الرئيس ... موقع مهزوز منذ البداية ، اندونيسيا ومؤشرات التوتر القادم

فيما أكملت دول جنوب شرق آسيا, معظم أشواط السعي نحو التعافي الاقتصادي, عقب كارثة الكساد التي ضربت الاقليم في 1997, فإن اندونيسيا لا تزال تتباعد عن ذلك الهدف, مُنجرّة الى الخلف بدواعي الفساد ، والفوضى والاضطراب والاحتراب, وتتعقد مشاهد الوضع السياسي والاقتصادي والأمني, بحيث تلف خيوط الأزمة الجميع ابتداء برئيس الجمهورية عبدالرحمن واحد, وانتهاء برجل الشارع العادي الذي يتظاهر ضد كل شيء!! دَبُلْ ـ جيت وتماماً كما فعل آل جور مع كلينتون أيام مونيكا ـ جيت حيث هرب بعيداً عن المشهد الحي, وجلس يتفرج على تطوراته من خلال شاشة التلفاز, فإن ميجاواتي آثرت الصمت ولم تدافع عن رئيسها ولو بكلمة واحدة, بل أفصح بعض مساعديها عن أنها آزرت البرلمان أثناء اجتماعه لبحث تقرير قضيتي بولو ــ جيت, وبروناي ــ جيت وهو تقرير شامل احتوى على 36 صفحة اعترف بحسن نوايا الرئيس واحد في جمعه للأموال, لمساعدة المتضررين من الحرب في اقليم آسيه ولكنه استنكر على الرئيس جمعه للأموال بطريقة مخالفة للقانون, واستنكر أيضاً قيام بعض أعوان الرئيس بنهب جزء من تلك الأموال. عهدت ميجاواتي الى أنصارها في البرمان ان يتضامنوا مع خصومها فيه ضد رئيسها واحد, فها هو نائب حزب النضال الديمقراطي ــ الذي ترأسه ميجاواتي, يطالب البرلمان بأن يصدر إنذاراً للرئيس واحد بسبب تورطه في الفضيحتين, وهو الإجراء الذي يمهّد لعزله بواسطة البرلمان. وقد اختارت ميجاواتي لتأجيج البرلمان ضد رئيسها واحداً من نواب حزبها, كان واحد قد فصله من الوزارة لأسباب لم يبدها, وفهم الناس انها تتعلق بالفساد, فهو إذن خير من يقوم بالتشهير بواحد, انتقاماً لنفسه على الأقل! أما كبر تلك الحملة فقد تولاه الحزب الإسلامي بقيادة رياس أمين. والعجيب أن رياس أمين كان هو الشخص الذي كفل وصول واحد الى السلطة, عندما صوّت له نواب حزبه, فرجح كفته على ميجاواتي. أما الآن فقد انقلب رياس وأنصاره على واحد لأنه أضرّ بسمعة البلاد كثيراً, وحطم أهم الشعارات التي رفعها, وهو شعار اجتثاث الفساد, وهكذا فقبل ان تنتهي المحاكم من تصفية قضايا الفساد في عهد سوهارتو, إذا بالرئيس الجديد ينغمس في الفساد, ويضيف الى الملفات قضايا جديدة! المقعد المهزوز لا يشغل حزب واحد في البرلمان أكثر من 10% من مقاعده. فهو في موقع مهزوز منذ البداية, ولكنه كان ينال دعم الحزب الإسلامي, وحزب جولكار نكاية في ميجاواتي. وحاكم في مثل هذه الوضعية الضعيفة, لا يحسن منه إلا ان يكون حسن السيرة والأحدوثة, فبالاستقامة وحدها يستطيع أن يرضي حلفاءه, ويسكت خصومه, ولكن ها هو واحد يأتي بكل سلوك أخرق مما يمكن أن ينفر به الحلفاء ويشمت به الخصوم. حتى اتهمه البرلمان بأنه ابتدع نوعاً جديداً من الفساد في البلاد. وهكذا فبعد اليوم لا يمكن أن يجد واحد دعم الحزب الاسلامي ولا حزب جولكار, كما ان ميجاواتي يمكنها بسهولة ان تستأسد عليه, وتنتزع سلطاته, وتضعه في الظل, هذا إن بقي أصلاً في الحكم. إن عزل واحد بواسطة البرلمان سيرجع باندونيسيا عاماً ونصف العام الى الوراء, أي إلى يوم الانتخابات الماضية, حيث كان الجدال يدور حول أحقية المرأة برئاسة الجمهورية, وقد تكاثرت الفتاوى حينها لتقضي بغير ذلك, الأمر الذي أضعف فرص ميجاواتي الى آخر حد, فجيء بواحد كحل وسط, وجيء بميجاواتي نائبة له لترضية أنصارها الكثر, الذين تجمهروا وتظاهروا ضد ما حسبوه مؤامرة لإجهاض فوزها في الانتخابات. فإذا ما عزل واحد ــ تستغرق اجراءات العزل بضعة شهور ! ــ فسيعود القوم مجدداً الى نقطة الصفر, وربما