يمكن فهم السياسة الأمريكية من خلال شروطها العامة والتي تتركز على السيطرة المطلقة على العالم داعية من خلالها الى العولمة وتبعاتها لكي تستطيع احتلال الأسواق العالمية بصيغة اقتصادية قد تتعداها الى الصيغة العسكرية ، التي رأيناها في حلول الولايات المتحدة, وهذه الشروط العامة لا يمكن فصلها عن الشرط الخاص الذي تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية وتبحث من خلاله عن قوميتها الغائبة اجمالا في مجتمع متعدد الأعراق ومتعدد القوميات رغم كل ما تحاول السلطات الأمريكية ابرازه من مقومات خاصة بالمجتمع الأمريكي, لذلك فإن أي تعاطٍ مع السياسة الأمريكية لابد ان ينطلق من مفاهيم السيطرة الداخلية لتلك الجماعة أو ذاك العرق بغض النظر عن المفاهيم المعلنة لأي رئيس أمريكي استطاع ان يصل الى البيت الأبيض ضمن تلك الشروط التي ضمنت فوزه, ولأن الرئيس الأمريكي هذه المرة أتى عبر سباق ماراثوني انتخابي فإن سياسته لابد ان تبقى متأثرة بهذا السباق لضمان جولة ثانية تبقيه رجل البيت الأبيض لمدة أربع سنوات اضافة الى سنواته الأربع المنتخب خلالها. والإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جورج بوش يبدو انها تأخذ في اعتبارها ما حصل لجورج بوش الأب وما حصل لبوش الابن, وفي هذا مفارقة دقيقة وغير مرضية لبداية عهد الرئيس الجديد الذي لم يصل الى الرئاسة الا بعد خوضه تلك المعركة الفريدة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية, كما ان الأب قد خسر على أيدي الصاعد الجديد آنذاك الى السياسة وهو بيل كلينتون, فما هي التجربة التي استفادها الابن؟ بداية كانت خسارة الأب مرهونة بمجموعة من المسائل ما يهمنا منها مسألة تعليق القروض للحكومة الاسرائيلية وهي القروض الخاصة بالاسكان. وسبب هذا التعليق ان اسرائيل لم تفِ بالتزامها بإيقاف الاستيطان بل كانت تموله من خلال تلك القروض, وبالمقابل خسر بوش الأب اصوات اللوبي اليهودي الأمريكي في حين خسر جزءاً كبيراً من أصوات العرب حيث انقسموا آنذاك حول موضوع ضرب العراق, في حين اعتبر الأمريكيون ان حرب الخليج الثانية كانت الورقة الرابحة لفوز بوش بالانتخابات عام 1992. ورغم ان بوش الأب حقق فوزاً في حرب الخليج والحرب الباردة ونظم مع وزير خارجيته جيمس بيكر مؤتمر مدريد وأرغم المتطرف الصهيوني اسحاق شامير على خوض عملية السلام, إلا ان الخسارة جاءت غير متوقعة, فاللوبي اليهودي استطاع ان يلعب لعبته مع الأب ومع الابن معاً ولكن هنا نستطيع ولأول مرة ان نرى العرب الأمريكيين يقومون بدور فاعل في الانتخابات كون النقاط كانت على هاوية بين سقوط بوش الابن أو فوزه في الانتخابات الأخيرة على آل جور ونائبه. هذه التجربة في بداية عهد جورج دبليو بوش جعلته يقدم الى المواطن الأمريكي مجموعة من الخبراء ضمن فريق عمله فاختار بداية نائبه ديك تشيني وهو وزير دفاع سابق كان موفقاً بقيادته واختار جنرال حرب الخليج كولن باول وزيراً للخارجية وهو قائد عسكري مفضل عند بوش الأب, واختياره لرونالد رمسفيلد وزيراً للدفاع, وهذا الأخير عين وزيراً للدفاع في حكومة جيرالد فورد عام 1975, وكان أصغر وزير في منصبه حيث لم يبلغ الثالثة والأربعين والآن هو أكبر وزير للدفاع (68 سنة) ولكن جورج