من الذي يدفع للزمار (4) ، هكذا أطل راديو أوروبا الحرة الى الوجود

توضح مؤلفة كتابنا ان محاربة الأساس الفكري للحياد بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي اصبحت هدفاً رئيسياً لسياسة الحرب الباردة الامريكية وبذلك اصبح الواقفون على الحياد مستهدفين من المخابرات الامريكية, التي لم تقنع بمواقفهم. واخذت السي آي ايه تبذل جهدها لكسب هؤلاء الذين اعتبرتهم متأرجحين لا الى اليمين ولا الى اليسار, وعن طريق السيطرة السرية حشدت اكبر تكتل للمثقفين و(المفكرين الأحرار), وبهذه السيطرة اخلت المخابرات باعلان حقوق الانسان نفسه وكان عليها لكي تروج لحرية التعبير, ان تشتريها اولاً ثم تفرض عليها القيود بعد ذلك وهكذا لم تكن سوق الافكار حرة كما بدت. وفي عام 1950 انشأت وكالة المخابرات المركزية الامريكية الاذاعة التي سميت (راديو اوروبا الحرة) وقرر الآن دالاس اسناد رئاسة لجنتها التنفيذية الى آرثر شليزنجر وقد تم اخفاء دور المخابرات الامريكية عن عيون الجمهور وراء منظمة علنية سميت (اللجنة القومية من اجل اوروبا الحرة) كذلك كان شليزنجر قد افتضح امر اشتراكه في العمليات السرية عندما عمل مساعدا لمدير مشروع مارشال في اوروبا افريل هاريمان وقام باشراف هاريمان بتوزيع مبالغ سرية على النقابات العمالية الاوروبية. عدم استلطاف لينين كانت اولى مهام شليزنجر ان يقنع برتراند راسل, احد الرعاة الفخريين لمؤتمر الحرية الثقافية بعدم الاستقالة وكان راسل ــ الفيلسوف الشهير عالمياً والحائز على جائزة نوبل وحامل وسام الاستحقاق البريطاني ــ قد هدد بالاستقالة من ذلك المؤتمر وكان قد قابل لينين ولكنه لم يستلطفه كذلك سبق لراسل ان اذهل معجبيه في عام 1948, من خطبة له القاها في القاعة الرئيسية المدمرة لمدرسة وستمينستر, حين دعا فيها الى تهديد ستالين بالقنبلة النووية. وفي ذلك الوقت كان الفيلسوف البريطاني عنيفاً في عدائه للشيوعية, واصر على القول بأن قوة بريطانيا العسكرية واعادة تسليحها يجب ان تكون لهما الاولوية على كل شيء آخر كذلك نال راسل جائزة من دار البحث الاعلامي, وكان سعيداً بتسلم مبالغ صغيرة منها من حين الى آخر ولكن على الرغم من ان راسل كان من (الصقور) عند ذاك, الا انه اخذ يدعو الى نزع السلاح النووي في منتصف الخمسينيات وتقول مؤلفة الكتاب: (يبدو ان آراءه السياسية كانت تتغير مع تغير اتجاه الريح, وقد احرق اعصاب مؤتمر الحرية الثقافية والامريكيين الذين كانوا يدعمونه طوال سنوات رعايته له حتى استقال في النهاية عام 1956). وكان الرؤساء الفخريون الآخرون للمؤتمر فلاسفة مثل راسل وجميعهم يمثل (العقلية الاوروبية ــ الامريكية الوليدة). وفي ديسمبر 1950 انضم الآن دالاس الى وكالة المخابرات المركزية الامريكية نائباً لمدير العمليات, وهو منصب واسع الصلاحيات اسند الى دالاس مسئولية اعمال المخابرات والاشراف على مكتب تنسيق السياسات الذي كان يرأسه فرانك ويزنر. وكان اول عمل يقوم به دالاس هو توظيف توم برادن احد اكثر ضباط مكتب الخدمات الاستراتيجية جرأة واندفاعاً ويتمتع باتصالات واسعة مع شخصيات رفيعة منذ عودته الى الحياة المدنية, وكان رجلاً وسيماً ويبدو كأنه مزيج من الممثلين جون وين وجاري كوبر وفرانك سيناترا وبعد الحرب اشترك في تأليف كتاب يتحدث عن مكتب الخدمات الاستراتيجية والجاسوسية الامريكية وبعد اشهر قلائل من عمله مع دالاس, ادرك ان الدعاية الشيوعية مبادرة بالهجوم, بينما لم يشعر بالرضا عن طريقة الرد الامريكية, وقد شاركه الرأي وليام كولبي, الرئيس المستقبلي لوكالة المخابرات المركزية الامريكية والذي كان من رأيه (ان الشيوعيين لا يخفون ايمانهم بما اسموه السلاح العملياتي), اذ ينظمون الحزب باعتباره القوة القائدة الرئيسية ولكنهم بعد ذلك ينظمون جميع الجبهات الاخرى: الجماعات النسائية, والجماعات الثقافية, والنقابات العمالية, وجماعات الفلاحين, والتعاونيات..