اتجهت الأنظار الى شخص آخر من حزبه, أو من غير حزبه, و ربما تعلقت الأنظار برياس أمين لشغل المنصب مع ابقاء ميجاواتي في مكانها. التوترات المقبلة كل هذه الاحتمالات هي مؤشرات لتوترات مقبلة تشهدها اندونيسيا. فإن انصار واحد وهم أيضاً كثر, يتظاهرون في الشوارع ضد أي اتجاه لعزله من السلطة, وأنصار الحزب الإسلامي يسدون الأفق بالتظاهرات مطالبين واحد بالاستقالة قبل الإقالة, مصرين على أن ما فعله يوجب عليه ــ أخلاقياً ــ أن يستقيل قبل أن يقال بإجراءات دستورية. أما على صعيد حزب ميجاواتي, فبالرغم من أن واحد يدعي أحياناً انه ينال دعم ميجاواتي, وأن علاقته بها, هي كعلاقة الأخ الأكبر بشقيقته الصغرى, لا يختلفان إلا ويعودان للتوافق, إلا أن بوادر الأزمة بينهما بدأت تتراءى حتى قبل أن تنكشف فضيحتا واحد الأخيرتان, فقد أعلن واحد انه يشكك في وجود فساد مالي في بعض الشركات التابعة لأسر ميجاواتي, وأوردت (واشنطن بوست) في 3 فبراير الحالي, أن واحد سخر من علاقات ميجاواتي بزوجها أمام جمع كبير من الزوار, هذا وربما كانت تلك المبادرات العدوانية من واحد هي التي ساقت ميجاواتي للتصويت مع نواب حزبها ضد واحد في البرلمان. وتتردد ميجاواتي كثيراً في شأن الاسراع بعزل واحد, إن في إمكان حزبها أن يطلب من مجلس الشورى الشعبي ــ البرلمان الأعلى ــ أن يبدأ فوراً في اجراءات العزل, وبعض أنصارها وآخرين من خصوم الرئيس, من خارج حزبها, حضُّوها بشدة على ان تفعل ذلك, ولكنها تحاول ان تكسب المعركة بالتريث بانتظار ما تتمخض عنه الأحداث والتطورات, التي لا تسيطر ولا يسيطر أحد في اندونيسيا تماماً على مسارها. ففي نهاية هذا التريث قد يعطي القائد الداهية واحد فرصة لحل البرلمان, والتحالف مع الجيش ضد السياسيين الحزبيين, هذا بالطبع إذا قبل الجيش, وهي فرصة ضعيفة على كل حال, لأن قادة الجيش رفضوا تنفيذ طلبه بإعلان حالة الطوارىء في البلاد, واكتفوا بتوجيه إنذارهم الخاص, على لسان وزير الدفاع, بأن يعمل الجميع على كبح جماح الأزمة, ووقف حالة التردي السياسي في البلاد, وإلا ــ قالها صراحة وزير الدفاع الجنرال محمد محفوظ ــ فإن الجيش سينتزع السلطة برمتها من أيدي المدنيين. تردد ميجاواتي ينبثق أيضاً من تخوفها من مآلات الأمور, فإذا استقر الرأي على الإتيان برياس أمين رئيساً للجمهورية فإن ميجاواتي ستحاصر برؤية رجل محافظ صارم مثله, لا يتمتع بليبرالية واحد وتساهله. ميجاواتي تخشى أيضاً إن فتحت مجالاً للعزل الدستوري لرئيس الجمهورية, أن يُستخدم ذلك العزل ضدها, إن أتيح لها في أي ظرف أن تصل الى تلك القمة. وأخطر من ذلك كله, فإنها تخشى إن قامت بدفع الأمور بعجلة ضد واحد, أن تضطرب البلاد أكثر وأكثر, فيتدخل الجيش على إثر ذلك بانقلاب يطيح بحكومتها, مثلما أطاح بحكومة أبيها سوكارنو في منتصف الستينيات. ثمن الغلطة أزمة خطرة أدخل فيها عبدالرحمن واحد بلاده فيها بسبب مبلغين ماليين زهيدين ــ في بعض المقاييس ! ــ وكان يرجى منه أن يكون أكبر من تلك الأطماع الصغيرة, مثلما كان يرجى من كلينتون ان يترفع عن اطفاء وقدته الحسية العابرة مع تلك الطائشة الصغيرة. إن فضيحة كلينتون, مهما ذاع خبرها, فهي أقل خطراً بكثير من فضيحة واحد, التي تهدد استقرار اندونيسيا, رابع كثافات العالم السكانية. إن أمريكا بلد راسخ الاستقرار تحكمه المؤسسات, ولا يؤدي عزل رئيسه الى أي اضطراب, أما اندونيسيا فهي على مشارف تغيير ضخم الآن بسبب تلك الفضيحة المزدوجة, وأهون ما يحدث هو عزل واحد, أو استيلاء الجيش على السلطة قبل انفجار البلاد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات