مع تولي إدارة الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش مقاليد السلطة في الولايات المتحدة بعد ثماني سنوات متتالية من حكم الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون, تتزاحم الأسئلة حول السياسات الأمريكية في المرحلة الجديدة واحتمالات، تغيرها والتوجهات العامة التي ستحكم تعاملها مع المناطق الساخنة في العالم ومع المجموعات الاقليمية والدولية, بما في ذلك منطقة الخليج العربي والمنطقة العربية والشرق أوسطية عامة. كما تطفو بعض التساؤلات حول احتمالات وامكانيات التغير في الموازين الدولية وما يستتبع ذلك من علاقات بين القوى الدولية الكبرى وانعكاساتها على مستوى السياسة الدولية. (الملف) حاور الدكتور جمال سند السويدي مدير مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية حول هذه المواضيع وغيرها, حيث أكد بداية أن الثوابت الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية لا تتغير بتغيّر الإدارات والمسئولين, غير ان أساليب وطرق التعاطي مع هذه الثوابت يمكن أن تتغير بين مرحلة وأخرى. وفي هذا الإطار يحلل الدكتور السويدي عناصر ومحددات السياسة الأمريكية بشكل عام وفي المرحلة الراهنة بشكل خاص, مقترحاً إطاراً عاماً للاستراتيجية التي ينبغي أن تتعامل بها الدول العربية مع هذه الإدارة الجديدة, مؤكدا في الوقت ذاته أن العامل الأساسي في ذلك هو ضمان المصالح الأمريكية في المنطقة. وفيما يلي نص الحوار: * ما احتمالات واتجاهات التغير في السياسة الأمريكية الخارجية خلال عهد بوش الثاني؟ ــ يحكم السياسة الأمريكية محددان رئيسيان هما المصالح الأمنية والمصالح الاقتصادية, ولذلك فهناك أساسيات وثوابت لا تتغير في التوجهات العامة, بينما الذي يمكن ان يتغير هو طريقة الاداء فقط أي السلوك والآليات التي تضمن تحقيق التوجهات العامة بأقل قدر من الخسائر وأكبر عائد, وأيضاً ترتيب الأولويات في المصالح الحيوية. لذا نستطيع القول بأن الاستراتيجية الأمريكية الكونية لن تتغير كثيراً خلال عهد بوش الثاني, وسيظل التوجه العام للسياسة الخارجية هو استمرار الولايات المتحدة الأمريكية قوة عظمى وحيدة مهيمنة في العالم من خلال المحافظة على التفوق الأمريكي الاستراتيجي في كافة المجالات, وإن كان الدفاع الوطني للولايات المتحدة سيحتل موقع الصدارة في أولويات الرئيس بوش الثاني. أما على المستوى الإقليمي فإن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه أوروبا تواجه تحدياً مستقبلياً على ثلاثة مستويات: أولاً: ضمان أن الاتحاد الأوروبي بسياسته الدفاعية سيكون مكملاً وليس مقوضاً للتحالف القوي عبر الأطلسي. ثانياً: المحافظة على استمرار الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا وإن كان يمكن الاتفاق على حجمه وتوزيعه. ثالثاً: استمرار تنفيذ استراتيجية توسيع الناتو بقوى الديمقراطيات الجديدة المؤهلة. ولذلك سيستمر التمسك الأمريكي ببقاء حلف الناتو تحت القيادة العسكرية الأمريكية, واستمرار التقارب والشراكة مع بعض الدول الأوروبية مثل ايطاليا وألمانيا, مع الأخذ في الاعتبار ان قرار الادارة الأمريكية الجديدة بالمضي قدماً في تنفيذ برنامج (الدفاع الصاروخي الوطني) الأمريكي والذي تبلغ كلفته نحو 60 مليار دولار سيكون ذا تأثير سلبي في العلاقات الأوروبية ــ الأمريكية, لأن الدول الأوروبية تخشى ان يؤدي