وهي عبارة عن درع كاملة من المنظمات, بحيث تستطيع ان تضم اكبر عدد من ابناء الشعب في الدولة من خلال هذه الجماعات ومن ثم تحت قيادة اساسية شيوعية ومنظمة). وارتأى برادن انه (اذا كان الجانب الآخر يستطيع استخدام الافكار تحت ستار انها افكار محلية لا يشجعها السوفييت ولا يدعمونها, فيجب علينا اذن, ان نكون قادرين نحن ايضاً على استخدام افكار تحت ستار انها افكار محلية هي الاخرى). قسم العمليات الدولية في النهاية نجح توم برادن في اقناع المسئولين في المخابرات الامريكية بانشاء قسم اطلق عليه اسم (قسم العمليات الدولية) وقد تصادف انشاؤه مع صدور توجيه جديد من مجلس الامن القومي يقر عمليات ذلك القسم تحت رقم 68- NSC وقد اصبح ذلك التوجيه (الوثيقة الرمزية العليا للحرب الباردة) وقد استند الى افتراض ان الروح المرشدة للدعاية الشيوعية تكمن في الكرملين وانتهى التوجيه الى ان (الاعتبارات العملية والايديولوجية تدفعنا في النهاية الى انه لا خيار امامنا الا ان نبرهن على تفوق فكرة الحرية عن طريق توظيفها البناء) وكان الفيلسوف كارل ياسبرز قد قال منذ وقت قريب: (ان الحقيقة ايضاً تحتاج الى دعاية). وهكذا توفر لدى مقاتلي الحرب الباردة الامريكيين القرار الذي فوضهم باتخاذ اجراءات (بناءة) لتأكيد انتصار الحقيقة على الخديعة وتبين بنود الميزانية التي قررها ذلك التوجيه رقم 68- NSC اهمية هذه المهمة, ففي خلال السنتين التاليتين ارتفع مبلغ الـ 34 مليون دولار الذي انفق على الحرب النفسية عام ,1950 الى اربعة اضعاف واعلن وزير الخارجية الامريكية آنذاك ادوارد باريت ان (الحقيقة يمكن ان تكون السلاح الامريكي في سباقنا للسيطرة على عقول الرجال) وكان على الحقيقة ان تنتمي الى امريكا شأن القرن العشرين نفسه واذا كانت الحاجة تدعو الى استخدام الخديعة لترويج الحقيقة فليكن. وهذا ما اشار اليه آرثر كوستلر بقوله: (محاربة الكذبة الشاملة باسم نصف الحقيقة). وقال توم برادن (ان الهدف من انشاء قسم العمليات الدولية هو توحيد المثقفين ضد ما يقدمه الاتحاد السوفييتي نحن نريد توحيد جميع الفنانين والكتاب والموسيقيين, وجميع من يتبعون هؤلاء الناس, لكي نثبت ان الغرب والولايات المتحدة قد وهبا نفسيهما لحرية التعبير وللانجاز الفكري دون حواجز). وبدأ القسم عمله بالمبادئ نفسها التي وجهت ادارة ويزنر لليسار غير الشيوعي لدعم الجماعات اليسارية ومراقبة تفكيرها لاعطائها فرصة للتنفيس عن نفسها, والتدخل في اللحظة الاخيرة لفرض (الفيتو) على نشراتها وربما على نشاطها اذا اصبحت (راديكالية) اكثر من اللازم واصدر برادن تعليمات واضحة لمراكز قسم العمليات الدولية الجديدة التي انشئت في اوروبا تقول: (لتقتصر الاموال على مبالغ تستطيع المنظمات الخاصة انفاقها بشكل يدعو الى التصديق, ولتقوموا بالتعميمة على مدى المصلحة الامريكية, واعملوا على حماية تماسك المنظمات عن طريق عدم مطالبتها بدعم كل جوانب السياسة الامريكية الرسمية). كان من اهداف قسم العمليات الدولية كذلك تشجيع الانتلجنسيا على تقديم نظريات وبراهين لا لكي توجه الى عامة الجماهير, بل الى جماعات الضغط من النخبة الصغيرة ورجال الدولة الذين يقررون بدورهم سياسة الحكومة ولم يكن القصد ان يكون هذا القسم مصدراً للمعلومات الاستخباراتية وتم تحذير عملاء وكالة المخابرات المركزية الامريكية بأقسامها المختلفة لكي لا يتعاملوا مع ذلك القسم على هذا الأساس. وسرعان ما اصبح للقسم فروع اخرى عديدة غير اوروبا, واصبحت الشبكة تشمل اليابان والهند والارجنتين وتشيلي واستراليا ولبنان والمكسيك وبيرو واورجواي وكولومبيا والبرازيل وباكستان وكانت الفروع الاوروبية قد تم انشاؤها في ألمانيا الغربية وبريطانيا والسويد والدانمارك وايسلندا. من هو الخصم الحقيقي؟ تعود المؤلفة الى باريس لتذكرنا بالمؤلف الموسيقي الروسي نابوكوف عميل المخابرات الامريكية النشيطة, وتقول انه لعب الدور الأساسي في اصدار المجلة الاولى لمؤتمر الحرية الثقافية بعنوان (بروف) اي (البرهان) او (الدليل) وقد نوقشت فكرة اصدار مجلة ثقافية ــ سياسية في ظل التقاليد الثقافية الفرنسية العريقة, في شهر فبراير 1951 اثناء اجتماع اللجنة التنفيذية في فرساي وكانت تدعو الى اصدار صحيفة تستطيع منافسة (الأزمنة الحديثة) وتشجع القراء على الإفلات من قبضة تأثير سارتر وقد تساءل احد المؤرخين قائلاً: (من هو الخصم الحقيقي؟ لا هو الاتحاد السوفييتي ولا موسكو ان من سيطر على عقولهم حقيقة هو جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار هذان هما الجانب الآخر واكد ذلك الرأي واحد من اعضاء المؤتمر بقوله: (كان الهدف هو الجناح اليساري من المثقفين وربما كان الناس الذين ينصتون اليهم هم الهدف ايضاً). ولم يكن سهلاً العثور على رئيس تحرير يتمتع بمكانة كفيلة باغراء (رفاق الطريق) بالانضمام الى دائرة اكثر مركزية وفي يونيو 1951 اصبح نابوكوف يائساً, وكتب الى بيرنهام يقول له: (ان مسألة المجلة الفرنسية طارت النوم من عيني ويصعب ان نجد شخصاً في مثل مكانة آرون او كامو يوافق على تحمل مسئولية رئاسة التحرير, وتكمن الصعوبة هنا في انه رغم ان الناس يتحدثون كثيراً عن الالتزام الا ان احداً لا يريد ان يلزم نفسه وتلوح من الجو هنا حالة من اللامبالاة والتراخي وبعض الملل, الامر الذي يجب على الانسان ان يناضل ضده يومياً) ونتيجة للفشل في العثور على رئيس تحرير فرنسي قررت اللجنة التنفيذية ان توكل رئاسة التحرير الى فرانسوا بوندي, وهو كاتب سويسري لغته الألمانية وكان عضوا في الحزب الشيوعي الى ان وقعت اتفاقية هتلر ستالين عام 1939 وقد اصبح بعد ذلك يشغل منصباً رئيسياً في سكرتارية مؤتمر الحرية الثقافية عام 1950 كمدير للمطبوعات وساهم في مجلة (ديرمونات) التي كانت تمولها المخابرات الامريكية في برلين وفي اكتوبر عام 1951 صدر اخيراً اول عدد من مجلة (بروف) برئاسة بوندي واصبح من الواضح تماماً ان المجلة أداة لمؤتمرالحرية الثقافية تنقل افكاره وتنشر الدعاية لأنشطته وبرامجه, نظراً لأن المجلة كانت تهدف الى تحقيق اجماع أطلنطي ومعاد للحياد ومؤيد للسياسة الامريكية وبهذا تعرضت لهجوم عنيف من اليسار واليمين. كان مؤتمر الحرية الثقافية في تلك الأيام يواجه شكوكاً عالمية في حقيقة نشاطه واقنع مؤيدوه انفسهم بأن تلك الشكوك مجرد امتداد لموجة معاداة الامركة التي كانت رائجة آنذاك اما الآخرون فقد انتهزوا كل فرصة للسؤال عن شرعية المؤتمر كمنظمة (حرة) و(مستقلة) وعندما ارسل جورج التمان رئيس تحرير صحيفة (فرانك تيرير) ومعه فرانسوا بوندي الى روما اواخر عام 1950 لحشد التأييد للفرع الايطالي واجهتهما باستمرار الأسئلة حول المؤتمر مثل: (من يدفع كل هذه المصروفات؟), (هل تقصدون بكلمة (الحرية) الرأسمالية الامريكية؟. وذكر التمان وبوندي انه بدا لهما ان المراقبين الشيوعيين كانوا حاضرين في معظم اجتماعاتهم, وان كثيراً من المثقفين الايطاليين تأثروا بما اسمياه (الاغراء الشمولي) اما الآخرون ــ مثل ألبرتو مورافيا ــ فقد ذكرت التقارير انهم مهتمون بالفاشية الجديدة اكثر من اهتمامهم بالشيوعية واشار ألتمان وبوندي الى تأكيد وجود النزعة الاقليمية والعداء للأمركة لدى المثقفين الايطاليين. وانشئ الاتحاد الايطالي للحرية الثقافية في 1951 برئاسة اجنازيو سيلوني, واصبح مركزاً اتحادياً لنحو مئة جماعة ثقافية مستقلة وفر الاتحاد الايطالي لها المتحدثين والكتب والنشرات والأفلام والروح العالمية ولكن سرعان ما تعرض الفرع الايطالي للانهيار, فأرسل نابوكوف الى روما لمحاولة انقاذ الموقف, ومثلما كان الامر بالنسبة لكل من بوندي وألتمان, وجد نابوكوف ان المثقفين الايطاليين يكنون شعوراً فاتراً ازاء مؤتمرالحرية الثقافية, ويبدون استعداداً للانصات الى الشائعات التي تدور حوله. كوة المخابرات ترى فرانسيس سوندرز مؤلفة كتابنا, ان الحصول على كوة تطل المخابرات منها على السوق الخاصة بالحرب الباردة الثقافية كان امراً تطلب استثمارات هائلة ومنذ البداية كانت مهمة الادارة المالية للبرامج الثقافية, لوكالة المخابرات المركزية, قد وضعت على كاهل ايرفنج براون ويتحدث توم برادن عن الأموال التي وضعت تحت امرة براون, فيقول: (ان مفتاح كل الاموال المخصصة يتمثل فيما سمي بالمخصصات المناظرة) وكان الغرض من ذلك عدم ترك الفرصة لأي عضو في الكونجرس الامريكي لكي يطرح سؤالاً عن مصيرها, ويصيح: (انظروا ماذا يفعلون بأموال دافعي الضرائب) وكان هذا الامر مستبعداً لان تلك المخصصات لم تكن اموالاً امريكية, بل كانت اموالاً جانبية من أموال مشروع مارشال. ففي السنوات الاولى من عمر ذلك المشروع اتخذت خطوة مبتكرة للتستر وراءه, وقدم اقتراحا من اجل ان تقوم اموال المشروع بمهمة مزدوجة, ويقضي الاقتراح بأن تسهم كل دولة مستفيدة بالمشروع في مجهود المساعدات الخارجية وذلك بايداع مبلغ مساو لمساهمة الولايات المتحدة في المصرف المركزي التابع لها, ثم يتم توقيع اتفاقية ثنائية بين تلك الدولة والولايات المتحدة تسمح باستخدام تلك الوديعة استخداماً مشتركاً. وقد ظل الجزء الاكبر من المبالغ النقدية (95%) ضمن الملكية القانونية لحكومة الدولة بينما اصبحت نسبة 5% ملكاً للحكومة الامريكية واصبحت (هذه الأموال المناظرة) تشكل صندوقاً سرياً يحتوي على نحو 200 مليون دولار في السنة واعتبر ذلك الصندوق خزانة الحرب الخاصة بوكالة المخابرات المركزية الامريكية. وقد استخدمت تلك الاموال, اثناء ادارة هاريمان لمشروع مارشال, لتمويل التحرك المضاد لمكتب تنسيق السياسات باسم (اليوم العالمي لمقاومة الديكتاتورية والحرب) في شهر ابريل عام 1949 كذلك لعبت تلك الاموال دوراً حاسماً في الانتخابات الايطالية عام 1948 ثم بعد ذلك في مؤتمر الحرية الثقافية عام 1951 حيث خصص براون حوالي 200 ألف دولار (توازي 1.5 مليون دولار بأسعار عام 1999) لدفع النفقات الادارية الأساسية للمؤتمر بما في ذلك رواتب عدد كبير من كبار اعضائها وبعض السكرتيرات وكانت مرتبات البعض تحول عن طريق الامريكان اكسبريس الى حساب في مصرف سوسييتيه دي بانك سويس في لوزان, اما الآخرون فكانت رواتبهم تدفع بالفرنك الفرنسي. وقد بلغت جملة المصروفات الشهرية لادارة امور الأمانة في ذلك الوقت نحو خمسة ملايين فرنك فرنسي كذلك رصد براون مبلغاً مماثلاً تقريباً للمجموعة المسماة (اصدقاء الحرية الفرنسية) واودع كذلك مبلغ 40 ألف مارك ألماني في حساب سري في ألمانيا لحساب مكتب المؤتمر هناك لدفع الرواتب ونفقات المكتب وتسلم المكتب الايطالي بضعة آلاف من الدولارات شهرياً عبر حساب باسم كوندينولا تريستا رئيس تحرير صحيفة (نوفا ايطاليا).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات