بوش قائد بغير كاريزما ويعرف حدود قدراته، تقرير سياسي يكتبه: محمد الخولي

عندما كان هنري كيسنجر استاذا بجامعة هارفارد في عقد الستينيات, كان يعلم طلابه كيف أن التاريخ تحركه عوامل موضوعية.. مؤسسية جماعية بصرف النظر عن شخصيات القادة وهويات الزعماء الذين كان يرى كيسنجر أن أدوارهم كأفراد محدودة في إطار حركة التاريخ. لكن هنري كيسنجر ما لبث أن غير نظرته هذه حين دخل ميدان العمل السياسي- الدبلوماسي في إطار العلاقات الدولية التي كان مسئولا عنها خلال فترة توليه منصب وزير خارجية الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون. يومها أطلق كيسنجر عبارته الشهيرة: بعد أن تعاملت مع أفراد وزعامات مثل أنور السادات في مصر وجولدا مائير في إسرائيل سلمت بأهمية العنصر الشخصي العامل الذاتي في حركة التاريخ. والمعنى أن شخصية القائد.. الرئيس أو الزعيم تلقى خلالها بالضرورة على أسلوب الاطلال على القضايا ومناهج حل المشكلات ومن ثم تصطبغ بها الحقبة التاريخية التي يكون فيها القائد أو الرئيس ممسكا بمقاليد الحكم في بلده. الحقبة.. والرئيس وعليه.. يصبح للمحلل السياسي أن يطلق على ولاية رؤساء أمريكا اسم كل منهم ما بين حقبة ريجان إلى حقبة بوش الأول كما قد نصفه إلى حقبة كلينتون التي انقضت منذ أيام وحتى حقبة جورج ووكر حقبة بوش الثاني (الابن) التي بدأت منذ أيام أيضا. وليست المسألة مجرد اختلاف شخصية عن أخرى لكن المسألة تتعلق بأمرين أساسيين وخاصة بالنسبة لبلد في حجم وإمكانات الولايات المتحدة. الأمر الأول هو أن رئيس الدولة الأمريكية يأتي إلى المكتب البيضاوي الشهير ممثلا أو مجسدا لحزمة من العناصر والعوامل التي تضم مثلا تكوينه الشخصي: تعليمه وتحصيله الأكاديمي.. الخلفية الأسرية التي نشأ في ظلها.. أبعاد الحقبة السياسية الاجتماعية التي تربى خلالها.. وبمنهج المقارنة مثلا قد يقال ان الرئيس السابق كلينتون يتفوق على الرئيس الحالي بوش من حيث الثقافة والتحصيل الأكاديمي بل والخصائص الكاريزمية التي تتسم بها شخصيته فيما يمكن القول في الوقت نفسه, ان الرئيس بوش الاتبن نشأ وتربى في بيئة مشبعة بقضايا السياسة وشئون الحكم أو كان والده كما هو معروف, من المشتغلين بالعمل العام لسنوات طوال ومن أبرز المواقع التي شغلها توليه مناصب في غاية الأهمية ما بين سفير في الصين إلى مدير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى نائب رئيس في ولاية ريجان ثم رئيس الدولة لفترة ولاية واحدة.. هذا فضلا عن السنوات التي أمضاها جورج ووكر بوش حاكما لتكساس احدى أهم الولايات الأمريكية سواء بحكم احتوائها على لوبي البترول وهو في الطليعة من حيث التأثير على مجريات الأمور أو بحكم اتساع موارد الولاية وتعبيرها عن الشخصية الأمريكية من زاوية تأثرها بالثقافة المكسيكية الهسبانية وهي تمثل احد الابعاد الاساسية في البنية الثقافية للولايات المتحدة.. الأمر الثاني هو حزمة المصالح التي يأتي رجل الدولة الأمريكي معبرا عنها.. وفيما جاء كلينتون ممثلا معبرا عن المصالح والاتجاهات الأقرب إلى يسار الوسط.. الليبرالي الذي يقود الحزب الديمقراطي الأمريكي وما يرتبط بذلك من انفتاح على الأقليات العرقية واللونية والطبقية في أمريكا.. السود.. والجماعات الأسبانية الأصل والناشطات في مجال قضايا المرأة.. فإن بوش يأتي معبرا عن مصالح وتوجهات الحزب الجمهوري التقليدية مع بعض التعديل: فمن حيث الجانب التقليدي لايزال الحزب الجمهوري يعد حزب المصالح الاقتصادية التجارية الكبرى.. اليجبيزنس كما يسمونها في أمريكا وتأتي في مقدمتها: شركات البترول العملاقة. شركات التبغ.. زراعة وتصنيفا وتصديرا. مؤسسات انتاج الأدوية والمستحضرات الطبية الصيدلانية. صديقا في مكتب الرئاسة ليس صدفة مثلا أن يصرح الناطق باسم احتكارات التبغ في أشهر الصيف الماضي. (وكان ذلك في أوج الحملة الانتخابية) أن انتخاب بوش لرئاسة أمريكا كفيل بأن يكون لهم حليف قوي في البيت الأبيض ولا صدفة أيضا أن يذهب الكثير من المحللين السياسيين إلى أن الإدارة الجديدة في أمريكا سوف تستند بالدرجة الأولى إلى تأييد (المجمع الاقتصادي العسكري) في البلاد وهو التعبير الذي سبق إلى استخدامه لأول مرة ومنذ عقد الخمسينيات الماضي الرئيس الأسبق دوايت ايزنهاور معبرا به عن تحالف احتكارات انتاج الأسلحة وتطويرها وتوزيعها وترويجها وتصديرها في الداخل أو في الخارج. ولا كانت صدفة كذلك أن تنال حملات بوش الانتخابية تأييد واحد من اقوى جماعات الضغط في واشنطن ممثلا في (جمعية البندقية الأمريكية) التي تتبني قضية تسليح أفراد الشعب من مواطني أمريكا (المدنيين حتى لا ننسى) وهم ينفقون في هذا مليارات الدولارات لاقتناء أحدث الأسلحة الشخصية السوبر متطورة والجمعية المذكورة من أركان الحزب الجمهوري وكانت من أقوى وأبرز حلفاء الرئيس الأسبق ريجان وقد اختير لرئاستها في السنوات الأخيرة وفي ضوء حملات الهجوم التي تعرضت لها خلال حقبة كلينتون الفنان تشارلتون هستون ويعدونه من الممثلين الأسطورة في هوليوود وهو بالمناسبة من أقرب الممثلين الأمريكيين إلى قلب اليهود في امريكا والعالم بعد مشاركته في دور موسى (النبي) في فيلم (الوصايا العشر) الشهير الذي أخرجه سيسيل دي ميل منذ نحو 45 عاما. أجندة كوندوليزا والمتأمل في المانيفستو أو الأجندة التي وضعتها الدكتورة كوندوليزا رايس التي قادت فريق المرشح (بوش في مجال السياسة الخارجية ومن ثم أسندوا إليها بعد الفوز منصب مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي الجديد) لا يفوته منذ الوهلة الأولى أن يقف عند ما أوصت به الدكتورة رايس كوندي كما سوف يسمونها في أروقة البيت الأبيض من توجيه انتقادات لاذعة إلى إدارة كلينتون بسبب ما قامت به في العهد السابق من خفض نفقات الدفاع وتقليص الاعتمادات المرصودة للانفاق على القوات المسلحة ومن ثم جاءت الدعوة, معبرة عن فكر وتوجهات الحزب الجمهوري إلى مزيد من التركيز على القوة هل نقول الجبروت العسكري لامريكان حيث زيادة النفقات وتطوير انواع جديدة فائقة الفعالية والتطور من الأسلحة المستحدثة.. وفي مقدمتها إحياء المخطط القديم الموروث من الحقبة الريجانية بتطوير أحدث أنواع الصواريخ الباليستية, ذاتية التوجيه فيما يعرف باسم برنامج (حرب النجوم) وهو مشروع كان البنتاجون في عهد كلينتون قد صرف النظر عنه أولا لارتفاع تكاليفه إلى سقف فلكي, وثانيا لأن الخصم السوفييتي اللدود امبراطورية الشر والظلام كما اسماها ريجان نفسه قد زالت من الوجود وثالثها لأن هذا التخصيص في الترسانات الأمريكية المسلحة ينسجم مع التزامات أمريكا إزاء سلسلة معاهدات الحد من أسلحة الاستراتيجية سولت واخواتها ورابعا لأن هذا الخصم كفيل بأن يحض الخصم الروسي حاليا على تحجيم ترسانته وعلى اصلاح اقتصاده المطلوب وعدم الإنسياق وراء أي مغامرات عسكرية غير محسوبة. عودة حرب النجوم ويبدو من الاستقراء المبدئي للأحدث التي واكبت كتابة هذه السطور أن ما ذهبنا اليه في مقالات نشرناها على صفحات (البيان) الغراء في الصيف الماضي من سطوة تأثير المجمع الاقتصادي العسكري على توجهات الحزب الجمهوري كان صحيحا إلى حد ليس بالهين ولا بالقليل, ها هي الإدارة الأمريكية الجديدة لا تضيع وقتا بل هي تستهل أولى خطوات علاقاتها الدولية بالإعلان عن استئناف برنامج حرب النجوم وتطوير الصواريخ التسيارية في ترجمة نراها سريعة, ان لم تكن متعجلة لأجندة الدكتورة كونري اياها ولا عجب فهي اكاديمية بارزة شابة ومتخصصة أصلا في الشئون الروسية ولا عجب كذلك أن يرد الكرملين على هذا الاعلان باحتجاج رافض وربما غاضب من جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ونحسب أن مثل هذه التوترات المقبلة أو فلتقل هذه الغيوم المتوقعة في سماء العلاقات الأمريكية الروسية أمر يعنينا في العالم الثالث بعامة وفي الشرق الأوسط بخاصة من حيث أنها كفيلة بصرف نظر واشنطن عن التركيز المطلوب على نحو ما كان في حقبة كلينتون, على التعاطي مع قضية النزاع الصراع العربي الصهيوني وعلى قضايا السلم والأمن والاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط بشكل عام. بوش رئيس واعد من ناحية أخرى فإذا ما أحلنا من جديد إلى منظور شخصية الفرد في السلطة.. قد نجد أن بوش ربما يشكل شخصية واعدة في ممارسة مهمته الرياسية, وهي تعنينا كثيرا.. لا لأننا مولهون في حب أمريكا..ولكن لأن أمريكا أصبحت شئنا أم ابينا هي البلد المحوري في عالم القطب الواحد. الذي تؤثر قراراته وتوجهاته على أمور كوكبنا.. ولأن السياسة كما هو بديهي لا تعرف لغة العواطف بقدر ما تتكلم بلسان المصالح, فنحن نتصور أن مؤسساتنا السياسية ومنظوماتنا الاعلامية وأجهزتنا الدبلوماسية ينبغي أن تظل مشغولة, وبصورة علمية وموضوعية, بهذا الشأن الأمريكي الذي يتماشى إلى حد بالغ وفي مواقع كثيرة شتى مع مصالحنا الوطنية وشجوننا القومية. خطورة الكاريزما لماذا نتصور أن بوش سيكون رئيسا واعدا ؟ لأنه شخصية لا تستند إلى خصيصة الكاريزما بقدر ما تستند إلى قسمات الرجل العادي, قائد الكاريزما له سحره وقدرته على جذب وحشد اعجاب الناس وتأييد الجماهير التي يربطها به كيمياء خاص سبق وحللها عالم الاجتماع السياسي الألماني ماكس فيبر وما زالت موضع دراسات وتحليلات مختلفة حتى اليوم. (تأمل مثلا استطلاعات الرأي العام من الوقوف خلف كلينتون رغم ضراوة الدعايات المعادية ومحاكمته في الكونجرس بهدف عزله من الولاية واتهامات كينيث ستار المحقق الخاص في فضيحة لوينسكي. تأمل أيضا الحشد الوداعي الذي انتظر كلينتون من الجماهير الغفيرة التي جاءت من كل صوب تحمل شعارات تقول (ابق معنا) وتصاحبه إلى أن استقل طائرة السلاح الجوي رقم واحد..للمرة الأخيرة) ولأن الزعيم القائد بشر في كل حال..كاريزميا كان أو إنسانا عاديا.. فقد يجنح الكاريزمي إلى الاستئثار بالقرار وتهميش المستشارين والخبراء.. أليس معبود الجماهير ومبعوث العناية.. أو هكذا يتصور؟ على العكس يكون القائد العادي أو فلنسمه الطبيعي غير الكاريزمي: أنه يرى نفسه قاصرا عن أن يحيط بكل شئ. وقد يعترف أحيانا بأنه يجهل أمورا شتى.. وعندما يعيش في مناخ ديمقراطي ولو على الطريقة الامريكية قد يدفعه هذا إلى أن يحيط نفسه بأهل الخبرة وأصحاب المشورة وفيهم اكفاء مقتدرون. ولقد بلغت الاستهانة بالرئيس جورج بوش الحد الذي اتهمه البعض في كلام منشور بالغباء! وربما لهذا السبب يكتب صحفي كبير هو أندروسو ليفان مقالا اشبه بالدراسة الضافية أو البورترية البروفيك الشامل لشخصية جورج بوش ويقول فيه: أعداؤه يتهمونه بالغباء.. ولكنني أقول أنهم اساؤوا فهمه لا أكثر ولا أقل (جريدة صنداي تايمز البريطانية 