مارشال الذي شغل المنصب نفسه في بداية الخمسينيات كان يكبره بأشهر قليلة. ويبقى مهندسا مؤتمر مدريد جيمس بيكر وإدوارد جيرجيان من أكثر المقربين الى الرئيس الحالي بوصفهما خبيرين بالشرق الأوسط حيث استطاعا ان يقدما المشورة الكبيرة لوالده وله الآن في الانتخابات وما بعدها. وبذلك يكون جورج دبليو بوش قد حقق المعادلة التي يمكن لها ان تنقذه من فشل مؤكد لولا هذه الخبرات المميزة التي ضمها الى طاقمه الرئاسي. وهنا يبرز السؤال الأكثر صعوبة وهو كيف سيتعامل الرئيس الجديد مع ملفات البيت الأبيض التي تركها بيل كلينتون بعد ان زاد في تعقيدها؟ في فترة الانتخابات الأخيرة قال بوش, سأدافع عن المصالح الأمريكية في الخليج العربي وسأدافع عن أمن اسرائيل, ولكن سأدافع عن مصالح أمريكا في المنطقة. وهنا ثارت ثائرة اليهود لأنه قدم المصالح الأمريكية في الخليج على مصالحهم واعتبروا ان الخليج العربي برأي بوش أهم من اسرائيل وكأنهم ينتظرون من (الرجل) زلة لسان قبل أن تزل قدمه في المستنقع اليهودي وهم الذين كادوا ان يبعدوه عن البيت الأبيض, ولكن من جديد سرعان ما بدأ اللوبي اليهودي ومعه اسرائيل بمحاولة الاحتواء كي يقدم أفضل ما عنده لهم وهو بطبيعة الحال لا يمكن أن يتخلى عنهم رغم أنه لم يكن كسلفه بيل كلينتون الذي أحاط نفسه بمجموعة من اليهود منهم مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية ووليام كوهين وزير الدفاع وساندي بيرجر للأمن القومي ولورنس سامرز وزير المال وحتى سفير الولايات المتحدة في اسرائيل مارتن انديك والمنسق العام لشئون الشرق الأوسط دينس روس. وفي الجو العام للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط يبدو انها ستأخذ منحى مختلفاً عن سياسة الرئيس السابق ليس كما يعتقد البعض ان جورج دبليو بوش سيكون اكثر مصداقية من سلفه بل لأن الظروف الجديدة الراهنة تفرض عليه ذلك لعدة اعتبارات أولها مسألة النفط, فحاجة الولايات المتحدة تبدو اليوم كبيرة جداً للنفط العربي أو لنقل لسعر النفط الذي تأثر به المواطن الأمريكي ولم يعد يتأثر كثيراً بسياسة الولايات المتحدة تجاه اسرائيل بل بمصالحه الشخصية, أضف الى ذلك ان الجو العام في الوطن العربي أدرك بشكل لم يعد يقبل الشك ان الولايات المتحدة في عهد كلينتون مارست ظلماً شديداً على العرب سواء بدعمها المطلق لإسرائيل أو بضرباتها وحصارها للشعب العراقي ومن هنا برزت مسألتان مهمتان الأولى المعارضة الرسمية من قبل الحكومات العربية للولايات المتحدة والثانية الدعوة الى مقاطعة البضائع الأمريكية التي بدأت تأخذ منحى جديداً وجاداً في أوساط الشعب العربي من محيطه الى خليجه, وبالمحصلة لا يمكن للولايات المتحدة ان تتخلى عن مصالحها في الوطن العربي مقابل الدعم المطلق لإسرائيل. وفي هذا الجو فإن الإدارة الأمريكية الجديدة لابد انها تدرك اهمية السلام كونه في النهاية يخدم مصالحها لذلك لن تستفيد شيئاً في هذا الملف اذا تعاملت كما تعامل الرئيس السابق بيل كلينتون بل من المفترض ان تعود الى مرجعية مؤتمر مدريد القائم على القرارات الدولية وخاصة 194 و242 و338, وبالمقابل لن ترضى بأن تكون لعبة في يد اسرائيل التي تهربت حتى من اتفاق أوسلو, ولكن هذا لا يعني ان الادارة الجديدة ستقدم السلام على طبق من ذهب للعرب بل لعلها ستكون راضية اذا تنازل العرب عن مطالبهم كي تبيّض وجهها أمام اليهود بل ستقوم بجهدها للضغط على العرب في سبيل ذلك التنازل الذي يضمن لإسرائيل النصيب الأكبر من عملية السلام. ورغم أن التأثير اليهودي ليس بالقوة التي عاشها كلينتون الا ان هناك التأثير المسيحي البروتستانتي الذي يعيش في كنفه جورج بوش الابن وهو الذي يرى ان بقاء اسرائيل بقوتها مرتبط بإيمانهم وهذا التأثير اليميني يمكن ان يتفاعل معه بوش بشكل كبير جداً مما سيفرض عليه نوع الضغط الذي من المحتمل ان يمارسه على اسرائيل خاصة ان الواقع الداخلي لاسرائيل ينحى الى اليمين بعد فشل ايهود باراك في سياسته الداخلية والخارجية وعدم قدرته على قمع الانتفاضة المباركة التي تأثر بها الشارع الاسرائيلي سلباً وتأثر بها الشارع العربي ايجاباً والشارع الامريكي خاصة العرب الأمريكيين والمسلمين والذين أدوا دورا كبيرا هذه المرة في الانتخابات الأمريكية. وبالمحصلة فإن الرئيس الجديد سيجد في ملف الشرق الأوسط الكثير من الألغام التي يجب عليه ان يتعامل معها بحذر شديد, فالناخبون العرب من جهة والناخبون اليهود من جهة اخرى على المستوى الداخلي وموقف المواطن الأمريكي الذي بات يشعر بالقرف من ممارسة اليهود في أمريكا مما سيؤثر أيضاً على شعبيته العامة وهي بالأساس ناقصة لم ترق الى مستوى الخمسين بالمئة من الشعب الأمريكي. أضف الى ذلك مستوى التأييد الدولي الذي كسبه الفلسطينيون خلال فترة المفاوضات وامتدادها مع الانتفاضة فلا يزال الاتحاد الأوروبي ينادي بالقرارات الدولية لحل الأزمة الفلسطينية وهو بالأساس لا يعارض اعلان الدولة الفلسطينية وهذا التأييد لا يمكن ان يتجاهله الرئيس جورج دبليو بوش الذي تمنى ان تحل مشكلة السلام العربي الاسرائيلي قبل تسلمه السلطة كي ينقذ من تبعاتها. ولكن هل من المحتمل ان تكون الادارة الأمريكية الجديدة معادلاً موضوعياً في الشرق الأوسط؟ إن الواقع يفرض ذلك بيد ان الواقع العملي سيمر بأزمات أمريكية كثيرة اذا ما تعامل جورج بوش على ضوء المقترحات اليهودية وأشكالها التي تخدم اسرائيل قبل خدمة الولايات المتحدة وأقصد هنا باليهودية اللوبي الصهيوني في أمريكا الذي لم يقف بعد خسارته آل جور وليبرمان فها هو تقرير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى, وللتذكير فهذا المعهد أسسه اليهودي مارتن انديك, يفرد التقرير مجموعة من المقترحات المقدمة مجاناً للرئيس الجديد أولها معارضة أي اجراءات من طرف واحد تهدد السلام مثل إعلان الدولة الفلسطينية دون موافقة اسرائيل وثاني هذه المقترحات تهديد السلطة الفلسطينية كي تقدم تنازلات كبيرة لمصلحة اسرائيل. فهل سيأخذ الرئيس الأمريكي بهذه المقترحات لتكون سياسة أشد عرجا من سياسة سلفه, أم انه سيحاول مع زملائه ومستشاريه ان يقدم رؤية جديدة ونمطاً جديداً من العلاقات مع الدول العربية والشرق الأوسط عله بذلك يحقق مشروعية القوانين الدولية الغائبة عن ساحة السياسة الأمريكية السابقة ويحقق ذلك موضوعية رئيس أقوى دولة في العالم ضمن معادلة تكون هذه المرة خالية من الخوف الأمريكي من عدد قليل يحمل تعصب الصهيونية وعدوانيتها لكل خارج عن دينها. بقلم: محمد أحمد يوسف