثل رومل ثعلب الصحراء عام 1952, ومطاردة في البحر عام 1955, والعدو تحتنا عام 1957, وبينما اصبح اعداء يوم الاثنين اصدقاء يوم الثلاثاء, اظهرت هوليوود سهولة نزع صفة الطيب والشرير من شعب واطلاقها على شعب آخر. وبينما لعبت مثل هذه الافلام بجمهور مشاهدين محليين سيطرت عليهم مقولات التهديد الشيوعي, اصبح معظم الامريكيين مقتنعين بأن الروس مقبلون, وأن القنبلة سوف تسقط على رؤوسهم حالا في الليل. اما في السوق العالمية فقد لقيت هذه الافلام عروضاً قليلة في دور السينما, وبالنسبة لأوروبا التي ما زالت جريحة بذكريات الفاشية, لم تكن افلام العنف والكراهية الامريكية المعادية للشيوعية جذابة في اغلبها, غير ان افلاما اخرى لاقت نجاحا اكبر مثل افلام والت ديزي والافلام المبهجة مثل (فيلم اجازة في روما) و(براعة اوز) ولكن لم يكن كل الفرنسيين مبهورين بمثل هذه الافلام. وكانت اتفاقيات متتالية منذ عام 1946 قد تضمنت مواد لضمان زيادة حصة الافلام الامريكية التي تعرض في دول مثل فرنسا. وقد لقيت هذه الاتفاقيات انتقادا شديدا من الدوائر الثقافية في فرنسا, بل وأدت في عام 1948 الى نشوب معارك عنيفة في الشوارع.