17/1/ 2001). وفي هذا العدد يقول سوليفان أيضا: في البداية حاول بوش أن يمارس بنفسه لعبة العلاقات العامة (كانت لعبة كلينتون المفضلة الأقواس من كاتب السطور) وكانت محاولة حمقاء كف بوش بعدها عن الممارسة وانسحب إلى مزرعته ولجأ إلى اللعبة الأخرى وهي استشارة الخبراء المقتدرين وفي مقدمتهم تشيني وبيكر (وزير خارجية الوالد, بوش الكبير) من هنا. يقول الكاتب سوليفيان عن أبرز مزايا الرئيس الأمريكي الجديد ويلخصها في عبارات تقول: انه رجل يعرف حدود قدراته.. بالمقارنة مع كلينتون الذي كان في حالة تجريب واختبار مستمر للقدرات التي كان يتمتع بها. وعليه.. نحن نتصور أن قرارات بوش سوف تخضع لعمليات هندسة وتحضير واعداد من جانب أكثر من فريق يضم خبراء ومستشارين سيكون على رأسهم طبعا نائبه تشيني ومستشارته الأولى كوندوليزا ووزير خارجيته (كبير وزرائه) كولن باول. تنبوءات..واجتهادات ولأن هذه الشخصيات معروفة من حيث تاريخها وأدائها السابق أو طروحاتها الاكاديمية يصبح من المعقول تصوير مسارات العلاقات الدولية للولايات المتحدة في الفترة المقبلة القريبة على الأقل, وبغير أن يقع تطور جذري يقلب الأوضاع.. على نحو نحاول أن نوجزه في النقاط المكثفة التالي: في قضية فلسطين.. اهتمام أقل من خفية كلينتون وربما تركيزا أكثر على جوانب الاجراءات وتدابير بناء الثقة وترك مبادرة الأطراف الاقليمية وخاصة طرفي الصراع السلطة وإسرائيل (مجيئ شارون إلى الحكم قد يغير هذه المحن). في الشرق الأوسط.. التركيز أكثر على قضايا البترول.. الانتاج.. الاقتصاديات في مجالات النقل والتسعير ثم الاستقرار السياسي العام بالمنطقة (ضد ما تعتبره واشنطن ارهابا) مع المزيد من التشدد مع العراق وأن كنا نتوقع انفراجا في مراحل ابعد سواء بحكم التصدع الذي أصاب نظام الجزاءات الدولية المفروضة, أو بحكم ما سوف يمارسه لوبي النفط في ضوء المكانة التي لا تنكر كمنتج بترولي فاعل ومؤثر ويعتد به إلى حد كبير. - على مستوى أوروبا توتر مع روسيا التي تعارض المزيد من توسيع حلف الناتو شرقا وعلاقات أقل دفء مع غرب أوروبا (توني بلير البريطاني كان أقرب إلى بيل كلينتون حيث كان الاثنان ومعهما شرويدر الألماني من أصحاب ما وصف بأنه الطريق الثالث). على مستوى افريقيا: تحجيم أي مشاركة أمريكية عسكرية أو اقتصادية يؤبه بها في حل مشاكل القارة. على مستوى امريكا اللاتينية: هي القارة التي ستنال كما نتصور أكبر اهتمام من جانب إدارة بوش الجديدة سواء بحكم الجوار الجيوسياسي (المكسيك مثلا) أو الأهمية النفطية (فنزويلا) أو الخصومة التاريخية (كوبا) أو الاهتمام بثالوث المخدرات الارهاب الجرائم الاقتصادية, ومنها غسل الأموال (كولومبيا وبيرو). الصين: من المتوقع رفع درجة التوتر بين واشنطن والعاصمة بكين وهو ما أعلنته الدوائر الأمريكية بالأمس القريب حين طالبت بالتحول في السياسة تجاه الصين من مرحلة الاحتواء (حقبة ريجن وبوش الأول) ومرحلة التعايش تمهيدا لنوع من التفاهم والشراكة (محاولات كلينتون) إلى مرحلة اعتبار الصين منافسا استراتيجيا.. وغني عن البال أن هذه كلها لا تعدو أن تكون اجتهادات تحاول القراءة في ما حصلناه خبرة مباشرة بالشأن الأمريكي وقد تابعناه ميدانيا خلال اقامتنا الطويلة في الصيف والخريف الماضي.. ومناقشاتنا الأطول في أطراف شتى أو من خلال ما توافر لدينا من وثائق وتحليلات ودراسات. قد يصدق بعضها.. وقد لا يتحقق البعض الآخر والأهم هو مداومة الرصد والمتابعة.. والله أعلم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات