لم تشهد الولايات المتحدة منذ نشأتها وحتى قبل فتح المراكز أمام الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة بثوان, ما تشهده هذه الأيام, فقد جاء الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش بفوارق مجهرية أشبه ما تكون متطابقة, وبكونجرس منقسم على نفسه بالمناصفة بين الجمهوريين والديمقراطيين سيعيش ما بين التلكؤ حيناً وازدواجية اتخاذ القرار أحياناً, وبأحلام ومشاريع كبيرة على المستويين الداخلي والخارجي, وبسلطة رابعة, تشمل كل وسائل الإعلام بكل مسمياتها, وجدت المناخ الخصب في النيل من مكانته حتى قبل أداء قسم تسلم الرئاسة, والذي على ما يبدو لن تحظى العلاقة الثنائية بين البيت الأبيض والسلطة الرابعة بالطيب, وأن فتح أبواب البيت الأبيض على مصراعيه أمام 200 عضو من ممثلي هذه السلطة وما رافقها من ابتسامات عريضة, لن تكون سوى أسبوع عسل ليس إلا. خاصة وأننا بتنا نشهد في مرآة هذه السلطة المتمثلة بالجرائد والمجلات جملة من المقالات التي تتحدث بكل وضوح عن خفة الرئيس الجديد, في محاولة للغمز من قناته بسبب خبرته السياسية المحدودة, بل والضحلة في المجال الخارجي والتي تقتصر على المكسيك حصراً وابقاء الحصار على كوبا.على الرغم من الطوق المجرب والكبير الذي سيج نفسه به بداية من الجنرال المتقاعد كولن باول مروراً برامس فيل الذي يمتلك خبرة واسعة بالشئون الداخلية, حيث يوصف بالذكاء الخارق منذ أن كان مبعوثاً للسلام للرئيس ريجان للشرق الأوسط والقدرة على التركيز وانتهاء بديك تشيني, أي أن حكومته وصفت بكل وضوح بالصقورية وأبقت الحمائم الجمهوريين, هذا إذا وجد من يحمل هذه الصفة, خلف الستارة. بالإضافة إلى الضغوط الكبيرة التي سيواجهها الرئيس جورج بوش, من جماعات الضغط الاثنية والاقليات, والتيارات المحافظة حتى من الاتجاهات المنخرطة في صفوف الجمهوريين أنفسهم, وقد بدأت تتضح معالمها في الكثير من الاحتجاجات التي بدأت تظهر بين الفينة والأخرى أمام ساحة البيت الأبيض, والتي تمثلت في المواقف المحافظة من قضية الإجهاض وهذا الأمر, كشف بكل وضوح التباين بالمواقف ما بين ممثلي الشمال المعتدل وممثلي الجنوب المحافظ والذي يعتبر الرئيس الجمهوري الجديد من أبرز شخوصه بعد بوش الأب. علاوة على ذلك فقد حمل الرئيس بوش الابن إدارته أعباءً كبيرة جداً في غمرة التنافس بين البرامج الانتخابية الطموحة والتي تحتاج لميزانية حكومية إضافية, في مرحلة تعاني الولايات المتحدة حالة من الكساد العام والمركب, فقد طالب بمزيد من الحرية للمؤسسات التربوية, ونظام خاص للأهالي الذين يجدون صعوبات في دفع الأقساط المدرسية, مع مراقبة منتظمة لمستوى التعليم الرسمي واداء المعلمين. أما على المستوى الاقتصادي فقد تضمن خطاب القسم خفض معدلات الضريبة للسنوات العشر المقبلة, بحيث لا تتجاوز 1300 مليار دولار بالعام, ناهيك عن التعهد بتوظيف 158 مليار دولار في القطاع الصحي, على مدى عشر سنوات أيضاً, وتخصيص 110 مليارات من برنامج التغطية الصحية للمسنين.إضافة إلى ذلك إيجاد حماية أفضل للبيئة على المستوى الفيدرالي. لكن بعيداً عن الأوضاع الداخلية وما سيعتريها من اخفاقات في تنفيذ ما أعلنه في خطاب القسم, ثمة دلائل كثيرة تشير إلى أن حزمة من المشكلات الكبيرة ستواجه إدارة الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن, على العكس مما تشيعه بعض وسائل الإعلام الأمريكية, خاصة فيما يتعلق بمشكلات الشرق الأوسط إن كان لجهة السلام العربي الإسرائيلي والمشكلات التي تعتري هذه القضية الشائكة والمعقدة والتي تنذر بالكثير من المخاطر, أو لجهة ديمومة حصار العراق