هذا البرنامج الى استقلال أمن الولايات المتحدة عن أمن أوروبا. أما بالنسبة الى منطقة الخليج العربي تحديداً فإن أحد أهم العوامل المؤثرة في توجهات السياسة الأمريكية نحو الخليج هي المصالح الاقتصادية الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية, حيث تعتبر أن تأمين وصول موارد الطاقة إليها مصلحة بالغة الأهمية للأمن القومي الأمريكي, والحجج الداعية الى ايجاد مصادر بديلة للطاقة أو إدخال تحسينات على الموارد المحلية, على أهميتها, لا يمكن لها أن تطغى على العوامل الجيواستراتيجية والاقتصادية الأساسية لأسواق النفط العالمية. إن منطقة الخليج العربي تحتوي على ثلثي الاحتياطي المؤكد من النفط في العالم وثلث الاحتياطي المؤكد من الغاز الطبيعي على المستوى العالمي. وطوال العام الماضي وحتى الآن كان النفط, ومعه منطقة الخليج موضع اهتمام شديد في وسائل الاعلام العالمية ونشاط الإدارة الأمريكية, حيث يمثل نفط الخليج حالياً نحو ربع الواردات النفطية الأمريكية, أي ما يقرب من 2.35 مليون برميل يومياً. وطبقاً لمصادر أمريكية فإن الطلب العالمي على الطاقة سيزداد بنسبة 50% من الآن وحتى العام 2020. وتتوقع هذه المصادر ان 37% من الاستهلاك العالمي للطاقة في العام 2020 سيكون من النفط و29% من الغاز و23% من الفحم و11 بالمئة من موارد أخرى. ويعتبر استهلاك النفط للفرد الواحد في الولايات المتحدة هو الأعلى في العالم, ويتوقع ان يزيد اجمالي استهلاك النفط في الولايات المتحدة بنسبة 25% من الآن وحتى العام 2020 (من 20 مليون برميل يومياً الى 25.1 مليون برميل يومياً). وفي الأعوام الثمانية الماضية, ازداد الطلب الاجمالي على الطاقة بواقع 14%. أي ان الحقائق الاقتصادية تملي على الادارة الأمريكية الجديدة ان تظل على علاقاتها بمنطقة الخليج العربي, هذا فضلاً عن تأثير المجموعة المعقدة والمتشابكة من العلاقات التي تربط الولايات المتحدة بدول الخليج العربية, ومشاركة هذه الدول في حفظ الأمن والسلام الدوليين مثل ارسال قوات الى كوسوفو وتقديم العون لها وتمويل شحنات النفط الى كوريا الشمالية. إن دول الخليج تشكل كتلة مهمة من الأصوات التي تساند المساعي الاصلاحية للأمم المتحدة والمساعي الإصلاحية التي تستهدف الاقتصاد والبيئة في العالم. ولكن من المتوقع ان تسعى الإدارة الأمريكية الجديدة لخفض التزاماتها الدفاعية. خاصة أنه سيحل في هذا العام 2001 موعد اعادة التفاوض بشأن المعاهدات الدفاعية التي أبرمتها الولايات المتحدة مع الكويت ودول خليجية اخرى قبل عشر سنوات, وربما تسعى الولايات المتحدة الى اعادة النظر في تحديد التزاماتها بموجب هذه المعاهدات, وقد تعمل على نشر قواتها على نحو متزايد على متن السفن (ما وراء الأفق). * هل تعيد أمريكا النظر في سياساتها العربية والشرق أوسطية في ظل الإدارة الجديدة؟ ــ يمكن القول إن الادارة الأمريكية الجديدة ستكون مهتمة بالتخلص من أعباء الشرق الأوسط أكثر من اهتمامها بتقاسم هذه الأعباء, أي أن هذه الإدارة ستكون أقل اهتماماً بمسألة التسوية السلمية في الشرق الأوسط, خاصة في الأشهر الأولى للحكم, حيث نرجح ألا تكون تسوية النزاع في الشرق الأوسط إحدى أولوياتها حتى لا تبدأ الإدارة الأمريكية الجديدة مرحلتها في السياسة الخارجية وهي غارقة في متاهات صراع استمر لنصف قرن من الزمن له جذور تاريخية وأبعاد سياسية شديدة