اعتبر الدكتور عزمي بشارة عضو الكنيست العربي نجاح مقاطعة الانتخابات الاسرائيلية نصراً يؤسس لدور عربي جديد يتحلل من الاطر السابقة المأسورة للصراع بين اليمين واليسار الصهيوني لافتا، الى تيارات عربية سعت منذ البدء لنسج تحالفات مع ارييل شارون بدليل فوزه بأصوات أكثر في البطاقات البيضاء داخل صناديق الاقتراع وأكد في الحوار التالي مع (البيان) ان فلسطينيي 48 مستعدون لمواجهة شارون. * كيف تقيم نتائج الانتخابات لرئاسة الوزراء في البلاد عامة, وهل دلت هذه النتائج على استمرار التحول يميناً في المجتمع الاسرائيلي؟ ــ لاشك ان النتائج هي مؤشر على استمرار التحول نحو اليمين في المجتمع الاسرائيلي, وكنا في حينه قد حذرنا من اعتبار انتصار باراك عام 99 انتصارا لليسار, التحول التدريجي نحو اليمين مستمر, ولكنه يمين مختلف ومحدد, لا نصادف هنا (حيروت) التاريخية, شارون قائد يميني وهو أصلاً وثقافة من (مباي) التاريخية, كما نجد يميناً جديداً وخطيراً وديماجوجيا ممثلاً باسرائيل بيتنا) (حزب ليبرمان) ــ وهكذا. واضافة الى تغير صورة اليمين نقرأ في النتائج تصويتاً ضد باراك أكثر منه لصالح شارون, اليهود الروس لايعرفون شارون وقد صوتوا له ــ وهنالك بالطبع ايضا ردة الفعل اليمينية على الانتفاضة والتي لم توصل الرأي العام الاسرائيلي الى النتائج السياسية الصحيحة بعد ولا ننسى ان 40% من الاسرائيليين لم يشاركوا منهم 30% على الأقل من اليهود. * هل يمكن الاستدلال من نتائج هذه الانتخابات على تحولات سياسية واجتماعية داخل المجتمع الاسرائيلي؟ ــ لا, وإلا وصلنا الى الاستنتاج ان تحولات سياسية تجري خلال عام ونصف العام, هنالك تحولات جارية في السنوات العشر الأخيرة, وطريقة الانتخابات المباشرة لرئاسة الحكومة والمنفصلة عن الانتخابات البرلمانية تكشف عن تناقضات في المجتمع الاسرائيلي وتؤدي الى تخريب التنوع الثقافي والسياسي. * ماذا تقول عن محاولات التخويف من شارون وحكومته القادمة, وهل تعتقد ان هذه الحكومة ستمكث طويلاً في ضوء تركيبة الكنيست؟ ــ الأمر مرهون باستعداد حزب العمل للائتلاف في حكومة وحدة وطنية, وبمدى جدية شارون في خطاب النصر الذي ألقاه وأكد فيه على الاستمرار توقعنا أن يكون شارون دفاعياً وتبريرياً, هكذا كان في خطبته ولكن لا تنسوا من هو شارون, نزعته الاستيطانية المكثفة, واعتباره الردع هو أساس السلام ونظرته الى العرب كأعداء. لقد اعتبرنا حملة التخويف من شارون محاولة لاقناعنا بالتصويت لباراك, ولكن شارون مع ذلك هو سياسي يميني متطرف أفعاله وأقواله في الماضي تدينه, وحتى صمته ابان المعركة الانتخابية انما هو اعتراف برداءة أفكاره وعدم تماشيها مع روح العصر. * كيف تتوقع أن يكون تعامل شارون مع ما وصلت اليه المفاوضات الاسرائيلية ــ الفلسطينية والاسرائيلية ــ السورية؟ ــ رغم التزامه العلني بالسلام سيحاول شارون تغيير قواعد اللعبة السياسية والعملية التفاوضية ــ مؤكدا الثوابت الاسرائيلية غير الخاضعة للتفاوض ومؤكدا ما يسميه هو بالتزامات الطرف العربي, لأن السلام بنظره ليس لصالح اسرائيل فقط, شارون غير ملتزم تجاه أوسلو لا من حيث السياسات ولا الشخوص, ولكن وقائع أوسلو قائمة وليس بوسعه تجاهلها .. والسعي إلى حكومة وحدة وطنية يؤكد الاضطرار الى التعامل مع بني السلطة الفلسطينية كما هي قائمة. الحالة السورية تبقى أسهل وأوضح من حيث اضطرار اسرائيل للاعتراف بالنقطة التي وصلت اليها المفاوضات, والشروط السورية واضحة ومعروفة, أما في الحالة الفلسطينية فقد أعلن شارون عدة مرات عدم اعترافه بما تم تحقيقه اثناء الجولة الانتخابية, ولكنه سيجد من الصعب التنكر لما طرحته اسرائيل في كامب ديفيد ولافكار كلينتون, ولذلك ايضا يلجأ شارون الى الموقف الفلسطيني من هذه الاقتراحات, ليؤكد انه ما دام هذا غير مقبول فلنبدأ من جديد بالبحث عن مرجعية انتقالية جديدة. * هل يستطيع شارون تجاهل اتجاهات قوية في أوروبا وحتى داخل الولايات المتحدة, تدعو الى تحقيق تسوية للصراع الاسرائيلي ــ الفلسطيني والاسرائيلي ــ العربي؟ ــ بالطبع ويستطيع شارون تجاهل الوضع العالمي الأمريكي والأوروبي باتجاه السلام في المنطقة, ولكن الضغط العالمي على اسرائيل غير مكثف ويكاد يكون غير ملحوظ, المطلوب هو تحرك عربي وضغط عربي شعبي ورسمي وبدونه لن يكون هنالك ضغط عالمي من أي نوع, الحاح الموضوع الفلسطيني يجب أن يتجلى أولاً هنا على الأرض باستمرار النضال ثم على الساحة العربية والاقليمية وبعد ذلك فقط يمكن الحديث عن تأثير عالمي, من هذه الناحية الظرف مريح لان صورة شارون سيئة للغاية وبالامكان استثمار ذلك, لو كان هنالك من يستثمر ذلك. * ما هي ابعاد فوز شارون على الانتفاضة الشعبية الفلسطينية في المناطق؟ ــ لا ادري لماذا تفترضون مثل هذا الافتراض, يجب تنظيم الانتفاضة بحيث تضمن قدرتها على الاستمرار. * نتائج الانتخابات في الوسط العربي شبهت بزلزال عصف بأوهام قوى عربية محلية وقوى اليسار الصهيوني, كيف تقيم ذلك, وما هي مدلولات المقاطعة؟ ـ هي زلزال دون شك, وهي حصاد التحول الذي جرى في السنوات الاخيرة باتجاه تنمية وتوطيد الوعي الوطني والوعي بالمواطنة في الوقت ذاته, وينسجم هذا التحول مع التأييد الشعبي العاصف والمفاجىء لترشيح عربي لرئاسة الحكومة بعد سنة ونصف السنة فقط على طرحنا لاول تجربة من هذا النوع, لقد انتهت مرحلة اعتبار الاصوات العربية جيش احتياط في خدمة صراع بين اليمين واليسار الصهيوني حول السيطرة على المجتمع الاسرائيلي, ولاشك ان هذا يعني انهيار عالم سياسي وثقافي وفكري لاحزاب بكاملها ولشخصيات انتهازية وطفيلية من كافة الانواع. وهؤلاء الذين انهار عالمهم المستمد اما من هذه العلاقة مع اليسار الصهيوني وحزب العمل واما من الاعلام الاسرائيلي يتخبطون الان ويحاولون بأثر رجعي تخفيف معارضتهم للمقاطعة, بل والظهور بوقاحة كأنهم مؤيدون للمقاطعة أو متفهمون لها. لقد تفاجأنا من مدى ضآلة تأثير اجهزة اعلامية مثل التلفزيون الاسرائيلي الذي جند (خبراء) عرب في الشئون العربية, ونوابا عربا ليعملوا لصالح التصويت وليعمل هو لصالحهم بفرضهم على الوسط العربي, كخبراء وكممثلين, ومن يدري ربما كزعامة جديدة, فماذا كانت الحصيلة, لا شيء, صفرا, حصيلة تأثيرهم تساوي صفرا, انا اعتقد ان هذا اكتشاف هام لكل الذين يلهثون وراء الاعلام الاسرائيلي ظنا منهم انه يفيدهم, هنالك تحول جوهري في الوسط العربي بدأ منذ 3 ـ 4 سنوات, وهو يتعمق باستمرار باتجاه تثبيت الهوية السياسة الوطنية للعرب كأقلية قومية وكشعب, ومن حقنا ان نعتبر ما جرى يوم 6 فبراير انتصارا لهذا التوجه. * هناك اجماع على الدور المميز الذي كان للتجمع الوطني الديمقراطي في انجاح نداء المقاطعة, كيف تتوقع انعكاس ذلك على الحزب تنظيميا وشعبيا؟ ـ لا شك أن التجمع قد ساهم مساهمة فعالة ونشطة لانجاح المقاطعة, اولا بتشخيصه الوضع السياسي بعد الهبة الشعبية في اجتماعاته الشعبية واجتماعات المجلس العام والمكتب السياسي, والكوادر, اعتقد اننا شخصنا الوضع بشكل صحيح, ثم اتخذنا الموقف الصحيح وهو الامتناع, ثم شخصنا المقاطعة كأفضل طريقة للامتناع بسبب محاولة البعض تحويل الورقة البيضاء إلى طريقة للتصويت لباراك, التجمع لم يتخذ الموقف الصحيح فحسب, وقد فعلت ذلك اطر سياسية اخرى فيما بعد, وانما تجند التجمع بكوادره ومؤيديه لانجاح قرار المقاطعة بدءا بتوزيع المناشير والملصقات, وعقد الاجتماعات الشعبية ونهاية بمنع تزوير ارادة الناخبين العرب عبر التواجد بشكل مكثف داخل صناديق الاقتراع, حتى تسليم الصندوق إلى لجنة الانتخابات المركزية. * كيف سينعكس فوز شارون باعتقادك على الوسط العربي؟ ـ اعتقد ان الوسط العربي ناضج بما فيه الكفاية, ولاحظ كيف استهل شارون فترته بخطاب اشار فيه إلى ضرورة فتح صفحة جديدة مع الاقلية العربية, لانه لا يستطيع التعامل معنا بالادوات القديمة, ولكنه على اية حال سيحارب التيار الوطني والقومي, ويحاول كغيره ان يشجع (القوى المعتدلة) وبعض عملاء السلطة, مروا بتحول مهني من باراك إلى شارون بعد ان ادركوا ان شارون سوف ينتصر, لاحظ ان عدد اصوات شارون اكثر من الورقة البيضاء في الصناديق, يا للعار, سيحاول شارون ان يشجع التوجه نحو الحقوق المدنية ومحاربة الموقف الوطني, كما سوف يحاول توطيد مواقعه الجديدة في الوسط العربي ولكنه سوف يجد اقلية عربية ناضجة وساعدا اقوى عما كان, واذا سولت له نفسه العودة لسياسة مصادرة الاراضي فسوف يجدنا بالمرصاد. * ما هي الخطوات والامور التي تعتقد بوجوب اتخاذها لمواجهة شارون؟ ـ هذه المواجهة لا تتم بمعزل عما سيجري فلسطينيا وعربيا ودوليا, من ناحيتنا نمد ايدينا للتعاون مع كافة القوى التي ستعمل لتقصير فترة شارون في السلطة, ونعتقد ان فضحه اعلاميا عملية سهلة وبالامكان ايجاد حلفاء في الوسط اليهودي ايضا وفي الرأي العام العالمي لهذه المهمة, ولكن برلمانيا الموقف ضده واضح, وشعبيا يجب ان نكون جاهزين لأية مواجهة مطلوبة.