والمواقف الدولية المستجدة. فإذا كان جورج بوش الأب قد نجح قبل عشر سنوات في حشد تحالف دولي ضد هذا البلد, من خلال إعطائه الوعود المسبقة لحل القضية الفلسطينية كعامل محوري لضربه, لن يجد بوش الابن ما يجمع به شمل هذا التحالف أو أقل منه بكثير حتى على مستوى حلف شمالي الأطلسي لإقصاء الرئيس صدام حسين عن السلطة في العراق, بل لن يجد من يسمع له بآذان صاغية لديمومة الحصار المفروض عليه, وأن اللفيف من الصقور الذين يحيطون ببوش الابن الذين قادوا الحملة ضد العراق في بداية التسعينيات من القرن الماضي, قادوها بتحالف دولي وليس بهمتهم وحدهم. وهذا بحد ذاته سيقنن من الخيارات الشرق أوسطية التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من مهمات الأمن القومي الأمريكي في الخارج, والتي غالباً ما اتسمت بالتدخل العسكري, وأن استخدام القوة كما كان في الماضي بذريعة الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة, والذي كان يحتل المكانة الأولى في سلم أولويات كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة, جمهورية كانت أو ديمقراطية لن يتوفر لبوش الابن, بذات الصورة التي كانت في فترات بل وحقب سابقة.خاصة إذا ما لاحظنا, ولو بشكل يسير, التغير الكبير في مواقف النظام العربي وشارعه العريض راهناً عن حقبة التسعينيات, وهذا التغير بكل تأكيد سيحد كثيراً من جموح هذه الإدارة للعودة إلى ذات الطريقة والأسلوب في حل المشكلات القائمة في المنطقة, رغم الحنين إلى إبقاء مواقفها كما كانت عليه, من كل المشكلات العالقة في المنطقة, وما يقع على عاتقها سوى التفكير الجاد في اتخاذ جملة من القرارات الصعبة. وقد توضحت السياسة الخارجية للإدارة الجديدة إزاء الشرق الأوسط, التي لا تخضع في أغلب الأحيان لاستفتاء الكونجرس, وإذا ما حصلت فإنها غالباً ما تكون نادرة جداً, من خلال تصريحات كولن باول الضبابية التي عبرت نصاً وروحاً بأنها تأتي في حيز الدفاع عن النفس وجس النبض, وليس تعبيراً عن الهجوم, خاصة وأن هذه التصريحات خرجت من عسكري يؤمن بأن خير وسيلة للدفاع عن النفس المبادرة بالهجوم حتى ولو توقف هذا الهجوم عند حيز الكلام الحاد. وقد لا يقف الأمر عند هذا الحد, لان المصاعب التي ستواجه الإدارة الجديدة, لن تقف عند حدود هذه القضايا العالقة حيث توضح جلياً للدول الأوروبية, أن الولايات المتحدة بما في ذلك الإدارة الجديدة تحصر جل همها في الإبقاء على السيطرة على مواقع الثروة في العالم, أولاً وأخيراً, وما عليها إلا تقديم الولاء والدعم اللامتناهي, ولهذا ستواجه الإدارة الجديدة أيضاً, موقفاً أوروبياً موحداً هدفه رسم سياسة دفاعية أمنية لخدمة مصالحها كمقدمة للخروج من تحت العباءة الأمريكية, ولخلق حالة من توازن المصالح. خاصة وأن أوروبا اكتشفت وعن كثب فشل منظومة الصواريخ المضادة للصواريخ على كل الأصعدة بداية من الشكوك بنجاحه, والتي بدأت تتضح بشكل حقيقي بعد جملة التجارب التي أجريت على هذا النظام, بالإضافة إلى تكاليفه الباهظة والتي تهدر الولايات المتحدة عشرات المليارات من الدولارات على نظام صاروخي غير مجد, وبأنه لا يزال عبارة عن خطوة في طور التطوير. وهذا الأمر بحد ذاته ضرب جانبا من مصداقية الولايات المتحدة بالنسبة لحلفائها الغربيين وخدش هيبتها بنظرهم, مما شجعهم على الشروع في اتخاذ خطوات منفردة بدأت تتضح معالمها مؤخراً, وهذا يعتبر من سوء حظ بوش الابن الذي جاء ليحمل تركة ثقيلة بعد ثماني سنوات من حكم الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون الذي ترك فجوات كبيرة في سياسة الولايات المتحدة الخارجية. وليس مستغرباً إذا ما اعتبرنا في هذا المقام أن الولايات المتحدة في عهد بوش الابن ستواجه بشكل عملي عودة بعض الدول الأوروبية إلى مناطق نفوذها السابقة, وتحديداً فرنسا التي بدأت تستعيد في نهاية عهد كلينتون عافيتها باتجاه القارة الإفريقية التي كانت قد كنست منها في نهاية التسعينيات من القرن الماضي, وقد بدأ يظهر هذا من خلال مؤتمرات الفرانكفونية و النجاحات الملازمة لهذه المؤتمرات ولو نسبياً, وهذا المنحى يلقى الكثير من التأييد من الكثير من الدول الأوروبية الشريكة الفعلية لفرنسا. ناهيك عن النشاط الأوروبي المتنامي باتجاه القارة الآسيوية والتي وجدت قضايا الشرق الأوسط البوابة التي تشرعن خطواتها الحثيثة في العودة إلى بناء علاقات مميزة بمعزل عن الإدارة الأمريكية, وبالتنسيق مع روسيا الموعودة بالكثير من الرشاوى من قبلها بداية من ترشيد ديونها وانتهاء بمشاريع مشتركة بما في ذلك إنتاج أسلحة استراتيجية, وعودة الاهتمام بالفضاء مرة أخرى من قبل روسيا وبمساعدات فرنسية مقنعة بتسميات ما أنزل الله بها من سلطان. أما المفاجئ حقاً ما يتعلق بالمربع الهندي - الروسي, والباكستاني الصيني, فمنذ أن فوجئت الولايات المتحدة بدخول باكستان والهند النادي النووي, تراجعت الولايات المتحدة بانتهازية عن الكثير من مواقفها المعلنة ضد باكستان, وبدأت بالضغط الخفي من أجل حمل هذا البلد على التراجع عن خياره النووي, إلا أن الدعم الصيني اللامتناهي من خلال الشراكة الواسعة قد جعل من باكستان دولة قادرة على مد معظم دول المنطقة بكل أنواع الأسلحة الاستراتيجية, فقد وجدت الصين من خلال دعمها ظهيراً كبيراً وقوياً في مواجهة مشاريع الولايات المتحدة في جنوب شرق ووسط آسيا ومنطقة شبه الجزيرة الهندية. بالمقابل عادت روسيا هي الأخرى بعد تسلم بوتين مقاليد الحكم سريعا لترميم العلاقة الروسية الهندية, انطلاقاً من ذات الأهداف التي انطلقت منها الصين, حتى بدا شيء يلوح بالأفق من التوافق على إرساء سلام هندي باكستاني, كمقدمة لإرساء تحالف رباعي قد يمتد في السنوات القليلة المقبلة ليطال إيران بعد دخولها هي الأخرى إلى النادي النووي بذات الطريقة التي انتهجتها باكستان, لكن بدعم روسي, وبعض الدول العربية لتشكل هذه الدول درعاً ضامنا للحد من استراتيجيات الولايات المتحدة في المنطقة بشكل عام. وعلى ما أعتقد أن الخطوات نحو الإعلان عن مثل هكذا تحالف بات قاب قوسين أو أدنى, وهذا الإعلان بكل تأكيد سيضع حكومة الرئيس بوش الابن في الزاوية الحادة, في مرحلة تعيش فيها حالة من الخسارة النسبية لمصداقيتها لدى الكثير من أصدقائها وحلفائها في أوروبا وأفريقيا وآسيا, ناهيك عن أزماتها الداخلية بما في ذلك الاقتصادية. وكل هذا يؤشر على حدوث جملة من المفاجآت التي قد تنذر بقرب أفول نجم أمريكا كما حدث عند الاتحاد السوفييتي, خاصة وأن أيديولوجيتها الحالية المتمثلة بالعولمة بدأت هي الأخرى تتراجع على المستوى الأخلاقي والإنساني, لدى كل شعوب الأرض, حتى وصل الشك في صيرورة هذا الاتجاه عند جزء كبير من صانعي السياسة الأمريكية نفسها. لكن السؤال المهم, هل سنشهد انهيار إمبراطوريات في بداية الألفية الثالثة كما شهدنا سقوط بعضها في نهاية الألفية الثانية ؟ كل شيء جائز فلم يكن أحد يظن أو حتى يتكهن بسقوط الإمبراطورية السوفييتية السابقة بهذه السرعة القياسية وما رافقها من انهيار للدول والشعوب التي كانت تدور في فلكها, أدى بدوره إلى إحداث تغيرات دراماتيكية في معادلات التوازنات الدولية التي كانت قائمة جملة وتفصيلاً, والتي طالت بدورها جملة من القيم والمفاهيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.