من الذي يدفع للزمار (6) ، هاجمها المبدعون العرب باعتبارها (حصان طروادة)

من يتأمل عنوان هذا الكتاب الذكي, والذي يتساءل في الترجمة الحرفية الدقيقة (من الذي يدفع للزمار؟) يدرك على الفور المعنى الذي يختفي وراء هذا العنوان, الذي وجدت ــ في رأيي المتواضع ــ ان استخدام الفعل المضارع هنا والموحي ايضا بالمستقبل من الذي (يدفع للزمار؟) يستقيم مع موضوع الكتاب بما يفيد استمرار نشاط وكالة المخابرات المركزية الامريكية حتى اليوم. ولما كان الكتاب يتناول دور الوكالة الامريكية في الحرب الباردة الثقافية التي كانت موازية للحرب الباردة السياسية التي تفجرت احيانا في بعض المواجهات العسكرية الاقليمية هنا وهناك, فإن المعنى من العنوان يصبح شديد الوضوح, ونعرف منه ان تلك الوكالة كانت تسخر عدداً كبيرا من (الزمارين) في انحاء العالم من الكتاب والادباء والفنانين والمجلات والصحف وغيرها مقابل مبالغ تدفعها لهم. والكتاب في فصوله كافة يحتوى على مئات الاسماء والاماكن والعواصم التي كانت لها صلة بنشاط الوكالة سيئة الصيت مما يجعل مهمة عرض فحواه والالمام بكل ماجاء فيه امرا بالغ الصعوبة, ولذلك لانجد مخرجا الا القفز على بعض الفصول والاحداث التي قد تعني القارىء الامريكي او الاوروبي وحده. حصان طروادة في نقاشنا اليوم نتوقف عند حديث المؤلفة عن (سخاء) وكالة المخابرات المركزية, في دفع الاموال لشراء العملاء وتوظيفهم وهي تشتهر بقول طريف للكاتب في.اس.بريتشت هو كلمة (المصروفات) هي اجمل كلمة في اللغة الانجليزية الحديثة واذاكنا سنبيع ارواحنا فيجب علينا على الاقل ان نبيعها بثمن غال (ثم تحصر مؤلفتنا بعض الصحف التي كانت تتلقى تحويلا من الوكالة او من مؤسسة فارفيلد التي كانت تعمل كغطاء للمخابرات الامريكية. وكانت المخابرات الامريكية توزع مواد بشكل منتظم على الصحف والمجلات الادبية لكي تنشرها على (جمهور عالمي عريض) في جميع انحاء العالم وكان من بين هذه المجلات مجلة (حوار) التي صدرت من بيروت باللغة العربية وظل المثقفون العرب يشكون في امرها الى ان اكدت المؤلفة في كتابها هذا ان المخابرات الامريكية كانت وراء اصدارها, وتستشهد بقول احد عناصر تلك الوكالة, وهو جون هنت الذي قال (نحن لم نكن نبيع ماركتنا المسجلة, ولهذا لم نكن نصر على استخدام اسم منظمة (مؤتمر الحرية الثقافية) وهكذا لم ينكشف العديد من صحف المؤتمر, ولم يعرف احد صلتها بنا, ومن بين تلك الصحف مجلة (حوار) التي اصدرها (المؤتمر) باللغة العربية في اكتوبر 1962 ونشرت على صفحات عددها الاول مقابلة مع الشاعر والاديب البريطاني ت.اس.اليوت, كما نشرت نداء من الاديب الايطالي سيلوني من اجل استقلال الكاتب والفن. ويقر جون هنت بافتضاح امر تلك المجلة بقوله: لقد فشلت محاولات اخفاء ملكية المؤتمر للمجلة, وسرعان ما تعرضت مجلة (حوار) للهجوم ووصفت بأنها (حصان طروادة) ويحاول هنت الصاق مهمة كشف صلة المجلة بالمخابرات الامريكية بصحيفة يصفها بأنها (مسلمة) كعادة الغربيين حين يتحدثون عن اي شيء عربي فيقول: ان (احدى الصحف (المسلمة) ذكرت ان المؤتمر يحاول ترويج نظرياته الشريرة بتوزيع الاموال هنا وهناك وبإصدار مجلات جذابة وبإقامة حفلات الاستقبال والمؤتمرات الضخمة ودعت الصحيفة الى فضح مؤتمر الحرية الثقافية ومقاطعته) على اي حال فشلت هذه المجلة بعد فترة وسرعان ما قررت المخابرات الامريكية اغلاقها. ولم تترك منظمة مؤتمر الحرية الثقافية مجالا الا وتسللت اليه وفي احد فصول الكتاب تتناول المؤلفة استغلال المخابرات الامريكية لفن الرسم, حتى انها كانت تقوم بتمويل المعارض الفنية, وتحشد لها اللوحات الشهيرة والرسامين المعروفين والنقاد والصحافيين. ويقول احد النقاد واسمه فيليب دود (الشيء العظيم الذي يتحقق من وراء اهتمام السي.