التعقيد, ولذلك ستكون أكثر ميلاً الى أن تدع أطراف هذا الصراع يسوون مشكلاتهم بمفردهم طالما لن تتسع رقعة النزاع وتهدد المصالح الاقتصادية الحيوية لواشنطن في المنطقة. وربما تُوافق الإدارة الجديدة على السماح للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بأن يلعبا دوراً أكبر في عملية السلام, وتنتظر الفرصة المواتية لعقد اتفاق مناسب. ونظراً للعلاقات الطيبة والموسّعة التي يتمتع بها ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي الجديد مع معظم قادة وزعماء الدول العربية فربما يصبح المسئول عن ملف الشرق الأوسط. * هل تُبقي الإدارة الجديدة على الوضع في العراق كما هو, أم تعمل لتصعيد الموقف, أم أنها قد تجنح إلى قبول حلول أقل تشدداً تجاه رفع الحصار المفروض على الشعب العراقي؟ ــ من الواضح أن المسألة العراقية ستأخذ أولوية بارزة في سلم اهتمامات الإدارة الأمريكية الجديدة, ولكنها ستعمل في عدة محاور, أولها الانتظار حتى أغسطس المقبل وهو توقيت إعادة نظر مجلس الأمن الدولي في تجديد العقوبات الدولية على العراق لتتمسك الولايات المتحدة بضرورة استمرار العقوبات وتفعيلها حتى يقبل العراق بعودة لجان التفتيش, وثانيها أن الإدارة الأمريكية لن تتوقف عن دعم المعارضة العراقية, وثالثها هو مواجهة أي تصرفات أو تحركات يقوم بها الرئيس العراقي صدام حسين, بحسم شديد ومنعه من امتلاك أي زمام للمبادرة أو لتقويض الاستقرار في المنطقة. * هل تؤشر تصريحات وزير الخارجية الجديد (الجنرال السابق) كولن باول على توجه جديد أكثر إيجابية تجاه (الدول المارقة) كما كانت تسميها الإدارة الأمريكية السابقة مثل إيران وكوبا...؟ ـ من خلال استقراء وتحليل ما جاء في حديث وزير الخارجية الأمريكي الجديد كولن باول أمام مجلس الشيوخ يوم 17 يناير 2001 نستطيع ان ندرك ان السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة سوف يكون لها سمتان, الأولى: الحذر في اتخاذ القرارات الخارجية تجاه المشكلات والأزمات الدولية والإقليمية, والثانية: عدم نشر القوات الأمريكية سواء في عمليات سلمية أو نزاعات إقليمية محتملة لا تخدم المصالح الأمريكية بصورة مباشرة. ولذلك, فإن توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة بالنسبة الى كوريا الشمالية ستكون الاستمرار الحذر في دعم عملية المصالحة التاريخية بين الكوريتين لخفض حدة التوتر في شبه الجزيرة الكورية مع المحافظة على موقفها المتشدد تجاه استمرار كوريا الشمالية في بناء قدرات عسكرية تقليدية تزيد على حاجتها الدفاعية وتطويرها للصواريخ والأسلحة غير التقليدية, ولذلك سيستمر التواجد العسكري الأمريكي في كوريا الجنوبية واليابان مع إعادة النظر في نوعية هذا التواجد وحجمه بما يضمن تحقيق الردع والانتشار لمواجهة أي تهديد. أما بالنسبة إلى إيران فإن الإدارة الجديدة ستسعى الى تحقيق اختراق في العلاقات معها بعد ان ينتهي مفعول (قانون العقوبات ضد إيران) في هذا العام خاصة ان شركات الطاقة الأمريكية التي تحرص على ألا تتقدم عليها منافساتها الأوروبيات ستضغط لإنهاء العمل بهذا القانون, ولكن من المرجح أن التقارب الأمريكي ــ الإيراني لن يتم في المستقبل القريب, لأنه يلزم أن نأخذ بعين الاعتبار أن العقوبات الأمريكية ضد إيران تستهدف جانبين مختلفين من السلوك الإيراني. حيث فرضت بعض العقوبات على إيران لأنها (دولة راعية للإرهاب), لكونها تدعم التنظيمات المسلحة والمتطرفة, ولكونها متهمة بتنفيذ اغتيالات وأعمال عنف ضد المعارضين الإيرانيين في الخارج. أما المجموعة الثانية من العقوبات فهي تستهدف برامج تطوير الأسلحة الإيرانية, وخاصة الأسلحة النووية. ويمكن تقسيم القيود الأمريكية المفروضة على إيران إلى ثلاثة أنواع: أوامر رئاسية, وقرارات حكومية, وقوانين. ويحق للرئيس الأمريكي إلغاء النوعين الأولين بقرار أحادي الجانب, بينما يحتاج النوع الثالث إلى موافقة الكونجرس أو انتهاء الفترة المحددة للعمل بهذه القوانين. ولذلك فإننا نرى ان قيوداً سياسية, وليست استراتيجية, هي التي تعطل عملية التقارب الأمريكي ــ الإيراني, فالولايات المتحدة وإيران تشتركان في مجموعة واسعة من الاهتمامات في المنطقة, وكلتاهما تشعر بالتخوف تجاه أعمال طالبان في أفغانستان, وتجاه المعدلات المرتفعة لعمليات تهريب المخدرات عبر الحدود الأفغانية ــ الإيرانية, وكلتاهما تعتقد انه يجب احتواء العراق, مع أن كلا منهما تحاول تقليص نفوذ الأخرى في عراق ما بعد صدام. وكانت إيران مستفيدة بالمجان من سياسة الاحتواء التي مارستها الولايات المتحدة تجاه العراق, وفي الوقت نفسه كانت تنتقد الدور الأمريكي في المنطقة. وكلتا الدولتين ترغب في استقرار اسعار النفط وحرية الملاحة في مياه الخليج العربي. ولدى شركات النفط الأمريكية رغبة شديدة في تطوير احتياطي النفط الإيراني, ولدى مسئولي شركة النفط الوطني الإيرانية رغبة شديدة أيضاً في الحصول على الخبرات والتقنيات الأمريكية. لكن لا يزال العداء لإسرائيل ومناهضة السياسة الأمريكية من الركائز الأساسية المتبقية للثورة الإيرانية, ولن يتم التخلي عنهما بسهولة. وعلاوة على ذلك فإن استمرار تعاون إيران مع روسيا والصين لتطوير قدراتهما العسكرية وأسلحتهما يثير قلقاً عميقاً لدى الإدارة الأمريكية الجديدة, فضلاً عن أن كثيراً من الإيرانيين يخشون من أن تتمكن الهيمنة الأمريكية ـ على الصعيدين السياسي والثقافي ــ من اجتياح إيران وتدمير الحضارة الإسلامية والفارسية التي تعود إلى آلاف السنين. وهناك مصالح مالية محمية لها دور كبير في استمرار العقوبات الأمريكية, لأن أصحابها يجنون مكاسب هائلة من عمليات التهريب الناتجة عن العقوبات. وأخيراً, يرغب المحافظون أن يضمنوا أن أي انفتاح على الولايات المتحدة لن يؤدي إلى تقوية خصومهم الإصلاحيين. * ما احتمالات التوافق والاختلاف بين الإدارة الجديدة وكل من الصين وروسيا, خاصة فيما يتعلق بالأسلحة الاستراتيجية وسباق التسلح؟ ــ رغم أن الإدارة الأمريكية الجديدة تتسم بالمحافظة فإن موقفها تجاه كل من الصين وروسيا سيكون بشكل عام أكثر تشدداً من الإدارة السابقة فيما يتعلق ببرامج الأسلحة الاستراتيجية ودعمها لسباق التسلح على المستوى الدولي, وإن كانت ستسعى الى استثمار رغبة روسيا الاتحادية والصين في المشاركة في الاقتصاد العالمي والمؤسسات الدولية بطلب قبولهما للشروط والالتزامات التي تفرضها الولايات المتحدة. وبالنسبة إلى الصين فإنها ليست على مستوى علاقة شريك استراتيجي للولايات المتحدة وإن لم تكن في الوقت ذاته خصماً رئيسياً, لكنها دولة إقليمية منافسة تدعم بعض الدول المثيرة للتوتر في العالم بتكنولوجيا الأسلحة الاستراتيجية وتساعد على تصعيد سباق التسلح في بعض المناطق الساخنة في العالم, ولذلك لن تسمح الإدارة الأمريكية الجديدة للصين باستمرارها في هذا التوجه. ورغم الاتفاق الأمريكي ــ الصيني على أن تايوان جزء من الصين, فإن الولايات المتحدة لن تسمح للصين باستخدام القوة العسكرية لضم تايوان, حيث تعتبر الولايات المتحدة أنها مسئولة عن أمن تايوان بوصفها ركيزة أساسية للاستقرار في هذه المنطقة. أما بالنسبة إلى روسيا التي تسعى إلى استعادة مكانتها كقوة عظمى فإنها لا تزال تحتاج إلى مساعدة الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. ومن ثم فإن نظرة الإدارة الأمريكية الجديدة لها تتوقف إلى حد كبير على مدى التقدم الذي ستحرزه روسيا الاتحادية في مجال الإصلاحات الإدارية ومواجهة الفساد ودعم سيادة القانون ووقف انتشار تكنولوجيا الصواريخ والمواد النووية واحترام تعهداتها بوضع حد لمبيعاتها من الأسلحة التي تهدد السلام والاستقرار إلى دول مثل إيران والعراق. * هل تحافظ أمريكا على علاقتها التقليدية بأوروبا أم أن هناك بوادر واحتمالات للمواجهة بين طرفي الأطلسي خاصة في مجال التجارة الدولية والاقتصاد العالمي؟ ــ من المعرف أنه خلال فترة حكم الرئيس كلينتون ارتفع حجم التجارة الخارجية الأمريكية مع العالم من 4 تريليونات دولار الى 6.6 تريليونات دولار سنوياً, بفضل استكمال اتفاق جولة الأوروجواي, وإنشاء منظمة التجارة العالمية والموافقة على اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية (نافتا) والموافقة على إقامة علاقات تجارية طبيعية دائمة مع الصين. ولذلك أعتقد أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية الجديدة هو المحافظة على النمو الاقتصادي الأمريكي, ومن ثم فإنها تواجه أزمة في علاقاتها الاقتصادية الراهنة مع أوروبا, لأنه بحلول يناير 2002 سيحل اليورو محل العملات الوطنية في 11 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي, وبعد أربع سنوات من الآن يتوقع ان ينضم ستة أعضاء جدد الى الاتحاد المؤلف حالياً من 15 دولة, ولذلك يرجح أن يصبح اليورو هو العملة الأجنبية المرشحة لمنافسة الدولار الأمريكي على المستوى العالمي خلال السنوات المقبلة, وهو ما سيؤثر بشدة في قيمة وقوة الدولار الأمريكي في الأسواق والبورصات العالمية, وينعكس سلباً على مستوى التجارة الأمريكية الخارجية. ولذلك نحن نتحدث هنا عن علاقات تنافس وصراع وليس علاقات مواجهة أو صدام بين طرفي الأطلسي, وأعني بهما الاقتصاد الأمريكي واقتصاد الاتحاد الأوروبي على مستوى ميدان الاقتصاد العالمي وفي سوق التجارة الدولية. * هل تملك الإدارة الجديدة إمكانية أكبر للتعامل مع إسرائيل بانحياز أقل من السابق؟ ــ من المعروف ان أحد أهم الثوابت الراسخة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط هو الحفاظ على أمن وسلامة إسرائيل, وفي تقديرنا لا تستطيع أي ادارة أمريكية أن تغير من هذا المبدأ تغييراً حقيقياً, ولذلك أعتقد أن إدارة بوش ستحافظ على استمرار (التحالف الاستراتيجي) بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع استمرار المستويات الحالية من الدعم المالي والعسكري, ولكني أعتقد أنه على المستوى السياسي يرجح ان تصبح العلاقة مع اسرائيل (أقل حميمية) منها مع إدارة كلينتون, خاصة أن الإدارة الأمريكية الجديدة تدرك أن عدم شعبية الولايات المتحدة حالياً في العالمين العربي والإسلامي والتهديد المباشر الذي يمثله المتطرفون على المصالح الأمريكية هما نتيجة طبيعية لانحيازها الكامل لصالح إسرائيل, ولذلك فإنها لن تدعم أي تصرفات إسرائيلية غير مسئولة. وفي الوقت نفسه لن تضغط على إسرائيل لقبول أي تسوية لا ترضاها. * كيف تتصورون مستقبل موازين القوى الدولية خلال السنوات الأربع المقبلة في ظل توجهات بوش الابن وإدارته الجديدة؟ ــ في ظل ترجيحنا لاستمرار الأوضاع في البيئة العالمية والإقليمية كما هي, ستظل الولايات المتحدة ممسكة بزمام القوة والسلطة معاً على مدى السنوات الأربع المقبلة, ونعني بالقوة هنا القدرة على فرض الإرادة ومصداقية تنفيذها لقراراتها مع تعاظم حرية الحركة المتاحة لها على المستوى العالمي, أما السلطة فأعني بها القدرة على الحفاظ على تفوقها في المجالات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والإعلامية. ومن ثم فإنني أرجح عدم حدوث أي تغيير في موازين القوى الدولية خلال السنوات الأربع المقبلة, ولن تظهر ــ على الأغلب ــ أقطاب دولية مؤثرة خلال هذه الفترة سواء في أوروبا أو آسيا, وإن كانت التحالفات الأمريكية في كل من هاتين المنطقتين ستظل حجر الأساس للأمن القومي الأمريكي, وإن كنا نعتقد أن الإدارة الأمريكية ستعيد النظر في طبيعة هذه التحالفات وأبعادها وتوجهاتها وأعبائها. * ما المطلوب من الدول العربية للتعامل مع الإدارة الجديدة فيما يخص القضايا العربية بشكل عام وعملية السلام بشكل خاص؟ ـ قبل أن أقترح الاطار العام للاستراتيجية العربية التي يمكن أن تتعامل بها الدول العربية مع الإدارة الأمريكية الجديدة, يجب أن نتذكر أن هناك مصالح استراتيجية حيوية مشتركة سواء اقتصادية أو سياسية تجمع بين كثير من الدول العربية والولايات المتحدة الأمريكية, فضلاً عن وجود العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الأمنية والاقتصادية التي تربط بين الجانبين, الأمر الذي يؤدي في النهاية الى وجود عدة ثوابت ومحددات في العلاقة بين الطرفين تدفع في اتجاه التعاون وتنسيق الجهود المشتركة لمواجهة التهديدات والتحديات الإقليمية والعالمية والتوصل الى حلول ملائمة للنزاعات العربية الخارجية. ولذلك فإن المطلوب من الدول العربية في تعاملها مع الإدارة الأمريكية الجديدة أن تحافظ على هذا التوجه بما يضمن لها تحقيق مصالحها الاستراتيجية الحيوية, ولذلك فإنني أقترح أن يشمل الإطار العام للاستراتيجية العربية في التعامل مع إدارة الرئيس بوش الثاني عدة محاور من أهمها: * حيث الإدارة الأمريكية الجديدة على إقامة علاقات متوازنة بين المصالح العربية والإسرائيلية, خاصة أن المصالح الاقتصادية الأمريكية تزيد في الجانب العربي. * قيام الدول العربية بطرح موقفها من التسوية السلمية بقوة ووضوح وبصورة جماعية في واشنطن وفي عواصم غربية أخرى, مع التمسك بضرورة تحقيق قرارات الشرعية الدولية في أي تسوية محتملة. * العمل على توسيع رقعة العلاقات والمصالح مع المؤسسات والمنظمات الأمريكية غير الحكومية والتي أصبح لها دور في التأثير على متخذ القرار الأمريكي. * دعم ومساندة اللوبي العربي والإسلامي في الولايات المتحدة بحيث يصبح قادراً على التأثير في القرار الأمريكي لصالح العالمين العربي والإسلامي. * سيكون على الدول العربية العمل مع وزارة الخارجية التي تجمع خبراء في الشرق الأوسط بشأن عملية السلام, ومع وزارة الدفاع التي تتميز بخبرة في منطقة الخليج بشكل خاص.