آي,إيه و السياسيين بالفن هو ان ذلك الفن يعني شيئا بالنسبة لهم, سواء اكانوا من الفاشيين او السوفييت او المخابرات الامريكية, وهكذا يمكن ان يكون هناك زعم خاطىء يرى ان وكالة المخابرات المركزية الامريكية كانت افضل نقاد فن الرسم في امريكا في الخمسينيات لانهم رأوا امكانيات القوة والتأثير في الاعمال التي رسمها فنانون يساريون قدماء, والتي جاءت من وحي السيريالية الاوروبية على الرغم من كراهية المخابرات لهم, ولا تستطيع ان تقول ذلك عن الكثير من نقاد ذلك الزمان. وتستشهد المؤلفة برأي آخر ابداه دونالد جيمسون احد رجال المخابرات الامريكية اذ قال: (فيما يخص التعبيرية التجريدية فإنني اود ان اقول ان وكالة المخابرات المركزية هي التي اخترعت كل شيء عنها لمجرد رغبتها في معرفة ما يجري في نيويورك وماسيجري غدا في حي سوهو). ثم يمضي رجل المخابرات في حديثه, بعد هذه المزحة, ليقدم توضيحا (رزينا) لتورط الوكالة في هذا النشاط فيقول: لقد ادركنا ان هذا هو نوع الفن الذي لاعلاقة له بالواقعية الاشتراكية, وان الواقعية الاشتراكية تبدو اكثر قولبة وجمودا وتقيدا مما تبدو عليه, وقد استغلت هذه العلاقة في بعض المعارض وكانت موسكو في تلك الايام شديدة القسوة في شجبها لاي نوع من عدم التطابق مع قوالبها, ولهذا يمكن للمرء ان يكون منطقيا ودقيقا اذا قال ان اي شيء يلقى انتقادهم الحاد وبطشهم جدير بدعمه بطريقة او بأخرى. المتحف والقناع وكان متحف الفن الحديث هو الذي وقع عليه اختيار الوكالة ليكون القناع الذي تختفي وراءه, ولكي يمارس نشاطه بحيث يبدو بعيدا تماما عنا, وقد كشفت لجان التفتيش على المتحف وجود عدة حلقات اتصال مع وكالة المخابرات المركزية, واولها واشهرها نيلسون روكفلر نفسه الذي كان زمن الحرب رئيسا لوكالة مخابرات حكومية عاملة في امريكا اللاتينية, باسم (مكتب تنسيق الشئون الامريكية المتبادلة) وقد أشرفت تلك الوكالة الى جانب انشطتها الاخرى, على رعاية جولات لمعارض (فن الرسم الامريكي المعاصر) وتم التعاقد مع متحف الفن الحديث على اقامة تسعة عشر معرضا من مجموعها, ولما كان روكفلر وصيا على (صندوق الاخوة روكفلر) الذي كان يعتبر مجمع الفكر في نيويورك والذي تعاقدت معه الحكومة لدراسة الشئون الخارجية, فقد اصبح روكفلر بذلك رئيسا لعدد من اكبر العقول نفوذا في عصرها, والتي صاغ اصحابها مبادىء السياسة الخارجية الامريكية, وفي بداية الخمسينيات تلقى تقارير عن انشطة سرية من الان دالاس وتوم برادن الذي قال بعد ذلك انه افترض ان نيلسون كان على علم بكل شيء نقوم به. وهذا الافتراض المعقول وفر لروكفلر وظيفة مستشار ايزنهاور الخاص لاستراتيجية الحرب الباردة في عام 1954 ورئاسة مجموعة تخطيط التنسيق التي اشرفت على جميع قرارات مجلس الامن القومي بما في ذلك العمليات السرية لوكالة المخابرات المركزية وكان لروكفلر صديق حميم هو جون هاي ويتني ويدللونه باسم (جوك) وكان عضوا في مجلس الوصاية في متحف الفن الحديث لمدة طويلة, وعمل ايضا رئيسا لمجلس ادارته وادار قسم الافلام السينمائية في وكالة مخابرات مكتب تنسيق العلاقات الامريكية المتبادلة التي كان يشرف روكفلر عليها في الفترة من 1940 ـ 1942. واشرف جوك على انتاج افلام مثل فيلم والت ديزني بعنوان (سالوداس اميجوس) عن النوايا الحسنة في علاقات الامريكتين, كذلك انضم الى مكتب الخدمات الاستراتيجية عام 1943 وبعد الحرب اصبح يمتلك شركة ومتحفا خاصاً به, واختار روكفلر ايضا الى جانب صديقه اشخاصاً اخرين على علاقة وثيقة بالمخابرات الامريكية منذ سنوات طويلة, وخاصة مع مؤسسة فارفيلد وغيرها من المؤسسات التي كانت غطاء للوكالة. وقد كتب كثيرون مقالات صحافية تفيد ان متحف الفن الحديث ارتبط ببرنامج الحكومة الامريكية السري للحرب الثقافية وفي عام 1947 قامت ايفا كوكروفت بنشر تحقيق صحافي في مجلة فنية هي (آرت فورم) بعنوان (التعبيرية التجريدية سلاح الحرب الباردة) وقد خلص التحقيق الى تأكيد الصلات القائمة بين سياسة الحرب الباردة الثقافية ونجاح التعبيرية التجريدية وقالت الكاتبة في مقالها ان صياغتها تمت عمدا على يد عدد من اكبر الشخصيات نفوذا ممن كانوا يسيطرون على سياسات المتحف, ويدافعون عن تكتيكات الحرب الباردة التي وضعت لاقناع المثقفين الاوروبيين واضافت ايفا كوكروفت انه في ضوء الدعاية الثقافية كانت اعمال كل من جهاز المخابرات المركزية الثقافي وبرامج متحف الفن الحديث العالمية متماثلة ويدعم بعضها بعضا, وقدم (صندوق الاخوة روكفلر) منحة سنوية للمتحف قدرها 125 الف دولار, بأسعار ذلك الزمان, لكي يقوم بحملة واسعة لتصدير برنامج (التعبيرية التجريدية) التي وصفها احد المسئولين بقوله (انها شكل من اشكال الدعاية الخيرة لكسب الانتلجنسيا الاجنبية). ومع مر السنين زادت المنح للمتحف زيادة كبيرة واخذ يقيم المعارض ويشحن اليها افضل انتاج الرسامين الامريكيين وبحلول عام 1956 كان البرنامج الدولي للمتحف قد نظم 33 معرضا فنيا دوليا, وظهرت سلسلة من المقالات التي ربطت بتحف الفن الحديث وبرنامجه الدولي بالدعاية الثقافية وبوكالة المخابرات المركزية الامريكية, ولم يكن هناك ادنى شك في ان تلك البرامج الغنية, سخرت من اجل الدعاية السياسية وقد اكد ذلك الرئيس الامريكي ايزنهاور عندما تحدث عن الدور السياسي للفن, ووصف الفن الحديث بأنه (أحد اعمدة الحرية). وقبل ايزنهاور كان الرئيس الامريكي هاري ترومان يحب ان يستيقظ مبكرا, وذات مرة توجه في الصباح الباكر الى المتحف الوطني قبل ان تستيقظ المدينة. وقد سجل ترومان جولاته المبكرة تلك في مذكراته وفي عام 1948 وبعد ان تأمل لوحات للرسامين هولبين ورمبرانت سجل الملاحظة التالية: انه لأمر ممتع ان تنظر الى هذا الكمال ثم يذهب فكرك الى هؤلاء يبدو كمن يقارن المسيح بلينين). وبهذا التأنيب للمحدثين كان ترومان يكشف بوضوح عن وجهة نظر تبناها كثير من الامريكيين تربط الفن التجريبي وخاصة التجريدي بدوافع منحلة او هدامة. واصيب بالذعر اولئك الفنانون الطليعيون الاوروبيون الذين كانوا قد هربوا من اسار الفاشية ليجدوا انفسهم في امريكا حيث تلفظ الحداثة مرة اخرى, وكان ذلك بالطبع متوافقا مع الاصولية الثقافية لدى شخصيات مثل مكارثي, كما شكل جزءا من العملية المشوشة التي تبدو فيها امريكا وهي تقمع الحريات داخل الوطن في الوقت الذي تدعو الى حرية التعبير في الخارج. وقام سيناتور جمهوري يدعى جورج دونديرو بشن هجوم شديد القسوة في الكونجرس الامريكي على الحداثة زاعما انها (جزء من مؤامرة دولية لاضعاف العزيمة الامريكية) وقال ان جميع الوان الفن الحديث شيوعية وتطرق من ذلك الى ان اعلن ان التكعيبية تهدف الى التدمير عن طريق بث الفوضى, بينما تهدف المستقبلية الى الهدم عن طريق آلة الخرافات, ومذهب الدادائية بواسطة السخرية, والمدرسة التعبيرية تسعى الى التخريب بواسطة تقليد الاشياء البدائية والجنونية والمذهب التجريدي بواسطة ايجاد الزوابع العقلية, اما السيريالية فهي تسعى الى التدمير عن طريق انكار العقل, وقد طالت تلك الحملة مجموعة من الفنانين كانت قد برزت اواخر الاربعينيات لتمثل الحركة التعبيرية التجريدية, ولكن الحقيقة انها لم تشكل مجموعة, بل كانوا مجرد افراد متفرقين من الرسامين يجمعهم حسن المغامرة الفنية. وبينما كان دونديرو يعتبر التعبيرية التجريدية برهانا على وجود مؤامرة شيوعية, كان مثقفو امريكا يرون العكس, اذ كان من رأيهم ان هذا المذهب الفني يعبر عن ايديولوحية, معادية للشيوعية, وهي ايديولوجية الحرية, وبدون اللجوء الى الرمزية, وفي صمت سياسي اصبح هذا المذهب نقيض الواقعية الاشتراكية, ونوع الفن الذي يبغضه السوفييت. وبحلول عام 1946 كان النقاد يرحبون بالفن الجديد ويصفونه بأنه (فن مستقل ومعتمد على نفسه, وتعبير حقيقي عن الارادة والروح والهوية الوطنية) وكان على رأس ممثلي هذا الاكتشاف الفني الجديد الفنان الامريكي جاكسون بولوك الذي وصف أنها اعظم رسام عرفته امريكا, وبدأت تسيطر على البعض فكرة استغلال المذهب التعبيري التجريدي كوسيلة لحمل العبء الامبريالي وشجب دوايت ماكدونالد هجوم السيناتور الجمهوري ووصفه بأنه ضرب من البلشفية الثقافية وقال انهم بينما يتقدمون للعالم باسم الديمقراطية الامريكية فإن مثل هذه الهجمات تعكس هجمات شمولية على الفن, ولقد اعتاد السوفييت وكثير من الدول اوروبا وصف امريكا بأنها صحراء ثقافية, ويؤدي سلوك اعضاء الكونجرس على هذا النحو الى تأكيد هذا القول ونشأت رغبة ملحة في اقناع العالم بأن لدى امريكا فن يتفق مع عظمتها وحريتها ووجد خبراء الاستراتيجية انهم لن يستطعوا دعم هذه الرغبة بشكل علني بسبب المعارضة المحلية فماذا يفعلون؟ كانت الاجابة هي ان يتحولوا الى وكالة المخابرات المركزية ونشبت معركة لتأكيد فوائد المذهب التعبيري التجريدي في مواجهة محاولات الانقاص من شأنه. وصرح برادن بقوله: اننا نواجه كثيراً من المتاعب مع عضو الكونجرس دونديرو الذي لم يهضم الفن الحديث وجعل من الصعب علينا اقناع الكونجرس ببعض الامور التي اردنا القيام بها مثل ارسال اللوحات الفنية والفرق السميفونية الى خارج ونشر مجلات خارج البلاد وغير ذلك وهذا هو احد الاسباب التي دعتنا الى تنفيذ ذلك سرا, ولكن نشجع الانفتاح كان علينا العمل سرا, وهنا مرة اخرى نجد مفارقة غريبة من مفارقات الاستراتيجية الامريكية للحرب الثقافية الباردة, فلكي تروج واشنطن قبول الفن المنتج في ظل الديمقراطية كان عليها ان تطوق عملية الديمقراطية نفسها. ومرة اخري تتجه وكالة المخابرات الى القطاع الخاص لتحقيق اهدافها, وكانت معظم المتاحف والمجموعات الفنية مملوكة للقطاع الخاص وممولة منه وابرز هذه المتاحف المعاصرة والطليعية متحف الفن الحديث في نيويورك وكان رئيسه طوال الفترة من الاربعينيات حتى الخمسينيات هو نيلسون روكفلر الذي اشتركت والدته آبي أولدريتش روكفلر في انشاء المتحف في عام 1929 وكان نيلسون يطلق عليه اسم (متحف مامي) وكان هو نفسه مؤيدا متحمسا للتعبيرية التجريدية التي كان يشير اليها باسم (مشروع الرسم الحر) وعبر السنين تضخمت مجموعته الخاصة وحدها ليصل عددها الى اكثر من 2500 عمل فني, كما غطت الاف اخرى من اللوحات جدران وابهاء ومباني بنك تشيز مانهاتان الذي يمتلكه روكفلر. وكانت عائلة روكفلر تؤيد فناني جناح اليسار وكانت الأم ترى ان (الحمر لن يتغيروا الا اذا تلقوا منا اعترافا فنيا بهم) وكانت الام ترد بذلك على الانتقادات التي وجهت اليها بسبب قرارها بتأييد الفنان الثوري المكسيكي دييجو ريفيرا. وفي سبتمبر 1954 تولى كورد ماير رئاسة قسم العمليات الدولية بدلا من توم برادن الذي اعتزل العمل في وكالة المخابرات الامريكية وذهب الى كاليفورنيا حيث رأس تحرير صحيفة يومية اشتراها له نيلسون روكفلر وورث ماير قسما احتوى على اكبر نسبة تركيز من الانشطة الدعائية والسياسية السرية في قسم واحد من اقسام وكالة المخابرات التي اخذت تنمو كالاخطبوط فضلا عن ذلك فإنه تسلم عمله في ظل ظروف مواتية بدرجة اكبر للعمل السري اذ كان قد رفع تقريرا سريا للغاية للرئيس ايزنهاور في الشهر نفسه, جاء فيه ان من المتطلبات المهمة انشاء منظمة سرية نفسيه وسياسية وبرلمانية تكون اكثر تأثيرا وابتكارا واشد شراسة من العدو اذا دعت الضرورة ولايجب السماح لاحد بأن يقف في طريق هذه المنظمة وانجازها للمهام التي توكل اليها. حرب المجلدات بدأت تتنامى عمليات وكالة المخابرات المركزية في الحياة الثقافية مستغلة في ذلك مجلة (مواجهة) وغيرها من المجلات والصحف التي كانت تمولها, كما اخذت تمول عدة كتب كان من بينها كتاب عن افغانستان نشرته دار النشر هودر آند ستوتون في لندن والفه ادوارد هنتر, وهو احد عملاء الوكالة الذي عمل تحت ستار انه كاتب حر اخذ يتجول في وسط اسيا سنوات عديدة, كذلك قام فريدريك بريجر, رجل الدعاية للحكومة العسكرية الامريكية في المانيا ما بعد الحرب بنشر مابين عشرين وخمسة وعشرين مجلدا كانت وراءها المخابرات الامريكية سواء من حيث الكتابة او النشر او التوزيع واعترف الكاتب بأنه كان يقبض نفقات النشر اما بطريق مباشر او عبر احدى المؤسسات او عن طريق شراء عدد كاف من النسخ لتغطية النفقات, وكتب احد كبار اعضاء قسم العمل السري في وكالة المخابرات المركزية, يقول تختلف الكتب عن وسائل الدعاية الاخرى ذلك لان اول الاسباب يعود الى ان كتابا واحدا يستطيع تغيير توجهات القارىء وافعاله الى درجة لامثيل لها في اي وسيلة اخرى الامر الذي يجعل الكتب اهم اسلحة الدعاية الاستراتيجية بعيدة المدى, وهكذا بدأ البرنامج السري لاصدار الكتب مع وضع الاهداف التالية موضع الاعتبار: انشر الكتب او وزعها في الخارج من دون ان تكشف عن اي اثر للولايات المتحدة وذلك عن طريق التمويل السري لدور النشر والمكتبات الاجنبية ـ انشر الكتب التي لايمكن (تلويثها) بأي رباط يربطها بحكومة الولايات المتحدة خاصة اذا كان موقف المؤلف (حرجا). شجع تأليف الكتب السياسية المهمة بأقلام كتاب اجانب اما عن طريق تمويل المؤلف مباشرة اذا كان الاتصال السري به متاحا, او بشكل غير مباشر من خلال عملاء ادباء او ناشرين!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات